عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    07-Sep-2026

الشرق الأوسط المستحيل

 الغد

 ترجمة: علاء الدين أبو زينة
 
 
دينا إسفندياري*؛ بيكا فاسر*؛ وزياد داود*- (فورين أفيرز) 17/8/2026
 
 
لم يكن الشرق الأوسط في أي يوم غريباً عن الصراعات. لكن الأشهر الستة الماضية كانت -حتى بمقاييس هذه المنطقة- مضطربة بحدود استثنائية. منذ أن دخلت الولايات المتحدة وإسرائيل في حرب ضد إيران في 28 شباط (فبراير)، واجهت دول المنطقة دورات متعاقبة من ضربات الطائرات المسيّرة والصواريخ التي استهدفت قواعدها العسكرية، ومنشآتها للطاقة ومحطات تحلية المياه فيها. ومرة تلو المرة، اضطرت مطاراتها ومصافي نفطها إلى تعليق عملها. كما تعطلت موانئها التجارية العادية في بعض الأحيان، بعد أن تسببت الهجمات الإيرانية على السفن في مضيق هرمز، في شل حركة الملاحة فيها.
 
 
وعلى الرغم من أشهر من المفاوضات، تبدو طهران وواشنطن ماضيتين نحو مواصلة القتال بشكل متقطع، في محاولة كل منهما استنزاف عتاد الطرف الآخر وإضعاف إرادته وقدرته على الصمود. بل إن نطاق الحرب ازداد اتساعاً، وانضم مزيد من أعضاء شبكة وكلاء إيران الإقليميين إلى القتال، ومن بينهم الحوثيون في اليمن وميليشيات عراقية موالية لإيران. وقد تعرض ميناء في مصر، البعيدة عن الحرب، لهجوم بطائرات مسيّرة. ومع أن أي دولة لم تعلن مسؤوليتها عن ذلك الهجوم، حمّلت الولايات المتحدة إيران مسؤوليته.
مع إطالة أمد الصراع، سوف تتجاوز الأضرار التي ستلحق بالشرق الأوسط بكثير مجرد البنية التحتية. سوف تعمِّق الحرب خطوط الانقسام والتصدع في المنطقة. وستتأثر بعض الاقتصادات أكثر من غيرها بما قد يصل حتى إلى قلب المعادلات السياسية التي اتسمت تقليدياً بالاستقرار في دول الخليج. كما قد تتعرض مؤسسات محورية في المنطقة، مثل منظمة (أوبك+)، لمزيد من الضغوط.
مع ذلك، ثمة إجراءات تستطيع حكومات الشرق الأوسط اتخاذها لمواجهة هذه التحديات -ولو أنه لا شيء منها سهل أو مباشر، وأن لكل منها مجموعته الخاصة من التداعيات والعواقب. وسوف يتطلب بقاء دول المنطقة، في عصر يتسم بتزايد الفوضى والاضطراب، أن تعيد هذه الدول التفكير في طبيعة علاقاتها بالعالم الأوسع -وربما الأهم؛ علاقاتها بعضها ببعض.
بيتٌ منقسم
لطالما كانت لدول الشرق الأوسط خلافاتها. وقد تنازعت، على سبيل المثال، بشأن إسرائيل؛ والإسلام السياسي؛ وسياسات النفط. ولدى المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة رؤى متباينة للمنطقة وما وراءها -بما في ذلك تجاه ليبيا والسودان واليمن. لكنّ الحرب تعمل على تعميق كل هذه الشروخ وإنتاج شروخ جديدة. وقد استاءت الإمارات من الطابع الفاتر للإدانات التي صدرت عن عُمان وقطر والسعودية للهجمات الإيرانية على البنية التحتية الإماراتية. كما تختلف هذه الدول في كيفية التعامل مع الحرب نفسها ومع إدارة ترامب التي يصعب التنبؤ بمواقفها. وقد تراكمت هذه الخلافات فوق النزاعات القائمة مسبقاً، فأجّجت مشاعر الاستياء، وجعلت إدارة التباينات في المنطقة أكثر صعوبة. وهي تعرقل الجهود الرامية إلى التكيف مع حرب متغيرة الملامح بلا توقف.
