الغد
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
فيجاي براشاد* – (معهد ثلاثي القارات للبحوث الاجتماعية) 3/8/2026
تراجُع التغطية الإعلامية للإبادة الجماعية الأميركية–الإسرائيلية بحق الفلسطينيين لم يؤدِّ إلى انحسار العنف. بل إن استمرار هذه الإبادة هو تحديدًا ما يتيح للعالم أن يصرف نظره عنها.
ثمة كوارث تختفي لأنها تنتهي. وثمة كوارث أخرى تختفي لأنها تستمر زمنًا طويلًا إلى درجة يَعتاد معها العالم وجودها. فتكف عن مقاطعة جداول البث التلفزيوني ومقاطع "إنستغرام ريلز"، تمامًا كما لم تعد تتصدر الصفحات الأولى للصحف.
وعندئذٍ تعود الأسواق المالية إلى حساباتها المعتادة، وتستأنف الآلة اليومية للحياة السياسية والاقتصادية إيقاعها المألوف، ويُطلب من الدبلوماسيين أن يطووا ملفات إحاطاتهم بشأن ذلك الموضوع المرهق –حتى وإن ظل مؤلمًا.
مع ذلك، تبقى الكارثة على حالها: لم تختفِ الإبادة الجماعية الأميركية–الإسرائيلية بحق الفلسطينيين في غزة لأن سلامًا جديدًا قد تحقق، وإنما لأن ديمومة الإبادة الجماعية جعلتها خبرًا قديمًا غير قابل للتسويق إعلاميًا.
كان هناك وقت تومض فيه كلُّ غارة في غزة على شاشة هاتفي؛ صور مروعة لأطفال يُنتشلون من تحت الأنقاض؛ وعاملين في المجال الطبي يحاولون إسعاف المرضى بينما المستشفى نفسه يتعرض للقصف؛ وعائلات تصيح من شدة الفجيعة بينما كانت القنابل الإسرائيلية تمحو سلالات فلسطينية بأكملها.
وما تزال الهجمات الإسرائيلية مستمرة، بينما تنتقل العائلات من مأوى مؤقت إلى آخر، ويبحث الأطفال بين كتل الخرسانة المحطمة عن بقايا حياة كانوا يعرفونها ذات مرة. لكنّ انتباه العالم انصرف إلى أماكن أخرى بعد أن أصبحت الإبادة الجماعية أمرًا اعتياديًا. لقد أصابنا ذلك الخدر المريح.
يفوق حجم الموت والدمار في غزة القدرة على الاستيعاب. وتفيد وزارة الصحة الفلسطينية بأنه منذ كانون الأول (أكتوبر) 2023، أسفر العنف الإسرائيلي عن استشهاد ما لا يقل عن 73.221 فلسطينيًا (نصفهم من النساء والأطفال)، وإصابة 173.654 آخرين بجروح. وبحلول شباط (فبراير) 2026، كان قد استشهد في غزة ما لا يقل عن 21.289 طفلًا، فيما أصيب 44.500 طفل آخرين.
وحتى بعد دخول ما سُمّي باتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 11 كانون الأول (أكتوبر) 2025، أسفر العنف الإسرائيلي عن استشهاد 1.100 فلسطيني، بينهم ما لا يقل عن 260 طفلًا، وإصابة 3.546 آخرين. وهذا يعني أن الإسرائيليين قتلوا، في المتوسط، أربعة فلسطينيين في كل يوم منذ ذلك الحين.
هناك لحظات في التاريخ تفقد فيها الكلمات معناها. وليس لأن القواميس أُعيدت كتابتها، ولا لأن اللغة نفسها تغيرت، وإنما لأن السلطة السياسية تفرغ الكلمات من الحقائق التي كانت تصفها ذات يوم.
وقد اكتسبت عبارة "وقف إطلاق النار" بشكل متزايد هذه السمة القاحلة عندما يستخدمها المسؤولون الإسرائيليون والأميركيون. فما كان يُفهم في السابق على أنه تعليق للعنف، وإسكات للبنادق، وخلق لحيز سياسي يفسح المجال أمام السلام، أصبح يعني شيئًا مختلفًا تمامًا: أصبح مصطلحًا إداريًا لاستمرار القصف، والتهجير، والحصار، والسيطرة العسكرية، باسم السلام.
