الغد
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
كريس هيدجز* - (تقرير كريس هيدجز) 15/5/2026
في كتابه الجديد "قبل الطوفان: سيرة عائلة غزّية عبر ثلاثة أجيال من الغزو الاستعماري، والاحتلال، والحرب في فلسطين"، Before the Flood: A Gaza Family Memoir Across Three Generations of Colonial Invasion, Occupation, and War in Palestine، يتعقب المؤرخ والكاتب الفلسطيني الدكتور رمزي بارود المسار الطويل للمقاومة الفلسطينية ضد الدولة الصهيونية الاستيطانية الاستعمارية، وصولًا إلى شكل المقاومة الراهن المتمثل في حركة "حماس".
ويشرح الدكتور بارود أن المقاومة، كما يعرّفها الفلسطينيون أنفسهم، هي "ورقة القوة الوحيدة" الباقية في يد الشعب الفلسطيني في معركته من أجل الوجود التي بدأت قبل نكبة العام 1948.
في هذه الحلقة من برنامج "تقرير كريس هيدجز" الحواري، يتحاور هيدجز مع البروفيسور بارود حول ارتباطه الشخصي العميق بهذه القضية.
كانت عائلة الدكتور بارود تقيم في قرية بيت درّاس قبل أن يتم تهجيرها قسرًا إلى غزة خلال النكبة. وفي الحرب الحالية، قُتل أكثر من مائة من أفراد عائلته على يد قوات الاحتلال الإسرائيلي، من بينهم شقيقته الدكتورة سومة بارود، التي كانت طبيبة وقيادية مجتمعية.
ولا تقتصر خسائره على ذلك. ويوضح البروفيسور بارود أنه، بسبب عقود الحصار والعزل في غزة، "فإن كل من يموت في غزة يكون بطريقة ما فردًا من العائلة، أو صديقًا، أو جارًا، أو قريبًا، أو ذا صلة من نوع ما".
ويصف بارود "الإبادة الجماعية البطيئة" التي تعرض لها الفلسطينيون من خلال حصار غزة والهجمات الإسرائيلية الدورية التي يصفها الصهاينة بوحشية بأنها "جزّ العشب"، والتي أدت إلى اندلاع الانتفاضة الفلسطينية في غزة في السابع من تشرين الأول (أكتوبر) 2023.
منذ ذلك التاريخ، شاهد العالم إسرائيل وهي تنفذ إبادة جماعية شاملة دمّرت 92 في المائة من قطاع غزة. والآن يجري دفعُ الفلسطينيين إلى التكدس في مساحة أصغر من الحيز السابق الضيق مُسبقًا، ومن دون البنية التحتية التي كانوا يعتمدون عليها. ويصف بارود الوضع بأنه أكثر مأساوية مما كان في أي وقت، حيث "يُطلب من الغزيين أن يصنعوا معجزة للبقاء، بينما يدير العالم وجهه وينظر إلى مكان آخر".
في هذا الحوار، يناقش هيدجز وبارود ما قد يحمله المستقبل لفلسطين. ويُعرب بارود عن تفاؤله بأن فلسطين ستنتصر في نهاية المطاف، بالنظر إلى صمود الفلسطينيين وبراعتهم في إدارة معركة البقاء.
وفي كتابه، الذي يمثل نوعًا من "التاريخ الشعبي" المتحدي للسردية الصهيونية السائدة، يوضح بارود أنه على الرغم من وجود انقسامات داخل المجتمع الفلسطيني -كما هو حال جميع المجتمعات وحركات التحرر الوطني- فإن هناك وحدة عميقة كامنة يشير إليها باسم "الشفرة السرية لغزة".
كما يملك الفلسطينيون تاريخًا طويلًا من "المثقفين المقاتلين" الذين قادوا حركات التحرر المتعاقبة، وأقاموا روابط مع حركات تحرر أخرى حول العالم.
لا تستطيع الدولة الصهيونية أن تستمر بغير القوة العسكرية، بينما أثبت الفلسطينيون قدراتهم الكبيرة على المقاومة. ويقول الدكتور بارود بفخر: "لا أريد أن أقول إننا بشر خارقون في غزة، لكن قصتنا تتحدث عن نفسها".
