ترامب حبيس المضيقين.. بين هرمز وباب المندب
الغد
هآرتس
بقلم: تسفي برئيل
17/7/2026
"إن سبيل النصر وتحقيق حقوق الأمة في هذه الحرب يكمن في العمل وفقا لتوجيهات القيادة وخريطة طريق دقيقة تقوم على المقاومة والعقلانية، والاستخدام الأمثل لكل القدرات الأمنية والدبلوماسية لفرض إرادتكم على العدو وتقليل الأضرار الاقتصادية للحرب على الشعب".
هذا ما قاله محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان ورئيس فريق التفاوض الإيراني، يوم الثلاثاء الماضي، في بيان مطول وبليغ حافل بالدعوات إلى "الوحدة والالتزام"، و"طاعة القيادة"، والتوصية بعدم الاستماع إلى الأصوات التي تسعى إلى بث الفرقة والخوف. وقد وصف قاليباف التحديات التي يواجهها النظام والشعب حاليا، وكانت له أيضا رسالة شخصية.
"لقد كرست حياتي لمحاربة العدو. لا أخشى الحرب مع العدو أو الافتراء أو التهديد أو الدمار، وأريد الانضمام إلى أصدقائي وقادتي في هذا الدرب".
تشير هذه الأقوال بوضوح إلى صراعات النفوذ الدائرة علنا منذ أسابيع بين الأقطاب الراديكالية المعارضة للمفاوضات، أي المفاوضات مع الولايات المتحدة، وبين الجهات الساعية إلى العودة إلى طاولة المفاوضات، بمن فيها قاليباف نفسه. ولا يقتصر هذا التنافس على المستوى السياسي والإعلامي فقط، بل يملي أيضا مكان إطلاق الصواريخ، ومن تستهدف، ومتى، والأهم من كل ذلك: من يصدر الأمر.
على سبيل المثال، ليس من الواضح من قرر مهاجمة القواعد العسكرية الأميركية في عُمان يوم الأحد، بعد وقت قصير من مغادرة وزير الخارجية عباس عراقجي للعاصمة مسقط، عقب نقاش مطول حول الترتيبات المحتملة لحل أزمة الملاحة في مضيق هرمز. هل كان هذا قرار المجلس الأعلى للأمن القومي برئاسة محمد باقر ذو القادر، خليفة علي لاريجاني الذي اغتيل في آذار (مارس)؟ وهل كان وزير الخارجية يعلم أصلا بوجود نية للهجوم؟ وهل يتم إبلاغ قاليباف مسبقا بكل قرار يتخذه الحرس الثوري، حتى وهو ينشغل بمهمة دبلوماسية حساسة؟
الأهم من ذلك: أين مجتبى خامنئي الذي يتحدث قاليباف باسمه؟ ليس هو وحده، بل إن خصومه أيضا يستخدمون اسم المرشد الأعلى أو تصريحات منسوبة إليه لتأكيد صحة مزاعمهم ضد بعضهم بعضا. ويكتسب هذا السؤال أهمية خاصة في إدارة النزاعات المسلحة الدائرة بين الولايات المتحدة وإيران.
بحسب قاليباف، تُعد هذه النزاعات جزءا من سياسة الرد و"عدم الخوف" في مواجهة القوة الهائلة للولايات المتحدة، لكنها أيضا عنصر ضروري في إدارة الصراع الدبلوماسي. "يتم تحديد الخط الفاصل بين الحرب والتفاوض مع العدو بناء على المصالح الأمنية والمصالح الوطنية، ويُعهد إلى المرشد الأعلى والقائد الأعلى بتحديد استخدام كل أداة من هذه الأدوات وفقا لمتطلبات الزمان والظروف". وأوضح قائلا: "نحن جميعا ملزمون بالسعي نحو الحرب أو الدبلوماسية أو الاثنين معا، وفقا للمهمة التي حددها المرشد الأعلى".
لا يختلف هذا الموقف كثيرا عن موقف الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي يهدد بإلحاق أضرار جسيمة بالبنى التحتية الإيرانية للكهرباء والطاقة "إلى أن يوافقوا على العودة إلى طاولة المفاوضات". ولا يتعلق الأمر بتدمير النظام أو "تدمير حضارة إيران"، بل هو وسيلة لإجبار إيران على التفاوض. وتكمن المفارقة في أن الطرفين يقران بأن مذكرة التفاهم فقدت صلاحيتها، ويتهم كل طرف الطرف الآخر بارتكاب انتهاكات جوهرية، مثل تجديد العقوبات الأميركية على إيران وشن الجيش الأميركي هجمات على أهداف داخل حدودها، في حين يتهم الطرف الإيراني بشن هجمات على ناقلات نفط وأهداف أخرى في الدول العربية. لكن استخدام مصطلح "الانتهاكات" بحد ذاته ربما يشير إلى أن الطرفين ما زالا يعتبران مذكرة التفاهم أساسا لأي مفاوضات مستقبلية.