تحاول الإحصاءات قياس حجم الدمار المروع بالأرقام، لكن الأرقام لا تستطيع أن تُجسد معنى الغياب. خلف كل رقم تقف عائلة انكسر تاريخها، وطفل سيظل يتذكر إلى الأبد بيتًا لم يعد له وجود، أو ــفي حالات كثيرةــ سلالة عائلية بأكملها مُحيت من الوجود.
وهذه الأرقام، في حد ذاتها، مروعة بما يكفي، كما تعكسها تقارير "وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى (الأونروا)، التي أصبحت التبرعات لدعمها متأخرة وأكثر من مستحقة. وأصبح كل تقرير يصدر عن الأمم المتحدة يبدو أقرب إلى سجل يوثق كارثة دائمة أكثر منه إلى نشرة طوارئ.
ما معنى الغضب والاستنكار عندما يبدو أنه لا يترتب عليهما أي ثمن سياسي مقابل الانتهاك الإسرائيلي الكامل للقانون الدولي؟ ثمة خارج أنقاض غزة خريطة فلسطين يعاد رسمها في الضفة الغربية المحتلة والقدس الشرقية. ولا يكاد يمر يوم من دون تقارير عن مصادرات الأراضي وتوسيع المستوطنات، وهدم المنازل الفلسطينية، والهجمات العنيفة التي يشنها المستوطنون، والتفتيت المستمر للأراضي الفلسطينية.
تفيد منظمة "عير عميم" (مدينة الشعوب)، وهي مجموعة مناصرة عامة وقانونية من القدس، بأن سلطات التخطيط الإسرائيلية صوتت على هدم 800 منزل في حي أم ليسون الفلسطيني في القدس الشرقية المحتلة، وبناء 450 منزلًا للمستوطنين غير القانونيين، في إطار سياسة أوسع نطاقًا تقوم على الطرد والضم.
بينما يتم تدمير غزة بقوة عسكرية ساحقة، يجري تحويل القدس الشرقية والضفة الغربية من خلال الضم البيروقراطي، والذرائع القانونية، والمستوطنات الدائمة، والقسوة التي تُمارَس بحق السكان الفلسطينيين باستخدام الاعتقال الإداري وهدم المنازل.
إن هذه الهجمات على الأرض الفلسطينية المحتلة هي تعبيرات عن المشروع ذاته: إبادة الشعب الفلسطيني والاستيلاء على أرضه تحت ذريعة بناء ما يُسمى "إسرائيل الكبرى".
وبينما تواصل مجموعات مثل "عير عميم" توثيق توسع المستوطنات وعمليات نزع الملكية بشق الأنفس، أخذ التدهور الأخلاقي في المجتمع الإسرائيلي في الانتشار والتجذر بقوة جديدة. في العام 2014، كتبت كاتبة العمود في صحيفة هآرتس كارولينا لاندسمان بوضوح أن الحكم العسكري الإسرائيلي على الفلسطينيين ليس آلية خفية تديرها المؤسسة العسكرية وحدها، وإنما هو "أكبر المشاريع وأكثرها وضوحًا أمام النظر، ويحظى بمشاركة أوسع من أي مشروع آخر في إسرائيل".
بعبارة أخرى، لا يستمر الاحتلال بفضل وجوده العسكري فقط، وإنما بفضل المؤسسات والموارد والعادات والمشاركة اليومية للمجتمع الإسرائيلي نفسه أيضًا.
وبعد أكثر من عقد من الزمن، عادت لاندسمان إلى مسألة التحول الداخلي في المجتمع الإسرائيلي، وجادلت في مقال نُشر بتاريخ 10 تموز (يوليو) 2026 بأن لغة الهوية "الإسرائيلية" أخذت تُستبدل بصورة متزايدة بهوية "صهيونية" -ـثم بهوية صهيونية عسكرية.
ومع أن الهوية الإسرائيلية ارتبطت بالصهيونية منذ نشأتها، فإن هذا التحول يكتسب أهمية خاصة لأنه يشير إلى أنه حتى الإمكانية المحدودة لوجود هوية مدنية ــلا تدور بالكامل حول الاحتلال والعسكرة والتفوق اليهودي- تم إبعادها أكثر عن مجال الرؤية.
وتَظهر العواقب النفسية لهذا النظام الاجتماعي داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه. وكما أظهر تقرير حديث صادر عن "المركز الإسرائيلي للإدمان والصحة النفسية"، لجأ واحد من كل أربعة إسرائيليين إلى المخدرات القوية للتعامل مع الضغوط النفسية والاجتماعية التي أنتجها هذا المجتمع الصهيوني–العسكري وإبادته للفلسطينيين.
