عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    27-Jul-2026

زيارة واشنطن والمسؤولية الوطنية* غازي العريضي
المدن -
من الطبيعي ألا يتوقف الجدل حول زيارة رئيس الجمهورية العماد جوزف عون إلى واشنطن ولقائه بالرئيس ترامب. هذا لبنان. لا جدل يتوقف فيه.
القضية اللبنانية مهمة، متشعبة، صعبة، دقيقة. اسرائيل دولة مكر وخداع واحتلال واغتصاب وإرهاب، "جاءت ليدها" كما يقال، فلن تفوّت الفرصة وتستقوي بأميركا. مخاطبة الأخيرة مسألة ضرورية، وفرصة استثنائية إذا كان التخاطب مع رئيسها، وهو ليس مثل أي رئيس سابق وقد لا يكون له مثيل لاحقاً بطباعه وأولوياته واهتماماته وطريقة تفكيره وحساباته وهوسه بتحقيق إنجاز ما. 
الذين هلّلوا "لاتفاق الإطار" من دون وعي سيادي أو "طائفي" -نسبة إلى اتفاق الطائف- أو تفكير موضوعي عقلاني بالملاحظات الاعتراضية التي صدرت انطلاقاً من الحرص على ضرورة تحصين العملية التفاوضية وحمايتها لتحقيق غايتها، استناداً إلى الدستور، والوحدة الوطنية، والخبرة والتجارب مع اسرائيل، بل ذهبوا إلى الهجوم هنا والتحريض في أميركا والتهديد بالويل والثبور وعظائم الأمور لمن يقف في وجه الاتفاق. "لقد دقت الساعة. وانطلق القطار. وكل من ينتقد الإطار المرسوم سيتعرض لضغوطات وعقوبات. انتهى الأمر. بدأت مرحلة جديدة. لا مكان لأي من هؤلاء في التركيبة الجديدة. إنها ولادة لبنان الجديد"! 
هكذا بكل بساطة وسذاجة يغرقون مرة أخرى في بحر تحليلات التمنيات والتأويلات والتوقعات ولا يحصدون إلا الخيبات والصدمات. النتيجة طبيعية. لكن المعضلة: إنهم لا يتعلمون ... 
عندما أطلقنا ملاحظاتنا ووجهنا بقدر كبير من الاتهامات، كانت رسالتنا للمسؤولين: "استفيدوا من هذه الملاحظات وخبرة أصحابها وهم أصدق الناس في التعامل معكم والرغبة بمساعدتكم لتنفيذ القرارات المتخذة. الوحدة الوطنية أساس، وأي تفاوض او اتفاق في ظل انقسام داخلي لا يؤدي إلى استقرار وحماية مصالح البلد. وخبرتنا طويلة في متابعة السياسة والأساليب الاسرائيلية فكيف والمسؤولون عنها يعلنون يومياً أنهم لا يريدون الانسحاب ويريدون الدم في لبنان وضم جزء من أرضه في سياق قناعة دينية مبنية على وعود إلهية تستهدف سوريا والأردن ومصر والعراق والسعودية وغيرها من دول المنطقة"؟ 
حصلت الزيارة. اللقاء أمام الإعلام عكس الاهتمام بالضيف وأكد الرئيس ترامب حرصه على مساعدته ومساعدة لبنان. والأهم ما جرى في اللقاء المغلق الذي أظهر عدم إطلاع المضيف على أمور بديهية بسيطة في لبنان. وهنا تكمن أهمية اللقاء والحركة السياسية الدبلوماسية الإعلامية التي يجب أن تتبعه في إطار مسؤوليتنا اللبنانية. لن أغوص في تفاصيل ما وصل من معلومات لكن رئيس الجمهورية تصرف بـ"سعة الصدر"، حمل هموم واهتمامات وتساؤلات كل اللبنانيين. حمل قضية لبنان من كل جوانبها. تحدث عن القرارات والتوجهات التي أخدته إلى واشنطن، وعن الخطوات التي قامت بها الدولة، وعن الجيش، دوره وقلة إمكاناته وضرورة مساعدته بعد أن كان قد قال أمام الإعلام كلاماً ثابتاً حول دور قيادته وضرورة حمايته وتقديم الدعم له وقال لاحقاً كلاماً مهماً جداً بعد اللقاء بما يعكس الأجواء التي سادته والتأييد الذي لقيته وجهة نظره، عندما تحدث في السفارة عن سبب وجود السلاح وهو الاحتلال الاسرائيلي والذين حملوه ليسوا مرتزقة أتوا من خارج البلاد إنما هم لبنانيون. وهذا ما كنا نكرّره دائماً انطلاقاً من التزامنا بمقررات الحكومة بحصر السلاح بيد الدولة لتبسط سلطتها على كامل الأراضي اللبنانية وحرصنا على النجاح في ذلك !
