عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    27-Oct-2026

من يحرس الحقيقة؟.. جريمة الكرك أنموذجا

 الغد-د. حنان كامل الشيخ

لم تعد الحقيقة في زمن المنصات الرقمية تواجه خطر التزييف وحده، بل تواجه خطرًا آخر لا يقل خطورة وهو أن تصبح الإشاعة أسرع من الحقيقة، وأن يسبق الانفعال التحقق، وأن يجد الناس أنفسهم أمام روايات متضاربة لا يعرفون أيّها يستحق التصديق، وأيّها صُنع لاستثارة الخوف أو الغضب أو الفضول.
 
 
في لحظات الأزمات حين تقع جريمة تهزّ المجتمع أو حادثة تمسّ شعور الناس بالأمن، لا ينتظر الخبر طويلًا حتى يبدأ رحلته بين الهواتف والشاشات. 
وتتوالى الرسائل والمنشورات وتظهر روايات عن تفاصيل الحادثة، ودوافعها وهوية المتورطين فيها وتنتشر صور ومقاطع فيديو قديمة أو خارج سياقها وتُقدَّم بعض المعلومات غير المؤكدة، كما لو أنها حقائق مكتملة. وفي خضم هذا التدفق قد يجد المتلقي نفسه أمام سيل من الأخبار التي يصعب التمييز فيها بين المعلومة الموثوقة والتخمين والإشاعة.
وقد أعادت الأحداث المرتبطة بجريمة كنيسة حمود في محافظة الكرك، طرح هذا السؤال بوضوح، فإلى جانب وقع الجريمة وألمها الإنساني، برزت قضية أخرى تتصل بالطريقة التي نتلقى بها المعلومات ونتداولها، وبما يمكن أن يترتب على انتشار الروايات غير المتحققة من آثار تتجاوز حدود الشاشة إلى المجتمع نفسه.
ليس المقصود هنا إعادة تداول تفاصيل القضية أو الدخول في رواياتها، وإنما التوقف عند ما تكشفه مثل هذه الأحداث من حاجة ملحّة إلى وعي إعلامي ومعلوماتي، يجعلنا أكثر قدرة على التعامل مع الأخبار في لحظات التوتر حين تكون الحاجة إلى المعلومة الصحيحة في أعلى مستوياتها ويكون خطر التضليل أكبر.
فحين تقع حادثة تمسّ الأمن العام أو تثير مشاعر الناس، لا تنتشر المعلومات لأن الجميع تحقق منها، بل قد تنتشر لأن الجميع يريد أن يعرف، ولأن كل شخص يشعر بأنه مطالب بفهم ما حدث وإخبار الآخرين به، وهنا تتحول الرغبة المشروعة في المعرفة إلى بيئة خصبة للإشاعة، خصوصًا حين تختلط الوقائع بالاستنتاجات وتُقدَّم المعلومات الناقصة في صيغة جازمة، أو يُعاد نشر كلام منسوب إلى مصادر مجهولة لمجرد أنه يتفق مع ما يتوقعه المتلقي أو يخشاه.
والمشكلة أن الإشاعة لا تحتاج دائمًا إلى دليل مقنع كي تنتشر، بل يكفي أحيانًا أن تلامس شعورًا عميقًا لدى الناس، فالخبر الذي يثير الخوف يُتداول بدافع التحذير، والذي يثير الغضب يُنشر بدافع الإدانة، والذي يحمل معلومة تبدو حصرية يُشارك بدافع السبق، وقد يفعل الإنسان ذلك بحسن نية معتقدًا أنه يحمي الآخرين أو يساعدهم على فهم ما يجري فيما يكون قد أسهم من حيث لا يدري في توسيع دائرة التضليل.
ومن هنا، فإن السؤال لا يتعلق فقط بمن صنع الإشاعة أو نشر المعلومة الكاذبة أول مرة، بل بمنحها فرصة الاستمرار والانتشار، فكل إعادة نشر تمنح المحتوى عمرًا جديدًا، وكل تعليق يتعامل مع رواية غير مؤكدة، بوصفها حقيقة، يضيف إليها قدرًا من المصداقية حتى يصبح من الصعب على المتلقي أن يتذكر أن ما يراه قد بدأ أصلًا من مصدر مجهول أو ادعاء لم يُثبت.