في ما يلي النص الكامل للحوار:
***
كريس هيدجز: يضفي رمزي بارود، في مذكراته المؤثرة "قبل الطوفان: مذكرات عائلة غزية عبر ثلاثة أجيال من الغزو الاستعماري، والاحتلال والحرب في فلسطين"، التي تؤرخ لثلاثة أجيال من عائلته في فلسطين، بُعدًا شخصيًا على نضال الفلسطينيين من أجل الصمود في وجه الاحتلال البريطاني ثم الإسرائيلي.
وهو يقدّم وصفًا تفصيليًا للحياة الحميمة داخل القرية بالنسبة لعائلة البدرساوي في بيت دراس، ثم لاحقًا، بعد النكبة في العام 1948، داخل مخيمات اللاجئين في غزة. وتمزج تصويراته السردية بين التاريخ العائلي والقوى الاستعمارية التي أفقرت الشعب الفلسطيني واضطهدته على مدى قرن كامل.
وفي مقابل العنف المتواصل للاستعمار الاستيطاني والفصل العنصري، ثم الإبادة الجماعية في نهاية المطاف، يبرز الصمود الراسخ للفلسطينيين الذين يتمسكون بشراسة بأرضهم وثقافتهم وإيمانهم.
رمزي هو رئيس تحرير موقع "وقائع فلسطين" The Palestine Chronicle، الذي يتولى قيادته منذ العام 1999. يحمل درجة الدكتوراه في الدراسات الفلسطينية من جامعة إكِستر، ومؤلف ثمانية كتب، من بينها: "البحث عن جنين" Searching Jenin، و"الانتفاضة الفلسطينية الثانية" Second Palestinian Intifada، و"أبي كان مقاتلاً من أجل الحرية" My Father Was a Freedom Fighter، و"الأرض الأخيرة" The Last Earth و"هذي السلاسل سوف تُكسر" These Chains Will Be Broken.
وهو أيضاً محرر مشارك، مع إيلان بابيه Ilan Pappé، لكتاب "رؤيتنا للتحرر" Our Vision for Liberation، وكذلك للمجلد المرتقب "غزة تنهض" Gaza Rising، الذي يحكي عن المقاومة الفلسطينية والتحول السياسي في غزة، مسقط رأسه.
رمزي، أود أن أبدأ بالإهداء الذي تستهل به كتابك:
"إلى شقيقتي، الدكتورة سومة محمد محمد بارود -وأكتب اسمك كاملًا لأنه هكذا ظهر على الكيس الأبيض الذي ضم بقايا جسدك بعد وقت قصير من سقوط القنبلة".
أود أن أبدأ من هنا لأنني أعتقد أن هذا الجرح، في هذه المرحلة، لم ينجُ منه أحد تقريبًا في غزة.
رمزي بارود: هذا صحيح. أعرف أنك عادة ما تطرح أسئلة صعبة، لكنني لم أتوقع أن تبدأ بأصعب سؤال.
كما تعلم، عندما يهلك الناس في الإبادة الجماعية، حتى لو لم تكن تعرفهم، وحتى لو لم يكونوا مقربين منك، فإننا نحن، كغزيين، نرى أنفسنا عائلة كبيرة واحدة.
ولا أقول ذلك على أساس عاطفي أو وجداني، لأننا في الأساس أحفاد مائتي ألف لاجئ فلسطيني وصلوا إلى غزة بعد النكبة، ثم تكاثروا داخل مساحة تقلصت فعليًا.
أصبحت غزة اليوم أصغر بكثير مما كانت عليه في العام 1948 من الناحية الجغرافية، لكن عدد سكانها ازداد بأكثر من عشرة أو أحد عشر ضعفًا. ومع ذلك، استطعنا بطريقة ما أن نصنع فضاءً نصبح فيه عائلة واحدة.
أشك في وجود شخص واحد في أي مكان من غزة لا تستطيع عائلة أخرى في الطرف الآخر من غزة أن تجد بينها وبينه نوعًا من صلة القرابة، من جهة الأم أو الأب أو أي رابط آخر. ومن المستحيل ببساطة أن تنشأ قطيعة بين الناس بعد كل هذا الزمن.
لذلك، فإن كل من يموت في غزة يكون، بطريقة ما، فردًا من العائلة، أو صديقًا، أو جارًا، أو قريبًا، أو مرتبطًا بك بصلة من نوع ما. ولكن، مع تصاعد شدة الإبادة الجماعية، تشعر بأنك بدأت تقترب من الناس أكثر فأكثر.