كما بدأ الصراع في توسيع هوة الانقسام بين دول الخليج والولايات المتحدة، التي تمثل الضامن الرئيسي لأمنها. عندما عاد الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، كانت حكومات خليجية كثيرة تعتقد أن علاقاتها بواشنطن ستتحسن بعد أربعة أعوام مضطربة في ظل إدارة بايدن. ففي نهاية المطاف، كان ترامب خلال ولايته الأولى يتبنى تجاه المنطقة نهجاً سياسياً ودياً وقائماً على الصفقات والمصالح المتبادلة. وبذل مسؤولون في الشرق الأوسط جهوداً استعراضية ومبالغاً فيها لكسب وده، شملت التعهد بإنفاق تريليونات الدولارات في الولايات المتحدة، وزيادة إنتاج النفط، وتوجيه صفقات استثمارية إلى أفراد من عائلة الرئيس نفسها -وإهدائه في إحدى الحالات طائرة خاصة.
لكن ترامب شنّ بعد ذلك حربين -وليس واحدة- ضد إيران، واضعاً بذلك رغبة إسرائيل في إضعاف الجمهورية الإسلامية فوق رغبة الدول العربية في تحقيق الاستقرار. وقد أظهر ذلك للمنطقة أن واشنطن لا يمكن الوثوق بها.
لطالما ساور القلق الشرق الأوسط من كثرة اعتماده على الولايات المتحدة. ولذلك شرع منذ "الربيع العربي" في العام 2011 في تنويع شراكاته. لكن هذه الجهود كانت في السابق تستهدف، إلى حد كبير، تهديد واشنطن أو الضغط عليها لحملها على التحرك بما يخدم مصالح دول المنطقة. والآن، أصبحت هذه الجهود أكثر جدية. في آب (أغسطس)، على سبيل المثال، أبرمت السعودية معاهدة دفاع مشترك مع باكستان وتركيا. وأخذت حكومات المنطقة تشتري مزيداً من الأسلحة من مورّدين في أوروبا وكوريا الجنوبية وتركيا -بل وحتى من أوكرانيا أيضاً. وفي الوقت نفسه، تواصل هذه الحكومات التطلع إلى الصين وروسيا من أجل بناء شراكات سياسية واقتصادية. وهي تولي اهتماماً خاصاً بإقامة مزيد من الروابط الاقتصادية مع الصين، التي تتبادل مُسبقاً مع المنطقة تجارة تبلغ قيمتها مئات المليارات من الدولارات. وتشكل الصين حالياً الوجهة الرئيسية للنفط الخام القادم من المنطقة.
لكن أيّ تحول بعيداً عن الولايات المتحدة سيكون محدوداً. ليس ثمة شريك أمني بديل -في الوقت الراهن على الأقل: ما تزال الصين مترددة في استخدام قوتها الاقتصادية لتقديم مساعدة عسكرية؛ وروسيا غارقة في حربها الخاصة؛ وأوروبا تكافح من أجل التنسيق بشأن قضايا الدفاع. (من منظور خليجي، تبدو أوروبا مُركِّزة أكثر مما ينبغي على الشؤون الخليجية المحلية). كما أن هذه الحكومات غير راضية عن الجهود الصينية والروسية لمساعدة إيران في الحرب؛ حيث تقدم بكين لطهران مواد يمكن أن تستخدمها في إعادة بناء قاعدتها الصناعية الدفاعية؛ بينما تساعدها موسكو على تحسين قدراتها في مجال تحديد الأهداف. ومع أن القواعد الأميركية قد تجعل الدول المضيفة لها أهدافاً محتملة للهجمات، فإن حكومات المنطقة ما تزال ترغب في استمرار الوجود العسكري الأميركي وفي الحماية التي توفرها الولايات المتحدة.
لكن هذا الابتعاد المحدود عن واشنطن سيكون -خلافاً للمحاولات السابقة لتنويع الشراكات- أكثر أهمية وأكبر دلالة. سوف يركز على تلبية احتياجات دول الخليج أكثر من تركيزه على التحوّط في مواجهة السياسات الأميركية التي لا تعجب هذه الدول، وقد يكون ذلك كافياً لتقليص نفوذ الولايات المتحدة في الشرق الأوسط. بل إن بعض الأطراف الإقليمية ربما تنخرط بصورة أكبر مع إيران وتعرض عليها حصة في أمن الشرق الأوسط مقابل سلوك أقل تهديداً. ففي نهاية المطاف، إذا كانت واشنطن عاجزة عن توفير الأمن لها -بل وربما المزيد من تعكير أمنها من خلال الأفعال الأميركية العدوانية- فقد تضطر هذه الدول إلى التحاور مع طهران، خاصة بعدما أثبتت سنوات الاحتواء فشل هذه السياسة.