وفي المجتمعات التي تقوم على التعدد والتنوع والتماسك الوطني، تصبح مسؤولية التعامل مع المعلومات أكثر أهمية، فالإشاعة في أوقات الأزمات لا تضلل الأفراد فحسب، بل قد تؤجج مشاعر العداء وتزرع الشكوك وتسيء إلى أشخاص لم تثبت مسؤوليتهم، أو تضعف الثقة بالمؤسسات أو تدفع إلى تداول خطاب يهدد السلم المجتمعي، ولهذا فإن التحقق من الأخبار ليس مجرد مهارة تقنية بل ممارسة أخلاقية تحمي حق الناس في المعرفة وتحفظ كرامتهم وأمنهم.
لكن هل يكفي أن نطالب الناس بالتروي والتحقق كلما انتشرت إشاعة؟ وهل يمكن أن نتوقع من طفل أو مراهق أو شاب يقضي ساعات طويلة على المنصات الرقمية، أن يمتلك تلقائيًا القدرة على التمييز بين الخبر الصحيح والمحتوى المضلل؟
هنا تبرز أهمية الدراية الإعلامية والمعلوماتية، لا بوصفها مصطلحًا أكاديميًا يُستحضر في المؤتمرات والمناسبات، بل باعتبارها مهارة حياتية أساسية ينبغي أن يتعلمها الإنسان منذ سنواته الأولى، وأن تتطور معه كلما اتسع حضوره في العالم الرقمي.
فالدراية الإعلامية والمعلوماتية لا تعني أن يعرف الفرد كيف يستخدم الهاتف أو يتعامل مع التطبيقات أو يبحث عن المعلومات فحسب، وإنما أن يفهم كيف يُنتج المحتوى وكيف تُبنى الرسائل الإعلامية، وما الفرق بين الخبر والرأي والتفسير، وكيف تؤثر الصور والعناوين والمقاطع القصيرة في أحكامنا، ولماذا قد تدفعنا خوارزميات المنصات إلى مشاهدة مزيد من المحتوى الذي يثير مشاعرنا ويعزز قناعاتنا.
إنها في جوهرها القدرة على أن نتوقف قليلًا قبل أن نصدّق وأن نسأل عن المصدر قبل أن نشارك، وأن نميّز بين ما نعرف أنه حدث وما نعتقد أنه حدث وبين المعلومة المؤكدة والتفصيل الذي لا يزال قيد التحقق.
وهذه المهارات لا ينبغي أن تبدأ بعد وقوع الأزمة حين تكون الإشاعة قد وصلت إلى آلاف الأشخاص، بل يجب أن تُبنى قبلها في البيت والمدرسة والجامعة، من خلال تعليم عملي يضع الأطفال والمراهقين والشباب أمام أمثلة واقعية، ويدربهم على فحص مصادر الأخبار، ومقارنة الروايات والتعرف إلى الصور القديمة التي يعاد استخدامها وفهم كيف يمكن لمقطع مقتطع من سياقه أن يغيّر معنى الحدث كله.
فالطفل الذي يتعلم أن ليس كل ما يراه على الشاشة حقيقة، والمراهق الذي يدرك أن عدد المشاهدات لا يثبت صحة الخبر، والشاب الذي يعرف أن الحساب المجهول لا يصبح مصدرًا موثوقًا لمجرد أن منشوره انتشر على نطاق واسع، جميعهم يمتلكون أدوات أولية تحميهم من التضليل، وتساعدهم على اتخاذ قرارات أكثر وعيًا في حياتهم الرقمية.
ولا يقل أهمية عن ذلك أن يتعلم هؤلاء أن التحقق ليس مجرد البحث عن معلومة تؤيد ما قرؤوه، بل الاستعداد أيضًا لمراجعة قناعاتهم عندما تظهر معلومات موثوقة تناقضها، فالتفكير النقدي لا يعني الشك في كل شيء، كما لا يعني تصديق كل ما يصدر عن مصدر اعتدنا الوثوق به، وإنما القدرة على تقييم الأدلة وفهم حدود المعرفة والاعتراف بأن بعض الأسئلة لا تملك إجابة مؤكدة بعد.
وهنا تقع على المؤسسات التعليمية مسؤولية تتجاوز تدريس الاستخدام الآمن للتكنولوجيا، فالمطلوب أن تصبح الدراية الإعلامية والمعلوماتية جزءًا من الثقافة التعليمية، وأن يتعلم الطلبة كيف يقرؤون الأخبار ويفحصون الصور، ويفهمون أثر المحتوى في الجمهور، ويتعاملون مع أدوات الذكاء الاصطناعي التي باتت قادرة على إنتاج نصوص وصور ومقاطع شديدة الإقناع، فكلما ازدادت قدرة التقنية على صناعة محتوى يبدو حقيقيًا ازدادت حاجتنا إلى تعليم الإنسان كيف يفكر في ما يراه لا كيف يستهلكه فحسب.