في الأيام الأولى المبكرة من الحرب، قُتلت ثلاث عائلات من آل بارود: واحدة في مخيم النصيرات وسط القطاع؛ وأخرى في خان يونس جنوبًا؛ وثالثة في جباليا شمالًا. ثم، لسبب ما، بدأنا نحصي القتلى. لا أعرف لماذا كنت أعدّ أفراد عائلتي الذين قُتلوا.
ارتفع العدد إلى 33، ثم إلى 55. ووصلنا إلى 110. ثم توقفت عن العدّ لأنني لم أعد أفهم لماذا كنت أعدّ أفراد عائلتي الذين قُتلوا، ثم أبناء العمومة المباشرين مع زوجاتهم أو أزواجهم وأطفالهم، والعمات والأعمام. ولكن، لسبب ما، لا يخطر ببالك أبدًا أن تصل الضربة إلى هذا الحد، إلى هذا القرب، إلى درجة أن تكون الضحية شقيقتك نفسها.
ثمة شيء يتعلق بشقيقتي أعتقد أنه من المهم الإشارة إليه هنا. إنها لم تكن مجرد طبيبة. وكل طبيب في غزة هو شخصية بالغة الأهمية -خصوصًا في غزة. لكنها كانت أيضًا مثقفة. كانت قائدة مجتمعية. وساعدت في تمكين عدد هائل من النساء في جنوب غزة، حتى أنهن شكّلن ما يشبه تجمعًا قويًا من العاملات في المجال الطبي. كانت تدافع عن حقوقهن، وأسست نقابات. كانت تبدو، بمعنى ما، أكبر من الحياة نفسها.
مهما حدث، كان ينتابني شعور بأنها في أمان، من دون أن أعرف السبب. ربما لأنها نجت من مجازر كثيرة من قبل. ربما لأنها كانت الشخص المسؤول عن معالجة جرحى الحروب المختلفة السابقة.
قالت لي ذات مرة: "أنت تجلب إلى هذه الحياة عددًا كبيرًا من الأطفال بصفتك طبيبًا، ثم تجد نفسك، خلال حياتك نفسها، الشخص الذي يعلن وفاتهم. إن احتمال حدوث ذلك صعب للغاية، ولكن هذه هي الحياة التي نعيشها".
ثم تستيقظ ذات صباح لترى شقيقتك في الأخبار. كانت هناك صدمة كاملة وعدم تصديق، لكنها سومة الوحيدة. اسم سومة ليس اسمًا شائعًا في غزة. كانت واحدة من عدد قليل جدًا ممن يحملن هذا الاسم. كم عدد الطبيبات اللواتي يحملن اسم سومة أصلًا؟ رأيت الخبر على وكالة "وفا". ورأيت الجثمان داخل كيس أبيض كُتب عليه الاسم الكامل، ومعه لقب "دكتورة".
كنت أقول لنفسي: لا. تعاملتُ مع الخبر كما لو أنها ليست شقيقتي. كنت أعرف أنها شقيقتي، لكنني أردت أن أخفي الأمر -إلى أن جاءت ابنتي وقالت لي، وهي منهارة وتبكي: "أعتقد أن عمتي سومة قد استشهدت".
وعندها أدركت؛ نعم، حقًا، لقد رحلت العمة سومة. وكان يُفترض أن تكون تلك نهاية الأمر، لكنها لم تكن كذلك أبدًا.
كريس هيدجز: وإسرائيل لم تستهدف الصحفيين وكثيرًا من الأكاديميين فحسب، بل استهدفت الأطباء والعاملين في القطاع الصحي على وجه الخصوص.
رمزي بارود: نعم، لقد فعلت. وهناك سبب لذلك. لقد أرادت إسرائيل منذ البداية، منذ بداية البداية، تنفيذ تطهير عرقي بحق الفلسطينيين. ولم يكن ذلك شيئًا يتحدث عنه بتسلئيل سموتريتش بمعزل عن النظام، أو إيتمار بن غفير وكأنهما يعملان خارجه.
كانت تلك هي الخطة الإسرائيلية. ولم يكن الأمر مجرد قتل، على الرغم من أنه كان كذلك. ولم يكن مجرد انتقام، مع أنه كان كذلك أيضًا. كان يتعلق بشيء أكبر بكثير. لقد اعتقدوا أن النكبة ستنتهي هنا.