لا شك في أن معطيات الحرب -خاصة استهداف إيران المباشر لدول الخليج- تجعل من اتخاذ هذا النهج شأناً بالغ الصعوبة على هذه الدول. لكن الحرب في الوقت نفسه تجعل اللجوء إليه أكثر إلحاحاً. مع تشبث طهران بمواصلة القتال ضد واشنطن، ستحتاج قطر والسعودية -وحتى الإمارات العربية المتحدة- إلى تكثيف اتصالاتها بالمسؤولين الإيرانيين بُغية إخراج نفسها من تقاطع النيران المتبادلة.
أفضل الخيارات السيئة
بطبيعة الحال، لا يستطيع الشرق الأوسط أن يعتمد على القوى الأجنبية وحدها لحمايته من الاضطرابات على المدى الطويل. وسيتعين على دول المنطقة أيضاً تعزيز دفاعاتها الخاصة، بدءاً من تحسين قدراتها على اعتراض الطائرات والصواريخ وتطوير قدراتها على مواجهة الطائرات المسيّرة. وفي الوقت الراهن، ما تزال الصناعات المحلية في هذه الدول غير ناضجة بما يكفي لتلبية احتياجات المنطقة في المستقبل القريب. كما أنها ما تزال تعتمد بشكل كبير على الشراكات مع الشركات الأجنبية المصنّعة. لكن هذا القطاع آخذ في النمو، وقد تستمر الحرب فترة تكفي لتمكين هذه الشركات من إنتاج المزيد من الأسلحة التي تحتاج إليها دول الشرق الأوسط.
مع ذلك، ربما تجعل التصدعات السياسية المتزايدة من الصعب على دول المنطقة التعاون في ما بينها بشأن الإجراءات الدفاعية. وعلى سبيل المثال، قد تتردد دول الشرق الأوسط في زيادة تكامل شبكات دفاعها الجوي والصاروخي أو تحسين أنظمة الإنذار المبكر من الهجمات المحتملة، نظراً إلى أن ذلك يتطلب تبادل المعلومات الاستخبارية والبيانات الحساسة. وقد تواجه دول المنطقة صعوبة في الحفاظ على قابلية التشغيل البيني لقواتها مع شروعها في نشر معدات عسكرية تزداد تنوعاً. وإذا أخذت كل دولة تتنافس على الموارد العسكرية الشحيحة، مثل صواريخ الاعتراض الخاصة بالدفاع الجوي التي يزداد الطلب عليها، فقد يتحول الدفاع نفسه إلى مجال جديد للتنافس. وقد تكون تداعيات ذلك مدمرة بصورة خاصة على دول المنطقة الأقل ثراءً التي لا تمتلك الموارد المالية اللازمة لزيادة موازناتها الدفاعية زيادة كبيرة، والتي ستحتاج إلى مساعدة جيرانها.
بالإضافة إلى ذلك، لن تتمكن المنطقة، مهما أنفقت على الدفاع، من اعتراض كل هجوم إيراني في المستقبل. لا يوجد نظام دفاعي عصيّ على الاختراق عندما يتعين عليه تغطية ملايين الأميال المربعة والتصدي لوابل من الطائرات المسيّرة والصواريخ، خاصة في ظل مواصلة إيران تطوير قدراتها. كما أن الانقسامات السياسية والأمنية ستزيد من إضعاف فاعلية شبكات الدفاع الجوي. وينذر هذا الواقع بمستقبل اقتصادي قاتم للمنطقة. في الأساس، تعتمد معظم دول الشرق الأوسط على صادرات النفط والغاز في تأمين إيراداتها، وقد أثبتت إيران أنها قادرة تماماً على إبطاء هذه التجارة من خلال التهديد بضرب بنيتها التحتية.