بطبيعة الحال، لا ينبغي استخدام مثل هذه البيانات أبدًا لخلق مساواة زائفة بين القائم بالاحتلال والواقع تحت الاحتلال، كما لا ينبغي أن تصرف الانتباه عن الدمار الذي لا يُقارن والذي تم إلحاقه بالفلسطينيين. لكنها تكشف عن شيء مهم: لا يمكن لمجتمع منظم حول العسكرة الدائمة أن يبقى بمنأى عن العنف الذي يمارسه.
لقد أصبح الخوف، والصدمة النفسية، والإدمان، والإصابة الأخلاقية، والعزلة، عناصر منضفرة في نسيج الحياة اليومية داخل إسرائيل.
وفي الوقت نفسه، يقول لي أصدقائي الفلسطينيون في غزة أنهم نجوا من القصف من قبل، وأنهم واثقون من قدرتهم على إعادة بناء منازلهم. لكنّ ما تصعب إعادة بنائه، كما قالوا، هو ثقة الشعب الفلسطيني بحياته السياسية الجماعية، والأمل في أن تقوده هذه الحياة إلى مستقبل أفضل.
إن انقطاع التعليم، والأمراض غير المعالجة، والتهجير المتكرر، والجوع المستشري، وفقدان شبكات العائلة، تترك ندوبًا تمتد إلى ما هو أبعد بكثير من الجدران الإسمنتية. وينطبق الأمر نفسه على العنف النفسي الذي يُمارس ضد أطفال غزة. وتشير تقديرات "منظمة الأمم المتحدة للطفولة" (اليونيسف) إلى أن جميع الأطفال تقريبًا سيحتاجون إلى دعم في مجال الصحة النفسية والدعم النفسي–الاجتماعي لعقود طويلة مقبلة.
يمكن إعادة بناء المباني، لكن سكان غزة لا يحتاجون إلى إعادة بناء المكان فحسب، وإنما يحتاجون أيضًا إلى الزمن التاريخي نفسه: الوقت اللازم للتعلم، والتعافي، والحزن، والتنظيم، وتخيُّل مستقبل جديد. ولكي يستعيدوا ذلك المستقبل، سيتعين عليهم أيضًا إعادة بناء الثقة السياسية، والأدوات السياسية التي تتحول من خلالها الآمال الجماعية إلى قوة جماعية.
في محاولة لإغلاق الطريق أمام مستقبل الشعب الفلسطيني، تقوم إسرائيل أيضًا بمهاجمة ماضيه. ولذلك، إلى جانب الهجوم العنيف على غزة، وحملة التهجير المستمرة في القدس الشرقية والضفة الغربية، ثمة عملية منهجية لتدمير الذاكرة. وفي هذه العملية تستهدف أعمال العنف الإسرائيلية بصورة دقيقة الأرشيفات، والمقابر، والصور العائلية، وصالات العرض، والمكتبات، والسجلات البلدية، والمتاحف، ومعالم الأحياء، والمسارح.
ويسعى العنف ضد هذه المؤسسات إلى محو الأسس المادية التي يتذكر الشعب من خلالها ذاته، بما يسمح بتحويل إنكار التاريخ إلى حقيقة واقعة. ثمة الموتى، وهناك الجرحى، لكن هناك أيضًا العنف الرهيب الذي يُمارَس ضد الوعي بالقصة الفلسطينية.
ولعل هذا أحد أسباب تراجُع صوت النقاش الدولي حول غزة. ليس لأن العنف تراجع بأي شكل من الأشكال، وإنما لأن تداعياته أصبحت مروعة إلى درجة يصعب معها على العالم مواجهتها بنزاهة. وتعني مواجهة هذا العنف الاعتراف بالانهيار الكامل لنظام أخلاقي ما يزال يدّعي أنه يتحدث بلغة حقوق الإنسان.
وهي تعني طرح أسئلة غير مريحة بشأن مبيعات الأسلحة ونقلها، والحماية الدبلوماسية، والرقابة الإعلامية، والتحالفات العسكرية، والقيمة غير المتساوية التي تُمنح لأرواح البشر المختلفة. وبسبب هذا الانزعاج، تختفي بعض الأسماء قبل أن يستقر التراب فوق قبورها بينما تُنقش أسماء أخرى في الذاكرة العامة، ويُنسى الدمار قبل أن يفسد أحاديث موائد العشاء الراقية ويعلو فوق صوت السكاكين وهي تقطع أفضل قطع اللحم.