ذلك الفصل الذي بدأوه في العام 1948 كان يفترض -من منظورهم- أن يُطوى الآن؛ أن يُدفَع الفلسطينيون إلى خارج غزة، وبعد ذلك، بالتبعية، إلى خارج الضفة الغربية التي لم تُظهر -لأسباب مختلفة يمكننا مناقشتها الآن أو لاحقًا- القدر نفسه من المقاومة، ولذلك كانت ستصبح هدفًا سهلًا.
إنك تدفع الفلسطينيين إلى خارج الضفة الغربية، فتنجز التطهير العرقي هناك، ثم تقوم بالضم، وتختفي المنطقة "ج"، وهكذا.
كيف تحقِّقُ ذلك؟ تستهدف الأماكن التي تجمع الناس معًا. تهاجم الجامعات، والمدارس، ومراكز الإيواء، والمستشفيات. هذه البنية التحتية المدنية -التي يشكل استهدافها، بطبيعة الحال، أكثر جرائم الحرب الممكنة وضوحًا- لم تُدمَّر فقط لأن إسرائيل كانت ترتكب جرائم حرب.
كانت لدى إسرائيل استراتيجية: دمّر المستشفيات، اقتل الأطباء، وعندئذ لن يبقى لدى الناس سبب للبقاء في تلك الأماكن. ولهذا نفّذوا تلك المجزرة الأولى في "المستشفى المعمداني"، "مستشفى الأهلي"، في مدينة غزة، ثم تبعتها مجازر مستشفيات "الشفاء" و"ناصر" وكل البقية.
عندما انتقل الناس من الشمال إلى الجنوب، أصبحت مستشفيات خان يونس أماكن تجمع الناس، وكانت إسرائيل تريد السيطرة على خان يونس. ولذلك شرعت، بصورة منهجية، في اغتيال أطباء خان يونس، وأطباء "مستشفى ناصر" -وليس داخل محيط المستشفى فحسب، وإنما أيضًا داخل منازلهم، وفي الشوارع، وفي أي مكان.
استُهدفت شقيقتي بطائرة مسيّرة ظلت تلاحق سيارة الأجرة التي كانت تقلّها مع عدد من المدنيين الآخرين، واستمرت في مطاردتهم حتى فجّرت السيارة، وانتهى الأمر هناك.
وإذن، نعم، كان الأمر يتعلق بقتل الأطباء والعاملين في القطاع الطبي. قُتل آلاف الأطباء والعاملين الصحيين وأفراد الدفاع المدني ورجال الإطفاء وغيرهم لضمان أن يغادر الناس المناطق التي كانت تجمعهم، وأن يتجهوا إلى أماكن أخرى أبعد نحو الجنوب.
كريس هيدجز: قبل أن نتحدث عن كتابك، دعنا نتحدث قليلًا عما يجري الآن في غزة. لقد استولت إسرائيل على ما يقرب من 60 في المائة من قطاع غزة، أليس كذلك؟ يجب أن نوضح أن غزة تُعد من أكثر الأماكن اكتظاظًا بالسكان على وجه الأرض.
كما تمنع إسرائيل دخول المساعدات الإنسانية، في انتهاك لاتفاق وقف إطلاق النار، وخصوصًا المواد التي يمكن أن تتيح للفلسطينيين بناء أي نوع من المساكن أو الملاجئ الدائمة. وقد دمرت، بطبيعة الحال، المنشآت الطبية. ويشرب الناس هناك مياهًا ملوثة غير معالجة، ويعيشون إلى جانب برك آسنة من مياه الصرف الصحي الخام.
إنها إبادة جماعية بطيئة الإيقاع. ومن المؤسف أن العالم حوّل اهتمامه تدريجيًا بعيدًا عن أهوال الإبادة الجماعية الشاملة في القطاع، وترك لإسرائيل المجال كي تواصل، فعليًا، العملية التي كانت قد بدأتها في السابع من تشرين الأول (أكتوبر).
رمزي بارود: هذا صحيح. والمفارقة في كل ذلك أن هذا تحديدًا هو ما أدى إلى السابع من تشرين الأول (أكتوبر) في المقام الأول. كانت هناك إبادة جماعية بطيئة الإيقاع في غزة منذ البداية. كانت 90 إلى 97 في المائة من مياه غزة غير صالحة للشرب، وفقًا للأمم المتحدة.
