الغد
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
آلون بن مئير* – (مدونة الكاتب) 19/8/2026
ماذا لو كان الرجل الذي سجنته إسرائيل بتهمة القتل هو أيضاً الفلسطيني الوحيد القادر على تحقيق السلام؟ يجسد مروان البرغوثي مفارقة تكمن في صميم الصراع: شرعية وُلدت من المقاومة، لكنها ملتزمة بالتعايش. وعلى الرغم من أن إطلاق سراحه في ظل الذهنية الوطنية الإسرائيلية السائدة حالياً أمر مستبعد، فإنه يتعين على الناس والقادة داخل إسرائيل وخارجها أن يرفعوا أصواتهم، وأن يطالبوا باستمرار بتغيير مسار الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني نحو السلام، وهو مسار يمكن أن يسهم البرغوثي في تيسيره.
يظل مروان البرغوثي واحداً من أكثر الشخصيات تأثيراً وإثارةً للجدل في الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني. وقد اعتقلته القوات الإسرائيلية في نيسان (أبريل) 2002، خلال الانتفاضة الثانية، ثم أُدين في العام 2004 بتهم متعددة بالقتل والتآمر على خلفية هجمات استهدفت مدنيين إسرائيليين. وهو يقضي حالياً خمسة أحكام بالسجن المؤبد. وقد أُدين في محاكمة تم التنديد بها على نطاق واسع باعتبارها غير شرعية وذات دوافع سياسية. وخلص "الاتحاد البرلماني الدولي"، الذي يمثل أكثر من 180 برلماناً وطنياً من -بينها الكونغرس الأميركي- إلى وجود "انتهاكات عديدة للقانون الدولي" في قضيته. وأكد الاتحاد أنه "من المستحيل استنتاج أن السيد البرغوثي حظي بمحاكمة عادلة".
بصرف النظر عن خطورة التهم الموجهة إليه أو غياب الأدلة عليها، فإنه لا ينبغي النظر إلى مسألة إطلاق سراح البرغوثي من منظور العدالة وحده، ويجب مقاربتها أيضاً من منظور أوسع يشمل عناصر الضرورة السياسية، وحل النزاع، والاستقرار الإقليمي على المدى الطويل، وإحلال السلام.
تكمن أهمية البرغوثي في إدراك ما يتمتع به من رصيد سياسي فريد لدى الفلسطينيين. وعلى النقيض من كثير من القادة الفلسطينيين الذين يظلون محصورين في فصائل بعينها، يحظى البرغوثي بشرعية نادرة عابرة للتيارات تمتد عبر الانقسامات الأيديولوجية -من القوميين العلمانيين إلى أطراف داخل الحركات الإسلامية. وفي المشهد السياسي الفلسطيني المتشظي، تشكل هذه المكانة التوحيدية النادرة للقيادة حالة استثنائية.
وهكذا، ينطوي استمرار حبسه على تداعيات إستراتيجية تتجاوز كثيراً حدود الاعتبارات القانونية الداخلية في إسرائيل. وينظر الفلسطينيون على نطاق واسع إلى البرغوثي بوصفه قائداً يجمع بين رصيد المقاومة وفهم براغماتي للحقائق السياسية. وكان قد دافع باستمرار عن حل الدولتين، مع إقراره بأن التعايش مع إسرائيل ليس حتمياً فحسب، وإنما ضرورياً أيضاً. وفي الوقت نفسه، يمنحه تاريخه في المقاومة مصداقية لدى قطاعات قد ترفض أي تسوية بصورة قاطعة لولا ذلك.
هذه الشرعية المزدوجة -شرعية المقاومة والبراغماتية- هي ما يميز البرغوثي عن سائر القادة الفلسطينيين، ويضعه في موقع قد يؤهله ليكون عاملاً محفزاً لمفاوضات ذات معنى. ومن دون شخصية كهذه، يغلب أن تظل الجهود الرامية إلى إحياء عملية سلام ذات مصداقية متعثرة نتيجة عدم وجود قيادة فلسطينية قائمة تتمتع في آن واحد بالسلطة والثقة اللازمتين لحشد تأييد فلسطيني واسع النطاق لتقبل تسويات صعبة.
لفهم هذا الموقف، يمكن عقد مقارنة تاريخية مفيدة مع نيلسون مانديلا. مثل البرغوثي، سُجن مانديلا لعقود بتهم مرتبطة بالمقاومة العنيفة. ومع ذلك، شكّل إطلاق سراحه في العام 1990 نقطة تحول تجاوزت جنوب أفريقيا لتؤثر أيضاً في النظرة العالمية إلى حل النزاعات. ولم يخرج مانديلا من السجن كشخصية تسعى إلى الانتقام، وإنما كرجل دولة ملتزم بالمصالحة. وقد أدرك أن السلام المستدام يتطلب شجاعة أخلاقية، ورؤية سياسية، وقدرة على تحويل الشرعية إلى قوة توحيدية.
