الغد
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
هال براندز* - (فورين بوليسي) عدد ربيع 2026
في بعض الأحيان، يبدو أنّ تقسيم العالم إلى مدارات نفوذ متعددة هو الاتجاه الذي يسير فيه العالم فعلياً. منذ سنوات تنخرط روسيا والصين في مشاريع تهدف إلى السيطرة الإقليمية. ومن جهته، يفرض ترامب بطريقة قاسية إرادة واشنطن في الأميركتين -بالإطاحة القسرية بحكّام معادين، والمطالبة بالسيطرة على موارد حيوية، واستخدام القوة الفتاكة في أعالي البحار- بينما يَدفع الحلفاء الذين يواجهون في أوراسيا إلى تولّي مسؤولية الدفاع عن أنفسهم بأنفسهم. كما يردد استخفاف ترامب بالقانون الدولي صدى ينتمي إلى القرن الحادي والعشرين لإعلان وزير الخارجية الأميركي، ريتشارد أولني، في القرن التاسع عشر، أنّ واشنطن "تمارس عملياً السيادة على هذه القارة". ولا بد أن نلمح هنا إلى احتمال أن تحلّ الهيمنة على نصف الكرة الغربي، ذات يوم، محل حضور أميركا العالمي بدلاً من أن تكون وسيلة لتمكينه.
مع ذلك، لا يمكن اعتبار ترامب من أنصار الانكفاء النصفي الصارمين؛ وهو يروّج لـ"مبدأ دونرو" بينما يدفع في الوقت نفسه نحو اتفاقات سلام في قارات بعيدة، ويخوض حروباً بالغة الطموح في الشرق الأوسط. وربما يعود ذلك إلى إدراكه أنّ عالماً مقسّماً بصورة صارمة إلى مناطق نفوذ سيكون تراجعاً مؤلماً بالنسبة لقوة عظمى.
عندئذ، لن تعود هناك صفقات تجارية أحادية الجانب مع الحلفاء الأوراسيين الساعين بيأس إلى الحماية الأميركية. ولن يكون لدى اليابان أو ألمانيا سبب يدفعهما إلى دعم هيمنة الدولار. وإذا أُقصيت الولايات المتحدة من شرق آسيا، بما تنطوي عليه المنطقة من اقتصادات دينامية وطرق تجارة حيوية وسلاسل توريد عالية القيمة، فإنها ستجد نفسها عاجزة على الأرجح عن منافسة الصين؛ في النهاية، لا يشكل استبدال تايوان بهندوراس صفقة رابحة. ولا شك أن النفوذ العالمي ينبع من الانخراط العالمي.
إذا كان نظام قائم على مناطق النفوذ يضعف القوة الأميركية، فإنه قد يضعف أيضاً الاستقرار نفسه الذي يتوق إليه أنصاره. من الناحية النظرية، تؤمّن مناطق النفوذ سلاماً بين القوى الكبرى مقابل خضوع القوى الأصغر، حيث تقوم الدول القوية بتقسيم العالم وإبقاء العناصر المتمرّدة تحت السيطرة. وقد يكون صحيحًا أنّ مواجهة أميركية - صينية حول تايوان لن تحدث إذا انسحبت واشنطن من غرب المحيط الهادئ. ولكن لا ينبغي التعويل على سلام دائم.
سوف يجعل الاعتماد المتبادل المعقّد الانتقال إلى نظام مناطق النفوذ انتقالاً صدامياً ومشحوناً بالعداء؛ حيث سيتطلب الأمر قدراً كبيراً من الإكراه الأميركي لتقليص الاختراق الرقمي الصيني وحضوره الكبير في أميركا الجنوبية. وفي المقابل، ربما يكون نجاح الصين في إقامة مجال نفوذ في شرق آسيا مجرد بداية طموحاتها وليس نهايتها. في نهاية المطاف، كانت الهيمنة الأميركية على نصف الكرة الغربي بالنسبة للولايات المتحدة نقطة انطلاق نحو التدخل العالمي.
ولعل الأهم من ذلك كله هو أنّ مناطق النفوذ لا تُمنح ببساطة ولا تُسلَّم طوعاً؛ وغالباً ما تكون بداياتها مغموسة بالدماء. وتميل الأنظمة الاستبدادية الطموحة أيضاً إلى الأساليب الوحشية، بل وحتى إلى الإبادة الجماعية، في المناطق التي تفرض سيطرتها عليها. كما أنّ الدول الصغيرة والمتوسطة، وهي تدرك ما قد ينتظرها، تملك خيارات أخرى غير القبول السلبي بالهيمنة. وعلى سبيل المثال، قاتلت أوكرانيا بضراوة كي تبقى خارج الإمبراطورية الروسية. وربما تفعل اليابان الأمر نفسه -أو تبادر ببساطة إلى امتلاك أسلحة نووية- لتفادي الخضوع لبكين. ويقودنا هذا الخطر إلى سيناريو ثالث ربما يعقب نظامنا الآخذ في الأفول: فوضى قبيحة وعنيفة.