كان الناس يموتون في غزة بسبب أمراض يمكن علاجها بسهولة إذا توفرت إمكانية العلاج. لم يكن لمرضى السرطان أي وصول إلى الدواء. والمرضى الذين يحتاجون إلى أجهزة غسيل الكلى كانوا يموتون. وعندما تصل إلى مرحلة يحتاج فيها مرضى الكلى إلى الغسيل، فإن احتمال الموت يصبح أعلى بكثير من احتمال البقاء على قيد الحياة.
وإذن، كانت غزة تعاني مُسبقًا منذ البداية. وكان الإسرائيليون واضحين جدًا في هذا الشأن، سواء في ما يتعلق بالغذاء أو الدواء. وكانت الحجة التي طُرحت -ونحن نتذكر جميعًا ذلك التصريح الشهير لويزغلاس، مستشار أرييل شارون السابق، عندما قال: "نحن لا نريد قتل الفلسطينيين، نحن نريد فقط أن نضعهم على نظام غذائي". وكما تعلم، كان هذا في الحقيقة مجرد تعبير رمزي عن: "نحن نريدهم على حافة المجاعة".
من الناحية العسكرية، كانت إسرائيل تذهب كل بضع سنوات إلى غزة في إطار ما يُسمى "جزّ العشب" -أي قتل بضعة آلاف، وإصابة عشرات الآلاف، وتذكير الغزيين بمن هو السيد، وإدامة هذا الشعور الدائم بالحصار. ونتيجة لذلك، لم يضع أن من الغالبية العظمى من سكان غزة، ومعظمهم من الشباب، قدمًا خارج تلك المساحة الضيقة التي تبلغ أكثر قليلًا من 140 ميلًا مربعًا.
وهكذا، كانت الأوضاع كارثية أصلًا قبل الإبادة الجماعية. ولا يمكننا إلا أن نتخيل ما حدث أثناء الإبادة، عندما دُمّر 92 في المائة من كل ما كان قائمًا في غزة، وتم القضاء على البنية التحتية بالكامل، ولم يعد هناك أي أساس يمكن للناس أن يحاولوا -أو يتظاهروا من خلاله بالبقاء على قيد الحياة.
لقد انتهى كل ذلك. والآن نحن نعود إلى ما تسميه أنت "الإبادة بطيئة الإيقاع"، يا كريس، لكن الوضع أصبح مختلفًا الآن عن السابق، لأنه قبل الإبادة كانت هناك على الأقل مستشفيات تعمل نسبيًا، وعيادات تعمل نسبيًا، ومدارس تعمل نسبيًا.
كانت هناك حياة مدنية، بطريقة ما، تستمر، لأن هؤلاء الناس مذهلون. إنهم شعبي. أنا من غزة. نحن نتمتع بقدرة كبيرة على التكيّف وإدارة الحياة في أقسى الظروف.
ولكن الآن، يُطلب منهم أن يصنعوا معجزة للبقاء، بينما العالم ينظر في اتجاه آخر، وهو ما يخلق الدائرة نفسها التي ستؤدي إلى الغضب نفسه؛ الاحتقان نفسه الذي أدى في الأساس إلى السابع من تشرين الأول (أكتوبر).
وهكذا، سيدفع الجميع الثمن في النهاية. ولكن للأسف، إذا حدث ما حدث مرة أخرى، فسوف يُلقى اللوم مرة أخرى على غزة، وسيُقال إنها هي المشكلة، أو إنها هي التي بدأت كل شيء، وكأنه ليس هناك سياق تاريخي على الإطلاق لهذا كله.
كريس هيدجز: منذ بداية الإبادة الجماعية، كانت إسرائيل -كما ورد في تسريبات الصحافة الإسرائيلية، وأحيانًا تصريحات علنية- واضحة جدًا في أن الهدف هو دفع الفلسطينيين في غزة إلى الخروج من القطاع. وكان يجب أن يبقى هذا هو الهدف. هل ترى أن إسرائيل ستحقق هذا الهدف؟ إن هذا بالتأكيد هو ما تريده.
رمزي بارود: لا أعتقد أنهم سيحققون هذا الهدف، لأن هناك شيئًا أسميه "الشفرة السرية لغزة". هناك شفرة اجتماعية في غزة لا يمكن فهمها بالبحث الأكاديمي أو النظرية أو التفكير العقلاني والمنطقي.