ثمة نزاعات أخرى توضح أيضاً كيف يمكن لإطلاق سراح القادة المسجونين أن يعيد رسم المسارات السياسية. في أيرلندا الشمالية، نص اتفاق "الجمعة العظيمة" للعام 1998 على الإفراج المبكر عن سجناء مرتبطين بالجماعات شبه العسكرية، وقد اضطلع كثير منهم لاحقاً بأدوار بناءة في تحقيق استقرار النظام السياسي. وفي الجزائر أيضاً برز أحمد بن بلة، الذي كانت السلطات الاستعمارية الفرنسية قد سجنته في وقت سابق، ليكون شخصية محورية في انتقال البلاد إلى الاستقلال، مقدماً مثالاً على الكيفية التي يمكن أن يتحول بها قادة محتجزون لاحقاً إلى مهندسين لبناء الدولة والمصالحة السياسية.
وليست المقارنة كاملة في الحقيقة، ولا توجد أوجه مقارنة تاريخية أيضاً، لكنها تظل مفيدة ودالة على أي حال. فهي تبرز إمكانية أن يتحول أشخاص ارتبطت أسماؤهم ذات يوم بالعنف إلى عناصر لا غنى عنها لتحقيق السلام، شريطة أن يمتلكوا السلطة السياسية والرؤية الإستراتيجية اللازمتين لقيادة شعوبهم نحو المصالحة.
لن يكون إطلاق سراح البرغوثي فعلاً من أفعال التساهل المنفصلة عن الواقع، وسيكون قراراً سياسياً واعياً ومحسوباً وله تداعيات بعيدة المدى. وهناك في الحقيقة عدة اعتبارات رئيسية تدعم هذا الطرح.
أولاً، يمكن أن يسهم إطلاق سراحه في إعادة بناء قيادة فلسطينية ذات مصداقية قادرة على التفاوض مع إسرائيل. فقد أدت أزمة القيادة الحالية داخل السلطة الفلسطينية، إلى جانب الانقسام المستمر مع "حماس"، إلى تقويض آفاق التمثيل الفلسطيني الموحد بشدة. وبإمكان البرغوثي أن يعيد قدراً من التماسك السياسي للموقف الفلسطيني.
ثانياً، من المرجح أن يؤدي إطلاق سراحه إلى إضعاف السرديات المتطرفة. فالحركات مثل "حماس" و"الجهاد الإسلامي" تستمد جزءاً من قوتها من الاعتقاد بأن الدبلوماسية قد فشلت. ويستطيع البرغوثي، الذي يحظى باحترام عابر لمختلف الفصائل، أن يتحدى هذه السردية من خلال إظهار أن الانخراط السياسي يمكن أن يفضي إلى نتائج ملموسة.
ثالثاً، يمكن أن يولّد إطلاق سراح البرغوثي زخماً دولياً متجدداً من أجل السلام. وكان الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني قد تراجع عن صدارة الدبلوماسية العالمية في ظل طغيان أزمات أخرى عليه. ومن شأن خطوة جريئة كهذه أن تعيد وضع الصراع في إطار جديد، وربما تحفّز الأطراف الدولية على إعادة الانخراط فيه بصورة جادة وفاعلة.
رابعاً، يمكن أن يكون لإطلاق سراح البرغوثي أثر جالب للاستقرار في الديناميات الإقليمية الأوسع. وما يزال الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني يشكل أحد المظالم المركزية التي تستغلها إيران وشبكة الجهات الفاعلة من غير الدول المرتبطة بها، بما في ذلك "حزب الله" اللبناني. ولن يؤدي حل هذا الصراع إلى إزالة هذه التوترات، لكنه قد يقلل من فاعليتها بوصفها أدوات لحشد التأييد والتحريض ضد إسرائيل.
خامساً، يمكن إعادة تأطير إطلاق سراح البرغوثي بحيث لا يُنظر إليه على أنه تنازل إسرائيلي، وإنما كاستثمار إستراتيجي في الأمن على المدى الطويل. ويُظهر تاريخ إسرائيل أن التفوق العسكري وحده لا يمكن أن يحقق سلاماً دائماً. ويتطلب الأمن المستدام بوضوح ترتيبات سياسية تعالج الأسباب الكامنة وراء الصراع. وبذلك، سيصب تمكين قائد فلسطيني قادر على فرض مثل هذه الترتيبات والحفاظ عليها في مصلحة إسرائيل نفسها.
سادساً، سيكون انخراط الولايات المتحدة حاسماً في تيسير مثل هذه الخطوة. لا يوجد طرف خارجي آخر يتمتع بنفوذ أكبر على عملية صنع القرار الإسرائيلية. وإذا كانت إدارة أميركية مستقبلية -بل وحتى إدارة ترامب- جادة في الدفع نحو تحقيق سلام إسرائيلي-فلسطيني، فعليها أن تكون مستعدة لإعطاء الأولوية لمبادرات جريئة وحساسة سياسياً. ويمكن أن يشكل تشجيع إطلاق سراح البرغوثي حجر الزاوية في مثل هذا الجهد.
