عبد الرزاق الربيعي في مرآة النقد.. كتاب يكشف جماليات تجربته المسرحية
الغد-عزيزة علي
صدر عن "الآن ناشرون وموزعون"، كتاب نقدي جديد بعنوان "بين حكمة سقراط وسرد شهرزاد: تشكيل الرؤيا في مسرح عبد الرزاق الربيعي"، من إعداد ومشاركة وتقديم الدكتور بشير سوادي، ويتناول تجربة الشاعر والمسرحي، من خلال قراءات نقدية تسعى إلى الكشف عن الخصائص الجمالية والفنية والفكرية في تجربته المسرحية، ولا سيما في مسرحيتي "سقراط"، "التغريدة الأخيرة لشهرزاد".
الكتاب يركز على مفهوم الرؤيا المسرحية وكيفية تشكلها داخل النص والعرض، من خلال تفاعل اللغة والحوار والصورة والديكور والجسد والرمز والفضاء الدرامي. كما يتتبع الكيفية التي يتجاوز بها الربيعي المباشرة في بناء نصوصه، مستفيدًا من تداخل الفلسفة والأسطورة والتاريخ والموروث، بما يفتح النص على مساحات واسعة من التأويل، ويربط بين أسئلة الماضي وقضايا الإنسان المعاصر.
ويضم الكتاب أربعة أبحاث نقدية تتكامل في مقارباتها لتجربة الربيعي، فتتناول اللغة الدرامية وجماليات الأداء، وشبكة المرجعيات والاستدعاء الدرامي وتمثيل الحكاية، والديكور بوصفه عنصرًا فاعلًا في تشكيل الفضاء المسرحي، إلى جانب بحث يتناول العلاقة بين الرؤية والرؤيا واستدعاء المحكي الدرامي الموروثي.
ويأتي هذا الإصدار بوصفه قراءة نقدية تطبيقية في تجربة إبداعية تجمع بين الشعر والمسرح، إذ ينتمي عبد الرزاق الربيعي إلى جيل من المبدعين الذين امتدت تجربتهم الشعرية والمسرحية لعقود، وراكم خلالها حضورًا إبداعيًا متنوعًا. ويسعى الكتاب إلى إضاءة خصوصية تجربته المسرحية على مستويات اللغة والصورة والرؤية والفضاء والتشكيل، وتقديم مقاربات يمكن أن تضيف إلى مسار النقد المسرحي العربي الحديث.
ويؤكد الدكتور بشير سوادي أن الكتاب لا يقتصر على تقصي الجماليات التشكيلية والدرامية في النصوص المدروسة، وإنما يطمح إلى تقديم نموذج قرائي تطبيقي يسهم في إثراء المكتبة المسرحية والنقدية العربية، ويفتح أمام الباحث والناقد وقارئ المسرح أفقًا للكشف عن جماليات التجربة وطاقاتها التأويلية.
ويقول سوادي، في مقدمة الكتاب، إن المسرح يقوم في جوهره على "كيمياء" فريدة تحيل النص المكتوب من حيّزه الهادئ والمجرّد إلى كائن حيّ يمتلئ بالحركة، ويثور بالصراع، وينبض بالجمال.
ويرى أن الفضاء الدرامي ليس مجرد حيّز جغرافي تُقام عليه منصة العرض، بل هو البوتقة الرؤيوية والجمالية التي تتضافر فيها اللغة والصورة والجسد والديكور والرمز، لتشكّل في مجموعها "الرؤيا"، التي يسعى العرض المسرحي إلى غرسها في وعي المتلقي ووجدانه.
وفي هذا السياق، تأتي نصوص الكاتب والشاعر عبد الرزاق الربيعي، ولا سيما كتابه المسرحي "سقراط والتغريدة الأخيرة لشهرزاد"، بوصفها نموذجًا دراميًا ثريًا يستفز أدوات القراءة النقدية الحديثة.
ويحمل الكتاب نصين مسرحيين يتجاوزان المباشرة التقريرية، ويفتحان أفق التلقي على اتساع التأويل؛ إذ تتقاطع في أروقتهما الفلسفة والأسطورة، ويتعانق التاريخ والحاضر، فيما تتحول المفردة إلى فعل إجرائي، والمكان إلى جغرافية للذهن والنفس والروح والذاكرة والرؤية والرؤيا.
ومن هنا، جاء الكتاب ليقرأ أبعاد هذا الفضاء الدرامي، ويبني جسورًا من القراءة النقدية الرصينة حول تشكيلات الرؤيا فيه، من خلال أربعة أبحاث نقدية مكثفة قدمها نخبة من الأساتذة والباحثين المتخصصين.