مع ذلك، من الواضح في الولايات المتحدة من يتخذ القرارات، بينما ما يزال هذا الأمر غامضا في إيران. ولهذا الأمر آثار عملية على أرض الواقع، إذ تملي الخلافات والمنافسات السياسية تطورات تؤدي إلى تصعيد الصراع وتدهوره إلى حرب شاملة. ومع اضطرار قاليباف إلى الدفاع سياسيا عن أهمية الدبلوماسية ("المفاوضات ليست حل وسط، بل جزء من إستراتيجية المقاومة"، كما قال)، والدفاع عن نفسه ضد منتقديه الذين يطالبون بإقالته، يصعّد الإيرانيون الآن تهديدهم بإغلاق مضيق باب المندب قبالة سواحل اليمن في حال شنت الولايات المتحدة هجمات على منشآت الطاقة في إيران.
التقرير الذي يفيد بأن إيران أمرت الحوثيين بالاستعداد لإغلاق المضيق، وأن قواتهم انتشرت بالفعل في مواقع تتيح لها مهاجمة السفن، لا يضمن امتثال الحوثيين فعليا للأمر الصادر من طهران، حتى لو صدر. لكنه يحتم علينا افتراض أنهم سيتصرفون على هذا النحو. ولا حاجة للخوض في تفاصيل الأضرار الاقتصادية العالمية المترتبة على ذلك، فهذه التجربة معروفة من الحملة السابقة ضد الحوثيين.
ستكون الضربة الأولى والرئيسة من نصيب السعودية، التي حوّلت خط أنابيب النفط الذي يمر في المملكة من شرق بقيق وصولا إلى مدينة ينبع على ساحل البحر الأحمر، حيث يوجد شريان التصدير الرئيس. ورغم أن هذا الخط قادر على نقل نحو 7 ملايين برميل من النفط يوميا، فإن محطات التحميل في ينبع لا تستطيع عمليا استيعاب أكثر من 4–4.5 مليون برميل يوميا. نظريا، في حال إغلاق مضيق باب المندب، سيبقى بإمكان السعودية تسويق نفطها عبر قناة السويس، لكن القيود الملاحية في القناة تمنع مرور ناقلات النفط العملاقة، وبالتالي لن يكون أمام السعودية سوى الطريق الشرقي نحو آسيا. ومع ذلك، إذا قرر الحوثيون إغلاق الملاحة في المضيق، فلن يكون أمام السعودية طريق تصدير آمن.
وتتضمن قصة باب المندب خللا خطيرا آخر في طريقة إدارة الولايات المتحدة للمفاوضات. فعندما نوقشت اتفاقية وقف إطلاق النار في نيسان، طالبت إيران بتطبيقها على كل الجبهات، لا سيما في لبنان. ووافقت الولايات المتحدة على هذا الشرط، وفرضت وقف إطلاق النار في لبنان على إسرائيل؛ وقفا جزئيا في البداية، ثم وقفا كاملا لاحقا، لكنها لم تشترط انضمام الحوثيين إلى الاتفاق. ويبدو أن ترامب قد اعتمد على اتفاق وقف إطلاق النار الذي توصل إليه مع الحوثيين في 6 أيار 2025، والذي تعهدوا بموجبه بعدم مهاجمة السفن في البحر الأحمر، باستثناء السفن الإسرائيلية أو المتجهة إلى إسرائيل.
لكن الحوثيين أوضحوا حينها أنهم سيتجاهلون وقف إطلاق النار إذا هاجمت الولايات المتحدة أو إسرائيل إيران. وقد امتنعوا عمليا عن شن أي هجمات خلال حرب الـ12 يوما في حزيران (يونيو) 2025، ولم يستأنفوا هجماتهم على السفن غير الأميركية إلا في شهر تموز (يوليو)، حيث أغرقوا سفينة ترفع علم ليبيريا.
والآن سيتعين على الحوثيين أن يقرروا ما إذا كانوا يريدون انهيار وقف إطلاق النار الذي وقعوه مع السعودية عام 2022 بشكل كامل، والذي انتهى بوضوح للمرة الأولى هذا الأسبوع عندما قاموا بمهاجمة أهداف في السعودية بالصواريخ ردا على قصف مدرجات مطار صنعاء الخاضع لسيطرة الحوثيين.
يصعب إحصاء المرات التي تراجع فيها ترامب عن نواياه للهجوم، وأوقف عمليات القصف الكثيف قبل بدايتها بقليل، ومنح نفسه مزيدا من الوقت للتفاوض؛ مرة بناء على طلب من باكستان، ومرة أخرى بفضل السعودية أو قطر، اللتين تمكنتا من وقفها، وأحيانا وفّرت إيران الذريعة لاستئناف جلسات الوساطة. وفي نهاية الأسبوع سيتضح ما إذا كان سيُعثر هذه المرة أيضا على وسيط يقدم لترامب الدعم المطلوب للتخلص من خطر استئناف الحرب.