في المنتدى الاقتصادي العالمي لهذا العام، أعلن رئيس الوزراء الكندي، مارك كارني، أنّ انهيار النظام القديم يوفّر فرصة للقوى المتوسطة. وتستطيع هذه الدول، بحسب رأيه، بالعمل المشترك وتعزيز قدراتها، أن تشق لنفسها طريقاً بين القوى الكبرى وتحافظ لنفسها على نظام مقبول يمكن التعايش معه.
وهو في الحقيقة حلم قديم. منذ سبعينيات القرن الماضي، راود الباحثين والاستراتيجيين أمل بأن يكون بالإمكان وجود قواعد من دون حكّام، بحيث تتمكن الدول الأصغر بطريقة ما من الحفاظ على أفضل جوانب النظام الذي بنته الولايات المتحدة حتى بعد زوال القيادة الأميركية. لكنّ ذلك ليس سوى وهم. لا يمكن الحفاظ على النظام في غياب التزام القوى الأشد بأساً -فضلاً عن استحالة الحفاظ عليه في مواجهة اعتراضها. ولذلك، سيكون البديل الأرجح لحرب باردة جديدة أو لعصر إمبراطوريات جديد هو فوضى عارمة.
في هذا السيناريو، تنفلت الولايات المتحدة من عقالها: وكما نرى، تنذر الدوافع الأكثر قتامة لدى دونالد ترامب بظهور قوة عظمى خشنة تقوم بانتهاك الأعراف والقواعد. وسوف تنخرط واشنطن في توسع إقليمي عدواني، وتستولي -بالقوة أو بالإكراه- على الموارد الحيوية للدول الأضعف. كما تطالب تابعيها بقدر متزايد من الجزية، وتتدخل بلا انقطاع، دعماً للشعبويين اللا-ليبراليين، في سياسات أوروبا ومناطق أخرى. وبذلك، لا تتخلى الولايات المتحدة عن دورها العالمي، وإنما تحوّله إلى سلاح.
ويصبح هذا السيناريو بالغ الخطورة لأنّ السلوك الأميركي يخلق عالماً تصبح فيه القوى الكبرى الثلاث جميعها قوى تحريفية جشعة ومفترسة. وتجد الدول الأصغر، وخصوصاً تلك الواقعة على خطوط الصدع في أوراسيا، نفسها، مهددة بالسحق من جهات عديدة. وفي هذا المشهد، يصبح الاعتماد على الذات -ما يعني عملياً أن يخوض كل بلد معركته منفرداً- هو الردّ الوحيد الممكن.
في مثل هذا العالم، تصبح الاعتداءات الإقليمية -بل وحتى اختفاء الدول- شؤوناً أكثر شيوعاً بكثير، لأنها لن تكون هناك قوة عظمى ملتزمة بالحفاظ على الوضع القائم أو بالدفاع عن سيادة الدول الضعيفة. وبذلك سيشهد عالم "الاعتماد على الذات" تحطيم بعض الدول الهشّة أو إخضاعها أو تمزيقها. وقد تكون الحرب في أوكرانيا أشبه بمعاينة للمستقبل أكثر من كونها مجرد تذكير قبيح بالماضي. كما ستندفع دول أخرى إلى التسلح المحموم، وربما السعي إلى امتلاك أسلحة نووية باعتبارها الضمانة الأفضل للبقاء.
في الوقت نفسه، ربما تعود إلى الاشتعال تنافسات ظلت القوة الأميركية تكبحها طويلاً. وفي حال أعادت الدول الأوروبية تسليح نفسها، بينما يتفكك الاتحاد الأوروبي -ربما تحت ضغط أميركي وروسي مشترك- فلكم أن تستعدوا لعودة سباقات التسلح والمنافسات الأمنية التي كانت سائدة ذات يوم في تلك القارة. ولكُم أن تودّعوا أيضاً حرية الملاحة: مع انهيار الاستقرار الدولي، ستتسابق الدول -وحتى الجهات الشبيهة بالدول- للسيطرة على نقاط الاختناق الحيوية، من قناة بنما وطريق البحر الشمالي إلى باب المندب ومضيق هرمز. وفي عالم بلا قانون، تصبح السيطرة المادية على التجارة والموارد والأسواق أكثر أهمية، وهو ما يعزز بدوره دوافع الغزو والتوسع.
قد يبدو كل هذا أشبه بكابوس. لكنه إذا ما نُظر إليه من خلال عدسة التاريخ، لن يبدو احتمالاً بعيداً إلى هذا الحد.