ويشير المؤلف إلى أن الكتاب يتوزع على أربعة أبحاث نقدية متكاملة، يستكمل كل منها زاوية من زوايا الرؤية الدرامية، ويضيء جانبًا من جماليات النص والسينوغرافيا لدى الربيعي.
ويتناول البحث الأول، المعنون "مسرحة الحوار: اللغة الدرامية وجماليات الأداء"، للدكتور بشير سوادي، بنية الحوار المسرحي، متتبعًا كيفية انتقال الكلمة لدى الربيعي من صيغتها اللغوية المعجمية إلى شحنتها الدرامية والإنجازية.
ويستعرض الباحث آليات مسرحة اللفظة وتحويل الحوار من مجرد تبادل للحديث إلى فعل حركي ووجداني يسهم في إدارة الصراع، وينعكس على جماليات الأداء التمثيلي والتجسيدين البصري والسمعي على الخشبة.
أما البحث الثاني، فجاء بعنوان "شبكة المرجعيات: الاستدعاء الدرامي وتمثيل الحكاية"، للدكتورة انتصار البكوع، ويغوص في فحص البنية التناصية والمرجعيات الثقافية التي يتكئ عليها النص المسرحي.
وتطرح الباحثة رؤية تفكيكية لكيفية استدعاء الشخصيات والموروثات التاريخية والأسطورية، مثل سقراط وشهرزاد، وإعادة تمثيل الحكاية وتوظيفها دراميًا لخدمة أسئلة الإنسان المعاصر ومآزقه الوجودية.
ويأتي البحث الثالث بعنوان "الديكور: من بؤرة المكان إلى دراما التشكيل"، للدكتور حسين إبراهيم موسى الجاسم، لينقل القارئ إلى الفضاء السينوغرافي والمرئي، مسلطًا الضوء على الديكور بوصفه عنصرًا دراميًا فاعلًا، لا مجرد خلفية صامتة.
ويحلل الباحث كيفية تحول المكان المسرحي من مجرد بؤرة جغرافية محددة إلى تشكيل درامي ناطق بالدلالة، يتفاعل مع حركة الممثلين ويسهم في بناء المناخ النفسي والرؤيوي للعمل.
ويختتم الكتاب بالبحث الرابع، المعنون "الرؤيا والرؤية: استدعاء المحكي الدرامي الموروثي"، الدكتور محمد صابر عبيد، الذي ينفذ إلى عمق التمفصل بين الرؤية البصرية المحسوسة والرؤيا الفلسفية التجريدية.
ويتتبع عبيد آليات استدعاء المحكي الدرامي الموروث، وكيف يتحول هذا الموروث، في تجربة عبد الرزاق الربيعي، إلى طاقة تجديدية تعيد صياغة الحاضر عبر مرآة الماضي، ضمن أفق نقدي نصوصي متماسك ومكثف، ورؤية عميقة في تمثل عناصر التشكيل وقراءتها.
ويبيّن سوادي أن هذا الكتاب، بمباحثه كافة وتكامل زواياه النقدية، لا يطمح إلى تقصّي الجماليات التشكيلية والدرامية في مسرحيتي "سقراط"، "التغريدة الأخيرة لشهرزاد"، فحسب، بل يسعى أيضًا إلى تقديم نموذج قرائي تطبيقي يسهم في إثراء المكتبة المسرحية والنقدية العربية.
ويضم الكتاب مجموعة من القراءات النقدية الحديثة في تجربة الشاعر والمسرحي عبد الرزاق الربيعي، صاحب التجربة الشعرية الممتدة لأكثر من نصف قرن، ظل خلالها حاضرًا ومتألقًا وفاعلًا ومنتجًا. وهو من الشعراء القلائل الذين ترافقت تجربتهم الشعرية مع تجربة مسرحية ثرية، شكّلت تجربة متميزة على أكثر من صعيد، وأثبت فيها الربيعي كفاءة إبداعية نوعية.
وخلص سوادي الى ان هذا الكتاب يأتي إسهامًا في إضاءة فضائه المسرحي ذي الخصوصية العالية، على مستوى اللغة والصورة والرؤية والفضاء والتشكيل، وسائر متطلبات العمل الإبداعي الدرامي. ويأمل المؤلف أن يجد فيه الباحث والناقد وقارئ المسرح شغف الكشف وجمالية التلقي.