تستطيع طهران، على سبيل المثال، تعطيل حركة الملاحة في مضيق هرمز إلى أجل غير مسمى -وهو الممر الذي تعبره معظم صادرات النفط والغاز في المنطقة- بمجرد إطلاق النار على السفن التي تمر عبره، أو حتى بمجرد التهديد بذلك. ويمكن لبعض دول الشرق الأوسط أن تلجأ إلى استبدال المضيق بالتصدير عبر البحر الأحمر الذي يحده من طرفيه قناة السويس ومضيق باب المندب. لكن هذه الممرات المائية تظل بدورها عرضة لهجمات جماعة الحوثيين المسلحة والمتحالفة مع إيران في اليمن، والتي عطّلت حركة الملاحة في هذا الممر بصورة متقطعة خلال السنوات الثلاث الماضية. وسيتعين حتى على الدول القليلة المتصلة مباشرة بالمحيط الأوسع، مثل سلطنة عُمان والإمارات العربية المتحدة، أن تضع في حساباتها احتمال تعرض موانئها لضربات إيرانية.
إذا واصل الشرق الأوسط مواجهة صعوبات في تصدير النفط والغاز، فإنه قد يواجه اضطرابات سياسية داخلية. وينطبق ذلك بصورة أوضح على الدول الأكثر اعتماداً على النفط، مثل العراق، الذي سيجد صعوبة في دفع فاتورة أجور القطاع العام الضخمة من دون عائدات المحروقات. وينطبق الأمر نفسه أيضاً على البحرين التي تتحمل واحداً من أعلى أعباء الديون في العالم. لكن الدول الأكثر ثراءً قد تواجه المتاعب هي الأخرى. على مدى العقدين ونصف العقد الماضيين، استخدمت دول الخليج عائدات مبيعات النفط والغاز لبناء بعض من أكبر صناديق الثروة السيادية في العالم. وتقترب قيمة أصول كل واحد من ثلاثة منها -أحدها في الكويت وآخر في السعودية وثالث في الإمارات العربية المتحدة، من تريليون دولار. وقد موّل النفط منذ زمن طويل العقد الاجتماعي المُكلِف في دول الخليج، حيث توفر الحكومات للمواطنين وظائف مريحة وخدمات عالية الجودة مقابل إحجامهم عن المطالبة بتغيير سياسي. وإذا أصبح إغلاق الممرات المائية في المنطقة وانحسار صادرات المحروقات واقعاً دائماً، فقد يتعرض هذا الاتفاق لضغوط شديدة.
تدرك الدول العربية بالتأكيد هذه المخاطر، وتتخذ خطوات لتجنب الوقوع فيها. وسوف يستثمر بعضها، على سبيل المثال، في خطوط أنابيب تتيح تجاوز نقاط الاختناق في المنطقة. لكنّ سياسات خطوط الأنابيب الإقليمية أثبتت صعوبتها في الماضي، وعقّدت العلاقات بين دول عدة من بينها العراق وتركيا، وقطر والسعودية. كما تظل هذه البنية التحتية عرضة للهجمات أو أعمال التخريب. ولذلك، يُرجح أن تتجه حكومات الشرق الأوسط إلى حل واحد يجمع بينها: إنشاء مخزونات من النفط في الخارج.
والآلية بسيطة. كلما ظل مضيق هرمز مفتوحاً، تستطيع الدول الإسراع في إخراج إمداداتها وملء خزانات في الخارج. ثم تستطيع الدول المستوردة السحب من هذه المخزونات عندما يُغلق الممر المائي. وسيكون هذا النظام مفيداً للجميع، وليس فقط للدول التي تتيح لها جغرافيتها الوصول بلا عوائق إلى مضيق هرمز. كما أن تخزين النفط في الخارج يوفر ميزة البعد الجغرافي، مما يجعل استهداف إيران له أكثر صعوبة بكثير -حتى مع أن هذه العملية لن تكون بمنأى عن التأثر باضطرابات أخرى.