أما المؤسسات الإعلامية فمسؤوليتها لا تقل أهمية، فالسبق الصحفي لا يبرر نشر معلومة غير مؤكدة، والتفاعل الواسع لا يمنح الرواية المجهولة صفة الحقيقة. وفي القضايا التي تخضع للتحقيق تصبح الدقة والالتزام بالقانون واحترام خصوصية المتضررين، وسلامة الإجراءات، مسؤوليات مهنية لا يجوز تجاوزها تحت ضغط المنافسة أو الرغبة في جذب الجمهور. 
وقد صدر في قضية أحداث كنيسة حمود قرار بحظر النشر والتداول المتعلقين بالقضية ومجريات التحقيق فيها، وهو ما يجعل الالتزام بالمصادر المسموح بها وبالتعليمات الرسمية جزءًا أساسيًا من المسؤولية الإعلامية والقانونية.
كذلك لا يجوز أن تتحول مسؤولية التحقق إلى عبء يُلقى على الجمهور وحده، فليس من المنطقي أن نطالب كل متلقٍ بأن يكون خبيرًا في كشف التزييف، أو قادرًا على تتبع كل مصدر. 
إن المؤسسات الإعلامية مطالبة بالتحقق قبل النشر، والمنصات الرقمية مطالبة بالحد من انتشار المحتوى المضلل، والمؤسسات التعليمية مطالبة ببناء مهارات التفكير النقدي، والأسرة مطالبة بفتح مساحة للحوار مع الأبناء حول ما يشاهدونه ويتداولونه. أما الأفراد فعليهم أن يدركوا أن المشاركة في نشر معلومة غير مؤكدة ليست فعلًا محايدًا حتى حين تكون النية وراءها طيبة.
وفي هذا السياق يأتي أسبوع الدراية الإعلامية والمعلوماتية العالمي الذي تحتفي به اليونسكو في الفترة من 24 إلى 31 تشرين الأول (أكتوبر) تحت شعار "كلنا نؤدي دورًا.. الدراية الإعلامية والمعلوماتية من أجل الناس"، وهو شعار يختصر حقيقة أساسية مفادها أن حماية المجال العام من التضليل لا تقع على عاتق الصحفي وحده، ولا المدرسة وحدها، ولا المنصة الرقمية وحدها، بل تتطلب جهدًا مشتركًا يبدأ من الطريقة التي ننتج بها المعلومات وينتهي بالطريقة التي نختار بها تصديقها وتداولها.
ولعل أهم ما ينبغي أن نخرج به من الأحداث التي شهدناها، أن مواجهة الإشاعة لا تبدأ بعد انتشارها بل تبدأ من ثقافة تحترم الحقيقة، ومن تعليم يمنح الأجيال الجديدة أدوات التمييز، ومن إعلام يدرك أن ثقة الجمهور لا تُبنى بكثرة الأخبار بل بسلامة ما ينشره منها.
في زمن أصبح فيه كل مستخدم قادرًا على أن يتحول إلى ناشر، لم تعد المسؤولية مرتبطة بمن يمتلك المنبر فقط، بل بمن يقرر ماذا يضع عليه، وماذا يمرر إلى الآخرين، وماذا يختار أن يصدّق.
فالحقيقة لا تحتاج إلى من يدافع عنها بالكلمات وحدها، بل إلى من يحميها بالممارسة، وأحيانًا تكون أكثر المواقف مسؤولية ألا ننشر وألا نعلّق، وألا نسمح لانفعال اللحظة بأن يحوّلنا إلى جزء من مشكلة نعتقد أننا نحاول حلها.
فمن يحرس الحقيقة؟
يحرسها إعلام يتحقق قبل أن ينشر ومؤسسات تعلّم قبل أن تقع الأزمة، وأسر تمنح أبناءها القدرة على السؤال، وأجيال تدرك أن امتلاك المعلومة لا يعني امتلاك الحقيقة، وأن سرعة الوصول إلى الخبر لا تعني بالضرورة الاقتراب من الصواب.
ويحرسها قبل ذلك كله إنسان يعرف أن من حقه أن يسأل، ومن واجبه ألا يحوّل ما لا يعرفه إلى حقيقة يتداولها الآخرون.