لا يستطيع الكتّاب والفنانون إزالة الركام بالكفاءة التي تتمتع بها فرق الإنقاذ المدربة، ولا قيادة إعادة بناء المستشفيات والمدارس. لكن بوسعنا أن نرفض الصمت، وأن نصر على أن التاريخ لا يُقاس بالمعاهدات والحملات العسكرية وحدها، وإنما أيضًا بتهويدات الأطفال التي قوطعت، والقصائد التي تُركت غير مكتملة، والأصوات التي تواصل الغناء وسط الأنقاض.
كان "معهد ثلاثي القارات للبحوث الاجتماعية" واضحًا للغاية في رؤيته منذ تأسيسه قبل عقد من الزمن: إن العنف المنهجي الذي يُمارَس بحق الشعب الفلسطيني، وحالة فقدان الذاكرة الجماعية تجاه هذا العنف، أمران غير مقبولين، ولن نسمح أبدًا بأن يصبح النسيان هو الطبيعي.
تُذكِّرنا مشاهدة الفيديو الموسيقي الجديد لأصدقائنا، روجر ووترز والمغنية وكاتبة الأغاني الفلسطينية المرموقة منى معياري، بهذا الرفض. ولا تتظاهر أغنيتهما "الخَدَر المُطَمئِن: إعادة تخيّل" Comfortably Numb Re-imagined بأن الموسيقى قادرة على التغلب على الكارثة، وإنما تحدد لنفسها مهمة أكثر هدوءًا: منع معاناة غزة من أن تصبح أمرًا عاديًا ومألوفًا.
في عالم يجري تدريبه على إدارة نظره بعيدًا، تطلب منا الأغنية أن نواصل النظر، وأن نصر على أن تبقى الذاكرة أساسًا للنضال من أجل عالم أفضل.
إن كل منظومة إمبريالية لا تسعى إلى الطاعة وحدها، وإنما أيضًا إلى النسيان. وتقدم أغنية الصديقين، التي تذهب عائداتها إلى "صندوق إغاثة أطفال فلسطين"، صورة عن استمرار التضامن الإنساني الهش -وإنما الذي غنى عنه- وعن رفض السماح لقصص الضحايا بأن تختفي من خيالنا الأخلاقي.
وفي قلب الأغنية يأتي مقطع "تهويدة هند"، وهي جزء كتبته منى ميعاري تكريمًا لهند رجب، الطفلة الفلسطينية ذات الأعوام الستة التي قُتلت في غزة بينما كانت تناشد من أجل وصول المنقذين إليها. وتحول التهويدة تلك الذكرى التي لا تُحتمل إلى وعد بالتحرر، مؤكدةً أن الحرية تبقى قائمة حتى في ظل المنفى والفقدان، وأن فلسطين يجب أن تتحرر:
إنني أسمع صوت ملاك
ينادي باسمي
إننا نبقى الأحرار
نبقى الأحرار
حتى لو نُفينا من الأرض إلى السماء
فلسطين يجب أن تكون حرة.
*فيجاي براشاد Vijay Prashad: مؤرخ ومحرر وصحفي هندي. وهو زميل كتابة وكبير المراسلين في "غلوب تروتر"، ومحرر كتب لـ"ليفت وورد" ومدير "ثلاثي القارات: معهد البحوث الاجتماعية" Tricontinental: Institute for Social Research. وهو زميل أول غير مقيم في "معهد تشونغيانغ للدراسات المالية" بجامعة رينمين الصينية. كتب أكثر من 20 كتابا، منها "الأمم الأكثر سُمرة والأمم الأكثر فقرًا" The Darker Nations and The Poorer Nations. أحدث كتبه هي "النضال يجعلنا بشرًا: التعلم من الحركات من أجل الاشتراكية" Struggle Makes Us Human: Learning from Movements for Socialism؛ ومع نعوم تشومسكي، "الانسحاب: العراق وليبيا وأفغانستان وهشاشة القوة الأميركية"The Withdrawal: Iraq, Libya, Afghanistan and the Fragility of U.S. Power.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Silence on Gaza When Headlines Fade