في الواقع، بدأت بعض دول الشرق الأوسط مسبقاً في اتخاذ خطوات لزيادة مخزوناتها في الخارج. وعلى سبيل المثال، تتطلع الكويت إلى توسيع شبكة تخزين النفط التابعة لها -ربما في كوريا الجنوبية واليابان. وتدرس الإمارات العربية المتحدة خططاً لزيادة مخزونها من النفط الخام في الهند. كما أبدى عدد من منتجي النفط والغاز في الشرق الأوسط، إلى جانب الكويت، اهتماماً بتخزين نفطهم وغازهم في كوريا الجنوبية.
لكن هذا الحل يظل جزئياً فحسب. في نهاية المطاف، تبقى مرافق التخزين محدودة السعة. كما أن حل أي مشكلة جزئياً قد يؤدي إلى خلق مشكلة أخرى. ولدى منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك) والدول العشر المرتبطة بها -المعروفة مجتمعة باسم (أوبك+)- حصص إنتاجية ظلت مثار خلاف في ما يتعلق بإنتاج النفط. وقد يؤدي توسيع قدرات التخزين في الخارج إلى مفاقمة هذه الخلافات. وقد يدفع ذلك أيضاً مزيداً من الدول إلى تجاوز الحدود المتفق عليها للإنتاج، مع احتمال أن تستخدم الدول مخزوناتها في الخارج ذريعة لتبرير زيادة إنتاجها، الأمر الذي سيؤدي بدوره إلى تعميق الانقسامات المختلفة داخل (أوبك+).
اختبار القدرة على الصمود
مع ذلك، وعلى الرغم من كل هذه التحديات، يقدم التاريخ مؤشرات على أن المنطقة قادرة على تجاوز الصراع الأميركي-الإيراني -وربما حتى على تجنب ترك ندوب خطيرة ودائمة. ليست هذه هي الحرب الأولى التي اضطرت المنطقة إلى اجتيازها في ظروف بالغة الصعوبة. فقد تعافت من الحرب الإيرانية-العراقية التي استمرت ثمانية أعوام في ثمانينيات القرن الماضي. وصمدت أمام الغزو العراقي للكويت في العام 1990 والغزو الأميركي للعراق في العام 2003. وفي عدد من هذه الحالات، نجحت أطراف كثيرة في الشرق الأوسط في ابتكار حلول مرتجلة للتعامل مع الظروف الضاغطة.
في هذا الإطار، تمكنت مصر من شطب نصف ديونها العامة وتجنب مواجهة أزمة مالية بعد وقوفها إلى جانب الولايات المتحدة ضد العراق في العام 1990. وفي العقد نفسه، تمكنت قطر من تجاوز القيود التي فرضتها الجغرافيا السياسية لخطوط الأنابيب، من خلال المراهنة، بتمويل من الديون، على تقنيات جديدة تتمثل في تحويل الغاز الطبيعي إلى سائل لتصديره على متن السفن. وعندما أثمرت هذه المغامرة، أصبحت قطر واحدة من أغنى دول العالم.
يجد الشرق الأوسط اليوم نفسه أمام مهمة فكرية وإستراتيجية شاقة. عليه أن يبتكر سبلاً جديدة للحفاظ على ثروته، والسعي إلى تحقيق قدر أكبر من الاكتفاء الذاتي، وتنويع مصادر قوته -بل وامتلاك سبل تأمين أمنه بنفسه. وهو في حاجة إلى آلية جديدة تساعد دول المنطقة على إدارة خلافاتها وتوحيد صفوفها في مواجهة التهديدات المشتركة. وسيكون هذا هو السبيل الوحيد الذي يتيح للمنطقة البقاء في مواجهة هذا الصراع والصمود أمام الصراع التالي.
 
*دينا إسفندياري Dina Esfandiary: الموظفة المسؤولة عن ملف الجغرافيا الاقتصادية للشرق الأوسط في "بلومبيرغ إيكونوميكس". *بيكا فاسر Becca Wasser: المسؤولة عن ملف الدفاع في "بلومبرغ إيكونوميكس"، وزميلة أولى غير متفرغة لشؤون الدفاع في "مركز الأمن الأميركي الجديد". *زياد داود Ziad Daoud: كبير اقتصاديي الأسواق الناشئة في "بلومبرغ إيكونوميكس"، وزميل أول في مبادرة الشرق الأوسط التابعة لكلية كينيدي بجامعة هارفارد.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: The Impossible Middle East: After the Iran War, the Region Has No Good Options