المواجهات بين المستوطنين والفلسطينيين.. كارثة معروفة مسبقا
الغد
هآرتس
اموس هرئيل
في الوقت الذي توجد فيه المؤسسة الأمنية في حالة تأهب قصوى تحسبا لهجوم أميركي، وربما إسرائيلي، محتمل على إيران، ظهرت ساحة أخرى كانت تغلي بالتوتر منذ فترة طويلة، وهي الضفة الغربية. قُتل إسرائيليان وأربعة فلسطينيين صباح يوم الجمعة في حادثة وقعت في جنوب غرب نابلس، وهناك الآن خطر واضح لتصاعد التوتر في المنطقة وتشكيل دوامة متواصلة من الهجمات الانتقامية المتبادلة.
سارع رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، ووزير الدفاع، يسرائيل كاتس، إلى إصدار أوامر للجيش الإسرائيلي بشن عملية هجومية واسعة في الضفة الغربية، ووعدا أيضا بتقديم الفلسطينيين المسؤولين عن قتل الإسرائيليين – ضابط في المدفعية وعضو في فرقة الطوارئ – إلى العدالة. ومع ذلك، من المهم الإشارة إلى السياق العام الذي تجري فيه الأحداث. فقد اندلع إطلاق النار في قرية تل، التي دخلتها مجموعة من المتنزهين الإسرائيليين في رحلة لم تحصل على موافقة مسبقة من الجيش. ووقعت الحادثة في منطقة تشهد توترات أصلا، في بؤرة حفات جلعاد الاستيطانية في نهاية الأسبوع الماضي (التي أكد الجيش الإسرائيلي بشكل قاطع أنها لم تكن متعمدة)، وفي ظل الكثير من الهجمات التي شنها يهود ضد فلسطينيين.
لا يبرر دخول قرية فلسطينية إطلاق النار على مدنيين إسرائيليين، لكن منظمي الرحلة ليسوا سُذَّجا. يبدو أن هذا كان استفزازا متعمدا، وجزءا من تحرك أوسع يهدف إلى دفع الفلسطينيين إلى رد فعل يخرج عن السيطرة، كما يبدو. وهناك الكثير من الإسرائيليين الذين يسعون إلى تصعيد خطير في الضفة الغربية، وذلك لدافعين:
الأول، الأمل في أن يؤدي تصاعد العنف في نهاية المطاف إلى صراع شامل يمكن من إسقاط حكم السلطة الفلسطينية والسيطرة على مساحات واسعة في الضفة الغربية بالقوة.
والثاني، خلق حالة طوارئ أمنية قبل الانتخابات في 27 تشرين الأول (أكتوبر) القادم، في محاولة لإبعاد مسؤولية الحكومة عن الإخفاقات التي أدت إلى مذبحة 7 تشرين الأول (أكتوبر) عن الأجندة السياسية.
بعد حريق حفات جلعاد الذي أعقبه فقدان عائلات لبيوتها، وقعت عدة أعمال عنف من قبل المستوطنين في قرى في محيط نابلس. وأمس أُصيب مستوطن وجندي في حادثتي طعن في الضفة الغربية، وقُتل ثلاثة فلسطينيين يُشتبه في تورطهم في عملية الطعن. لم تكن النزهة التي جرت عملية مذبحة مخططا لها، لكنها وقعت في منطقة مشتعلة أصلا. ولو تم تقديم طلب إلى القادة في ذلك القطاع، لكان يتعين عليهم رفضه. ومع ذلك، نظرا إلى الطريقة التي يدير بها المستوطنون حاليا نشاطات الجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية، يصعب الجزم ما إذا كان ذلك سيحدث.
دخل عشرات المتنزهين، بينهم أطفال، إلى المنطقة الجنوبية في قرية تل قرب المسجد، وخرج عشرات الفلسطينيين لملاقاتهم. واندلع اشتباك عنيف في الموقع، فاستدعى المتنزهون النجدة من بؤرة حفات جلعاد القريبة. واستولى فلسطيني على سلاح منسق أمن البؤرة، الرائد (احتياط) بنياهو ميلات، وأطلق عليه النار. وفي تبادل إطلاق النار قُتل الرائد يوفال عزرا من هرتسليا، وهو قائد مدفعية كان قد وصل إلى الموقع مع قوة تعزيز صغيرة. وأُصيب إسرائيلي آخر، وقُتل أربعة فلسطينيين، وأُصيب عدد من سكان القرية.