لم يكتف انتهاء الهيمنة البريطانية في مطلع القرن العشرين بفتح الباب مباشرة أمام عالم جديد مستقر، وإنما أطلق أيضاً عقوداً من الفوضى. كما شكلت أوروبا متعددة الأقطاب -التي كانت آنذاك هي مركز النظام الدولي- طوال قرون سبقت صعود الهيمنة البريطانية، بيئة خصبة للاستبداد والحروب.
سيكون اعتقادنا بأنّ الاستقرار النسبي هو القاعدة، وأنّ الوحشية المنفلتة ليست سوى استثناء، مجرد صدى للأثر الفكري الذي خلّفته أجيال من الهيمنة الأميركية الحميدة. وإذا انتهت تلك الهيمنة، أو تحولت إلى هيمنة مفترسة، فاستعدوا لمواجهة انتكاسة قاسية وبشعة.
في الواقع، لا يجري كبح الفوضوية بالكامل أبداً بالقدر الذي نتصوره، كما أنّ إرهاصات عالم "الاعتماد على الذات" أصبحت حاضرة مسبقاً. والمخاوف بشأن موثوقية الولايات المتحدة تدفع إلى تنامي الاهتمام بالخيار النووي: يكفي النظر إلى اهتمام كوريا الجنوبية واليابان بالحصول على غواصات تعمل بالطاقة النووية؛ أو إلى النقاشات المتصاعدة حول التسلح النووي حتى في السويد وألمانيا. كما أنّ التفكير القائم على أسوأ الاحتمالات يكتسب زخماً متزايداً. وللمرة الأولى منذ أجيال، تحضِّر كندا نفسها، بحسب التقارير، لاحتمال الدفاع عن نفسها ضد غزو أميركي.
في الوقت نفسه، ثمة شراكات دفاعية جديدة تنشأ، وكثيراً ما تخلق توترات جديدة بدورها. وقد أثار ميثاق الدفاع بين باكستان والسعودية، الذي وُقّع العام الماضي، بالفعل، قلقاً متزايداً في الهند؛ وقد يؤدي إلى تفاقم التنافس في الشرق الأوسط مع إسرائيل إذا انضمت إليه تركيا. كما أنّ التنافس يضرب بعنف مناطق محورية من العالم. وبطبيعة الحال، نشاهد منذ زمن منطقة الخليج العربي/ الفارسي وهي تغرق في الصراعات. لكن الوضع في ليبيا وعبر منطقة القرن الأفريقي، حيث تحتدم الحروب بالوكالة بينما تتنافس قوى عدة على الموارد والمواقع الاستراتيجية، قد يكون نافذة تطل على الفوضى متعددة الأقطاب القادمة.
مع ذلك، لن تستمر هذه الفوضى إلى الأبد؛ في نهاية المطاف ستترسخ هرمية جديدة بقواعد جديدة. لكنّ الانتقال بين "السلام البريطاني" (Pax Britannica) و"السلام الأميركي" كلّف كساداً اقتصادياً عالمياً وحربين عالميتين. وحتى لو نجح العالم في العثور في النهاية على نموذج جديد للاستقرار، فإنه ربما يكتشف أيضاً أنّ الإنجازات الهائلة التي تحققت بعد العام 1945 قد تلاشت وسط الخراب الذي رافق المرحلة الانتقالية.
* * *
فكّر في لحظتنا الراهنة كمفترق طرق -نقطة يمكن أن تسلك منها السياسة العالمية واحداً من مسارات عدة. وفي هذا المشهد، يكمن عمق حالة عدم اليقين في أنّ هذه المسارات تقود إلى نهايات مختلفة جذرياً. لكنّ ما نعرفه بالفعل هو أنّ الحقبة المقبلة ستكون أكثر انقساماً وخطورة من الحقبة السابقة.
قبل عقد من الزمن، كان نشوب حرب باردة جديدة يبدو أسوأ السيناريوهات الممكنة. لكنها أصبحت اليوم، على الأرجح، أفضل ما يمكن أن نأمل فيه. سوف يشهد سیناریو "العالمين" أزمات خطيرة ومزيداً من التشظي في الاقتصاد العالمي. كما سيتطلب التفوق على صين واثقة اختارت المواجهة موارد هائلة وقدراً كبيراً من الحنكة من الكتلة الديمقراطية. لكنّ هذا السيناريو يحافظ، على الأقل، على "نصف العالم"، كما كتب وزير الخارجية الأميركي الأسبق دين أكيسون ذات مرة؛ حيث ينطوي على قدر كافٍ من التعاون الديمقراطي للحفاظ على توازن مقبول للقوى، وكبح أكثر اندفاعات بكين طموحاً. وستكون السيناريوهات الأخرى -عصر إمبراطوريات جديد يتبيّن أنه أقل استقراراً وفائدة بكثير مما يُروَّج له، أو الانحدار مجدداً إلى الفوضوية- أكثر قتامة بالتأكيد. وقد تُغري هذه المسارات قوةً عظمى نَسيت إلى حد كبير مدى بشاعة المرحلة التي سبقت "السلام الأميركي"، ولكن كُن على يقين من أنّها ستنتهي إلى الظلام.