لا شك في أن العقبات هائلة. ما يزال الرأي العام الإسرائيلي شديد الشك -إن لم يكن معارضاً بصورة صريحة- لإطلاق سراح شخصية أُدينت بتدبير هجمات دامية. وستواجه أي حكومة إسرائيلية تفكر في اتخاذ مثل هذه الخطوة معارضة داخلية شديدة. لكنّ التاريخ يشير إلى أن القرارات التحويلية في الصراعات الممتدة غالباً ما تتطلب شجاعة سياسية تتجاوز المزاج الشعبي الآني.
بالنسبة للإسرائيليين، لا يتعلق السؤال الجوهري بما إذا كان البرغوثي شخصية لا تشوبها شائبة، وإنما يتعلق بما إذا كان إطلاق سراحه يمكن أن يغيّر مسار الصراع تغييراً ملموساً. بعد ما يقرب من ثمانية عقود من العنف المتكرر، أصبح واضحاً بصورة لا تقبل الجدل أن الوضع القائم غير قابل للاستمرار. لم يتمكن الردع العسكري، على الرغم من ضرورته، من تحقيق الاستقرار. كما لم يؤد غياب أفق سياسي ذي مصداقية إلى ذلك. وقد أثبتت حكومة نتنياهو اليمينية المتطرفة خطورة الاعتماد على القوة العسكرية لإخضاع الفلسطينيين.
لذلك يجب إيصال رسالة واضحة إلى الجمهور الإسرائيلي: لن يكون هناك أمن دائم، ولا استقرار إقليمي، ولا تطبيع مع الدول العربية الأخرى من دون حل القضية الفلسطينية. ولن يوفر السعي إلى إقامة "إسرائيل الكبرى" أو إدارة الصراع إلى أجل غير مسمى لإسرائيل سلاماً ولا شرعية. والتعايش ليس تنازلاً؛ وإنما هو السبيل الوحيد القابل للديمومة والمضي إلى الأمام.
لست ساذجاً إلى حد افتراض أن إطلاق سراح البرغوثي يشكل احتمالاً قائماً في ظل الذهنية الوطنية السائدة حالياً بين الإسرائيليين، كما أنني لا أعتقد أن أي حكومة جديدة ستأتي بعد انتخابات تشرين الأول (أكتوبر) ستتحلى بالشجاعة والرؤية اللازمتين لاتخاذ مثل هذه الخطوة التاريخية.
لكن هذا لا يعني أننا يجب أن نستسلم للوضع القائم المحفوف بالمخاطر. وعلى كل شخص أو قائد داخل إسرائيل وخارجها يهتم بمستقبل البلاد، أو يهتم برفاه الفلسطينيين وحقهم في إقامة دولتهم، أن يرفع صوته وأن يثير الحوار. إن الوقت ليس في مصلحة إسرائيل في ظل التآكل الخطير لشرعيتها الدولية عقب الحرب الكارثية في غزة.
لا ينبغي فهم إطلاق سراح مروان البرغوثي بوصفه ثمناً يتعين دفعه، وإنما كفرصة ينبغي اغتنامها. وهو يمثل نافذة إستراتيجية لإعادة تشكيل السياسة الفلسطينية، وإنعاش الدبلوماسية، وإعادة ضبط الديناميات الإقليمية في اتجاه يخدم المصالح بعيدة المدى لجميع الأطراف المعنية.
بعد عقود من إراقة الدماء، لم يعد التشبث بالوضع القائم إستراتيجية بقدر ما أصبح استسلاماً للصراع الدائم. ولن يكون إطلاق سراح مروان البرغوثي فعل رحمة، وإنما ضرورة إستراتيجية. ومن دون تحرك جريء، سيظل السلام وهماً؛ أما إذا اتُّخذ القرار بالمضي في هذا التحرك، فقد يبرز أخيراً مسار ذو مصداقية نحو تعايش سلمي حقيقي ومستدام.
*ألون بن-مئير Alon Ben-Meir: أستاذ متقاعد للعلاقات الدولية، درّس في مركز الشؤون العالمية بجامعة نيويورك، وكان زميلاً أول في معهد السياسة العالمية، متخصصاً في شؤون الشرق الأوسط وغرب البلقان والمفاوضات الدولية وحل النزاعات. وُلد في بغداد في العام 1937، وشارك على مدى عقود في مفاوضات وقنوات اتصال غير رسمية بين إسرائيل ودول عربية وتركيا، كما قدّم إحاطات لوزارة الخارجية الأميركية وظهر بانتظام في وسائل الإعلام الدولية. يحمل درجة الماجستير في الفلسفة والدكتوراة في العلاقات الدولية من جامعة أكسفورد، وله عدد من الكتب والدراسات حول الصراع العربي-الإسرائيلي والإرهاب والسياسة الإقليمية، كما يكتب مقالات دورية تُنشر على نطاق واسع.
*نشر هذا المقال تحت عنوان:
A Prisoner, A Peacemaker, and Israel’s Defining Choice