إلى جانب رسائل التعزية التي أصدرها رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس، أُعلن أنهما أصدرا تعليمات للجيش الإسرائيلي بتنفيذ "عملية واسعة في القرى التي تعتبر بؤرا للإرهاب"، واتخذا خطوات لفصل الحركة وإقامة حواجز، وبالطبع – تسريع شرعنة البؤرة وإقامة بؤر استيطانية جديدة. لكن ما يغيب عن بال الكثيرين في الرأي العام الإسرائيلي هو أن هذه المزارع تلعب دورا رئيسا في هذه الأحداث. فالحكومة الحالية، لا سيما منذ 7 تشرين الأول (أكتوبر)، وتحت ذريعة الحرب الإقليمية الدائرة في أعقاب المذبحة، تعمل باستمرار على تغيير الواقع في الضفة الغربية بشكل جذري. وحتى الآن، أُقيمت 80 بؤرة استيطانية و126 مزرعة، واتُخذت قرارات بإقامة 104 مستوطنات أكبر، بُني بعضها بالفعل.
هناك جانب آخر لقرارات السياسة وجهود الاستيطان في المنطقة، الذي يُدان بين حين وآخر بالتردد، لكنه يُدعَم عادة بالتلميح، وهو أعمال العنف التي ينفذها من يُطلق عليهم اسم "شبيبة التلال" ضد جيرانهم الفلسطينيين. وقد أقر نتنياهو مؤخرا بأن عددهم يبلغ ما يقارب 150 شخصا. وفي السابق تحدث عن ما يقارب "70 شابا ضائعا"، لكن العدد الحقيقي أكبر، والأهم أنهم يحصلون على دعم كبير في المستوطنات. هدفهم هو خلق واقع لا يُطاق على الأرض، وإجبار التجمعات الفلسطينية المعزولة على مغادرة أماكنها في المنطقة ب والمنطقة ج، وإخلاء الأراضي لتمكين المزيد من البناء اليهودي. هذه عملية ممنهجة تؤدي إلى نتائج تراكمية.
حتى قبل بضعة أشهر، رغم ازدياد الهجمات اليهودية، كان هناك انخفاض ملحوظ في الإرهاب الفلسطيني. وقال بعضهم إن الطرق في الضفة الغربية أصبحت أكثر أمنا للإسرائيليين لمجرد أن المستوطنين، بدعم عسكري كبير، بثوا الرعب في قلوب الفلسطينيين. لكن منذ بضعة أشهر أصبح من الواضح أن المنطقة تتجه نحو كارثة وشيكة. ومن الأفضل عدم التكهن، لكن يجدر التذكير بكيفية اندلاع الانتفاضة الأولى والثانية في المناطق الفلسطينية في عامي 1987 و2000. هذه المرة هناك دافع سياسي وراء الانفجار. يكفي النظر إلى كيفية قيام وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير بالاستفزاز في الحرم في ذكرى 9 آب (التقويم العبري)، وكيف يدعو منافسه في اليمين المتطرف، بتسلئيل سموتريتش، الجيش إلى اتخاذ إجراءات عقابية وانتقامية في القرى المحيطة بنابلس.
يتطلب تصاعد الصراع من الجيش الإسرائيلي تعزيز قواته بشكل كبير. وقد تقرر هذا الأسبوع نشر كتيبتين نظاميتين أخريين. ويوجد حاليا 24 كتيبة تنتشر في الضفة الغربية، 10 منها كتائب احتياط، وقد يرتفع عددها. ويحدث هذا في ظل واقع يعاني فيه الجيش الإسرائيلي من نقص في القوات، وعبء كبير على وحدات الاحتياط، وتراجع مستمر في معدل الإبلاغ في كثير من الكتائب. وإذا لم يكن هذا كافيا، فإن نشطاء اليمين المتطرف يشنون "رحلات" غير مصرح بها إلى المناطق التي يسيطر عليها الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان وسورية وقطاع غزة، بحجة نيتهم إقامة مستوطنات جديدة هناك، والجيش يقوم بملاحقتهم.
في إطار العملية الجديدة في الضفة الغربية، سيدخل الجنود إلى القرى والبلدات الفلسطينية، وسيلحقون بها دمارا كبيرا، الأمر الذي سيمكّن الحكومة من إعلان انتصارات أكثر إدهاشا بادعاء الحرب ضد الإرهاب. وفي الوقت نفسه، سيُستغل هذا التصعيد لبناء المزيد من البؤر الاستيطانية والمزارع. لكن هذه النشاطات لا تجري بمعزل عن الواقع. ففي ظل تصاعد هجمات المستوطنين، شُكلت لجان للدفاع المدني في ما يقارب 70 قرية فلسطينية في الضفة الغربية. وهذه اللجان لا تستخدم السلاح في الوقت الحالي. لكن كلما تصاعد التوتر، ازداد خطر مشاركة عناصر من تنظيم فتح (الجناح الميداني في حركة فتح) في الصراع. ولم يكن الوضع في الضفة الغربية أخطر مما هو عليه الآن، وهناك في الحكومة من يعتبر هذا الوضع فرصة سانحة.