على كل حال، اليوم نحن هنا. لن يتوقف الجدل. يجب أن يبدأ العمل بناء على ما تحقق في الزيارة وقد فاجأ كثيرين من " المؤيدين الجدد للرئيس " الذين في الأساس ما كانوا يريدونه في سدة الرئاسة. كثيرون أصيبوا بخيبة. ومع ذلك نحن جميعاً مدعوون إلى البناء على ما تحقق بهدوء ودقة وانفتاح ومسؤولية وأمانة وطنية لتثبيت وحدة وطنية حقيقية هي الأهم وحشد أكبر تأييد للبنان في المحيط القريب ومع دول فاعلة ومؤثرة في العالم على الأسس التالية: 
 
1- الرئيس وترجمة لما قاله وما سمعه من مضيفه عن الرئيس بري وموقعه اتصل بالأخير فور عودته ومن البديهي أن يعمل على تثبيت ما تحقق لترجمته واقعاً على الأرض. الرئيس بري تلقف الأمر وأكد انفتاحه واستعداده للتعاون وتبقى العبرة في التنفيذ وهنا مسؤولية اسرائيل بالالتزام الكامل بالتنفيذ ومتابعة أميركا الحاسمة تأكيداً لالتزام الرئيس ترامب آخذين بعين الاعتبار ما تمّ تمريره من قبل محيطه بصراحة ووضوح: " المسألة بحاجة إلى وقت، خصوصاً وأننا أمام استحقاقات مفصلية مصيرية متعلقة بالانتخابات في كل من اسرائيل وأميركا ". هذا معروف لكنه لا يعني السكوت عن استغلاله اسرائيلياً وترك آلة القتل مستمرة تفتك بكل شيئ والدمار والخراب مستمران والتصريحات الاسرائيلية بعدم الانسحاب متتالية ايضاً كما المباشرة في بناء قواعد عسكرية ثابتة في عدد من المناطق المحتلة والاعتداءات المتكررة على الجيش اللبناني ومواقعه وآخرها أمس. هذه سياسة اسرائيلية تقليدية تهدد الاتفاق وتستقوي ب " الحاجة إلى الوقت " إذا تُركت دون إلزامها بتنفيذ الاتفاق. 
2- مع الأخذ بعين الاعتبار " الاستحقاقات المصيرية " لا يجوز أن تكون مبرراً جديداً لعدم دعم الجيش. لقد أطيح بمؤتمر دعمه أكثر من مرة. واليوم هو مطالب بتنفيذ مهام أساسية صعبة. وقد نجح في المرحلة الأولى لكن المرحلة الحالية امتحان أصعب. لا يجوز ترك الجيش يتعرض لاعتداءات اسرائيلية مباشرة واستفزازية قريبة من مواقعه وعدم لجم اسرائيل، وتقديم المساعدات الضرورية الفورية له والالتفاف الوطني حوله. فكّوا الحصار سريعاً عن الجيش ليتمكن من القيام بتعهداته وليس هذا مطلباً جديداً إنما تأكيد ثابت على ما كرّره قائد الجيش في أكثر من مناسبة وفي تقارير رسمية ولقاءات واجتماعات مع مسؤولين أميركيين وعرب وأجانب.
3- الحكومة مطالبة بخطوات سريعة عاجلة تطمئن الناس. نحن على أبواب عام دراسي جديد وفصل شتاء. رفع العلم اللبناني يتكرّس برفع القهر والظلم والحرمان " والخطر " عن الناس. لقد حصل تأخير في معالجة مسألة الإيواء، اليوم تجب المبادرة سريعاً إلى خطة متكاملة تطمئن العائدين والمتطلعين إلى العودة للثبات مجدداً في أرضهم وكسب ثقتهم وتثبيت قناعتهم بخيار الدولة الضامن الوحيد لهم. 
4- مسؤولية القوى السياسية اللبنانية مسألة أساسية في الاستفادة مما جرى والتعامل بعقلانية ومنطق وحسن تقدير وتدبير مع دقة المرحلة. فكما طالبنا المسؤولين بالاستفادة من موقف المعترضين لتعزيز موقفهم في التفاوض، القوى السياسية مطالبة بالاستفادة من الواقع الحالي لتشكيل موقف وطني جامع يعزّز موقع الدولة على قاعدة ما أعلنه رئيس الجمهورية من مواقف من قلب العاصمة الأميركية مؤكداً أن السبب الرئيس لوجود السلاح هو الاحتلال. والكل مدعو إلى الالتفاف حول الجيش وقيادته والابتعاد عن لغة التشكيك والتخوين والاتهام، فليكن النقاش هادئاً موضوعياً واقعياً بعيداً عن الأحقاد والكراهية والعنصرية والاستقواء بالاحتلال ونتائجه للانقضاض على شريك أساسي في الداخل وهذا لا يحقق انتصاراً ولا يبني دولة، ولا يوفر استقراراً، بل يقدّم خدمة مقصودة أو غير مقصودة لاسرائيل لتبرير مواقفها وتصرفاتها. كما أن استمرار بعض رموز حزب الله في إطلاق مواقف متهورة مستفزة بعيدة كل البعد عن حسن التقدير والتدبير أمر مسيئ وخطير ينفّر لبنانيين كثيرين في بيئات مختلفة ويستنفر قوى خارجية ضد ما يخدم المصلحة الوطنية اللبنانية. ثمة من يقول: اسرائيل ليست بحاجة إلى ذريعة. هذا صحيح وموقفنا تاريخي من دولة الاحتلال والاغتصاب والإرهاب لكن التعامل مع ذلك لا يكون بالتهوّر وسوء التقدير والتدبير وفن إدارة المعركة السياسية الحالية مع العدو.