يجب أن تكون منغمسًا داخل تلك الجماعة، وأن تعيش في غزة وتكون واحدًا من أهلها كي تفهم ما هي تلك "الشفرة". أنا أنحدر من قرية تُدعى بيت دراس، كما رأيتَ في الكتاب.
غالبًا ما يُقال عن أهل تلك القرية إن لديهم رؤوسًا كبيرة. نقول نحن إن رؤوسنا كبيرة، بمعنى أننا فعليًا نملك رؤوسًا كبيرة. وقد تبيّن لاحقًا أن ذلك كان مجرد طريقة للتعبير عن أن أهل تلك القرية عنيدون بشكل خاص، ونحن شعب عنيد جدًا.
لكننا أيضًا نعيش في سياق يُصنَّف فيه اللاجئون الفلسطينيون في غزة جميعًا كأبناء قرى، كفلاحين. نحن نأتي من الريف في جنوب فلسطين. نحن شعب يقدّر الجماعة، ويقدّر الشرف، ويقدّر الشجاعة، ويقدّر الصمود، ويقدّر الكرامة، والحرية.
هذه هي الرموز والمفاهيم الصغيرة التي نتحرك وفقها. وهي ليست شيئًا يمكن ترجمته إلى مقتطفات إخبارية قصيرة تشرح لماذا نفعل ما نفعله.
هناك قرار اتُّخذ في غزة، قرار جماعي غير مُعلن، لكنه موجود، وهو أننا نفضّل الموت جميعًا على أن نغادر غزة.
في الواقع، لدينا هذا القول في العربية: "حتى آخر قطرة دم". سوف نقاتل حتى آخر قطرة دم. لكن المسألة هنا هي أن هذا يُفترض أن يكون مجازًا، لكنه ليس كذلك بالنسبة لنا في غزة. إنه شيء حرفي.
إننا نثبت في أرضنا ونموت بأعداد كبيرة، لكننا لن نتخلى أبدًا عن وطننا. وإذا لم تستطع إسرائيل تحقيق ذلك خلال أكثر من عامين من الإبادة، وما تزال مستمرة ولم تنجح حتى الآن، فإنها لن تنجح.
وعندما كان الناس يتقدمون بطلبات لمغادرة غزة لأسباب طبية، كانت الغالبية العظمى منهم جرحى في حاجة إلى علاج عاجل.
إنك لم تكن ترى مليون فلسطيني يتقدمون بطلبات لمغادرة غزة. إنهم لن يغادروا. في الواقع، عاد كثير منهم إلى غزة خلال تلك الفترة الانتقالية القصيرة التي سُمح فيها لبعض الناس بعبور معبر رفح.
وهكذا، بما أن الشعب الفلسطيني اتخذ هذا القرار بالصمود تحت أي ظرف، وأثبت ذلك عمليًا وبطريقة ملموسة، لا أعتقد أن إسرائيل يمكن أن تنجح في تنفيذ تطهير عرقي في غزة.
*كريس هيدجز Chris Hedges: صحفي حائز على جائزة بوليتزر. كان مراسلا أجنبيا لمدة خمسة عشر عاما لصحيفة "نيويورك تايمز"، حيث شغل منصب رئيس مكتب الشرق الأوسط ورئيس مكتب البلقان للصحيفة. عمل سابقا مراسلا أجنبيا لصحف "ذا دالاس مورنينغ نيوز" و"كرستيان سينس مونيتور" و"الراديو الوطني"، وهو مضيف برنامج "تقرير كريس هيدجز". حصل على جائزة منظمة العفو الدولية العالمية للصحافة في مجال حقوق الإنسان للعام 2002. يحمل درجة الماجستير في اللاهوت من كلية اللاهوت بجامعة هارفارد، وهو مؤلف الكتابين الأكثر مبيعا: "الفاشيون الأميركيون: اليمين المسيحي والحرب على أميركا"؛ "إمبراطورية الوهم: نهاية محو الأمية وانتصار المشهد". وكان أحد المتأهلين للتصفيات النهائية لدائرة نقاد الكتاب الوطنية عن كتابه "الحرب قوة تعطينا معنى". عمل بالتدريس في جامعة كولومبيا وجامعة نيويورك وجامعة برينستون وجامعة تورنتو.
*نُشر هذا الحوار تحت عنوان: A History of Palestine’s Resistance