الدستور
لا تحقرنَّ صغيرًا في مخاصمةٍ
إنَّ البعوضةَ تُدمي مُقلةَ الأسدِ – المتنبي
في تسعينيات القرن الماضي، تلقّى حزب الله تدريباً على يد كوريا الشمالية في فنون حفر الأنفاق. وعندما اندلعت مواجهة عام 2006، وانتهت بهزيمة الصهاينة، برزت الأنفاق عاملاً حاسماً في ترجيح كفّة النصر. لاحقاً، انتقلت هذه الخبرة إلى غزة، حيث وسّعت حماس نطاق هذا النهج، حتى غدت شبكة الأنفاق أحد أعمدتها الاستراتيجية. وفي عام 2021، أشار تقرير إلى تشابه لافت بين أنفاق حماس وحزب الله ونظيرتها في كوريا الشمالية، وذلك بعد أن نجحت حماس في حفر نحو خمسمائة كيلومتر من الأنفاق تحت قطاع غزة، رغم الاكتظاظ الشديد الذي يعيشه نحو 2.3 مليون إنسان في مساحة ضيّقة للغاية.
أرهقت هذه الأنفاق الكيان الصهيوني، وغدت من أبرز أسباب الصمود الأسطوري لغزة في مواجهة آلة القتل؛ إذ بثّت الرعب في صفوف جيش الاحتلال، الذي بات عرضة للهجوم في أي زمان ومكان. وقد وثّقت المقاطع المصوّرة مشاهد لبطولات تكاد تلامس الخيال؛ يظهر المقاتلون من حيث لا يُتوقّع، من خلف العدو، ينفّذون عملياتهم بجرأة واحتراف، ثم يتوارون كالأشباح إلى حيث خرجوا.
هذه الأنفاق التي أعجزت الصهاينة حفرتها ميليشيات مسلّحة في أحلك الظروف، وبإمكانات مالية محدودة، وفي قلب مناطق مكتظّة بالسكان. فكيف يكون الحال إذا تولّت حفرَ مثل هذه الشبكات دولٌ تمتلك موارد مالية هائلة، وقدرات لوجستية جبّارة؟
لقد كشفت مقاطع مصوّرة عن الأنفاق الإيرانية التي يوظّفها الحرس الثوري في تخزين وتشغيل ترسانته الصاروخية، غير أنّ ثمة أنفاقاً أشدّ خطورة وتأثيراً من تلك؛ أنفاقاً كان لها دور حاسم في الوصول إلى وقف إطلاق النار. تقع هذه الأنفاق على سواحل مضيق هرمز، وقد كُشف عن تفاصيلها الداخلية، في حين ما تزال واجهاتها الخارجية غائبة تماماً عن أي تصوير. ووفقاً لتقارير موثوقة، تتركّز هذه الشبكات في جزيرة قشم ومحيط مدينة بندر عباس الساحلية، بل إن تلك التقارير تجزم بامتداد أنفاق مماثلة على طول الساحل الذي يبلغ نحو 2800 كيلومتر.
وإن كنت قد رأيت مشاهد لصواريخ تنبثق فجأة من باطن الأرض، تشقّ الرمال كما لو كانت لقطة من فيلم خيال علمي، فالصورة ذاتها تتكرّر هنا؛ إذ تنطلق القوارب من هذه الأنفاق إلى البحر بذات المفاجأة والدهشة. وتتمثّل مهمّة هذه الأنفاق في إبقاء المضيق مغلقاً، وصدّ سفن وبوارج العدو عن الاقتراب منه، مستندةً إلى أسطولٍ بحريٍّ خاصٍّ وفّرته إيران لهذا الغرض، عُرف باسم «أسطول البعوض».
تقوم هذه الاستراتيجية على فكرة بالغة البساطة: فالبعوضة لا تقوى على هزيمة الأسد، لكنها قادرة على إرباكه وإجباره على التراجع حين يهاجمه سربٌ كامل. وفي هذا التشبيه، تمثّل الزوارق الإيرانية ذلك السرب المزعج، فيما تقف السفن والبوارج الأمريكية في موقع الأسد. وتشير التقارير إلى وجود آلاف من هذه القوارب، التي تتمتّع بحزمة من المزايا اللافتة؛ فهي منخفضة التكلفة إلى حدٍّ كبير، إذ لا تتجاوز في بعض الحالات ألفي دولار، في مقابل مليارات تُنفق على حاملات الطائرات الأمريكية، كما تتميّز بسرعة فائقة تصل إلى نحو مائتي كيلومتر في الساعة، ما يجعل استهدافها مهمة شديدة التعقيد. وإلى جانب ذلك، تمتلك قدرة عالية على التخفّي بفضل بصمتها الرادارية المنخفضة وأنظمة العادم المغمورة في المياه، فضلاً عن تنوّع استخداماتها؛ فمنها ما يُعدّ لزرع الألغام، ومنها ما يُصمَّم كطائرات مُسيّرة، ومنها ما يُزوَّد برشاشات أو صواريخ، إضافة إلى قوارب انتحارية. ويعزّز من فاعليتها هيكل قيادة لا مركزي، يضمن استمرار العمليات حتى في حال استهداف القيادات العليا.
لقد أدركت إيران منذ سنوات طويلة أنها، في المآل، ستواجه الولايات المتحدة عسكرياً، وبالنظر إلى فارق القوة، لجأت إلى أساليب غير تقليدية لمقارعتها، كان على رأسها خيار إغلاق مضيق هرمز. وبينما يتباهى الرئيس الأمريكي بأنه دمّر البحرية الإيرانية وأغرقها في أعماق البحر، ولعل في ذلك قدراً من الحقيقة، فإنه يتجاهل «أسطول البعوض» الذي أرهق الأسد وأدمى مقلتيه؛ فالسلاح الحقيقي لإيران لا يكمن في القطع الضخمة، بل في هذا «البعوض» المتعدّد الأشكال قوارب، وصواريخ، وطائرات مُسيّرة الذي أعيى الولايات المتحدة، وأعاد رسم ملامح الحرب الحديثة.