تكمن المفارقة في أنّ الولايات المتحدة ما تزال تملك تأثيراً استثنائياً في تحديد ما سيأتي بعد النظام الذي أنشأته، لأنّ خيارات أقوى فاعل في العالم تظل -سواء كان ذلك للخير أو الشر- الأكثر تأثيراً. إذا نجح هذا البلد في استخدام أفضل سياسات دونالد ترامب، فإنه قد يتمكن من توجيه مجتمع ديمقراطي مُعاد التشكيل -حتى وإن كان مضطرباً بشدة- نحو الجهد الجماعي المطلوب لمقاومة الضغوط الاستبدادية. أما إذا انسحبت واشنطن من الساحات الخارجية، فإنها ستفتح الباب أمام سباق على مناطق النفوذ. وإذا تحولت الولايات المتحدة نفسها إلى قوة مارقة، فإنها ستنضم إلى القوى التحريفية الساعية إلى هدم النظام القديم، وستدفع العالم إلى عصر جديد من "الاعتماد على الذات".
ثمة مؤشرات على وجود الاتجاهات الثلاثة جميعها في قلب السياسة الخارجية المتقلبة التي ينتهجها ترامب. وسوف تحدد السنوات المقبلة -وكذلك الدورات الانتخابية الأميركية- أيّ هذه الاتجاهات هو الذي سيتحول إلى أنماط راسخة يصبح التراجع عنها أكثر صعوبة مع مرور الوقت.
ربما يكشف غياب التأييد الشعبي الأميركي لفكرة الاستيلاء على غرينلاند أنّ تجاوزات ترامب ستؤدي في نهاية المطاف إلى تقويض غرائزه الأكثر تهوراً. وقد يجد خلَفه، سواء كان ديمقراطياً أم جمهورياً، طريقة للجمع بين أفكار السياسة الخارجية التقليدية والوقائع السياسية الداخلية لعصر "أميركا أولاً". وعندئذ، قد يتمكن ذلك الرئيس من احتواء الاضطراب الذي أحدثه ترامب، مع الاستفادة من إرثه الأكثر فائدة لإعادة بناء العالم الحر استعداداً لحرب باردة جديدة.
أو، ربما تنقلب إحدى المغامرات العسكرية التي يخوضها دونالد ترامب عليه. وعندئذ ربما ينتصر الجناح الانعزالي الجديد داخل حركة "لنجعل أميركا عظيمة مجدداً" (MAGA) -الجناح الذي يستلهم مواقفه من معلّقين مثل تاكر كارلسون- وتتقوقع القوة العظمى داخل نصف كرتها. أو ربما يكون الخليفة الحقيقي لترامب، داخل الحزب الجمهوري وفي الرئاسة، شخصاً يرى أنّ ترامب لم يذهب بعيداً بما يكفي في استخدام القوة الأميركية لتحطيم النظام القائم. ولن تكون تلك المرة الأولى التي تستولي فيها العناصر الأكثر تطرفاً على ثورة ما في نهاية المطاف.
لا شك أن النظام القديم يحتضر، ولن تؤدي مراثي النظام الدولي الليبرالي ذي النزعة العالمية إلى إعادته إلى الحياة. ولعل السؤال الحاسم، الذي ستتوقف إجابته على العقد المقبل، هو ما إذا كانت واشنطن ستحاول استبدال ذلك العالم بشيء محفوف بالمخاطر، لكنه قابل للاحتمال، أم أنها ستدفع حالة اللايقين الراهنة نحو شيء أسوأ بكثير وأكثر تطرفاً بما لا يُقاس.
*هال براندز Hal Brands: مؤرخ وباحث أميركي متخصص في الاستراتيجية والسياسة الخارجية، يشغل منصب أستاذ هنري كيسنجر للشؤون العالمية في كلية جون هوبكنز للدراسات الدولية المتقدمة. وهو زميل بارز في معهد المؤسسة الأميركية، ومدير إداري في شركة الاستشارات الاستراتيجية "شركاء ماركو الاستشاريون". يُعرف بكتاباته وتحليلاته حول الاستراتيجية الأميركية، والتنافس بين القوى الكبرى، والعلاقات الدولية، وله مؤلفات بارزة عن السياسة الخارجية الأميركية والحرب الباردة وصعود الصين. يكتب بانتظام في مجلات وصحف أميركية مؤثرة مثل "فورين بوليسي" و"بلومبيرغ".
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Three Scenarios for a Post-Trump World