عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    16-May-2026

فشل "مجلس السلام" لغزة

 الغد

معاريف
بقلم: جاكي خوجي
15/5/2026
 
في زيارتين متتاليتين إلى إسرائيل، بدا أن نيكولاي ملادينوف يقرّ عمليا بأن مشروع "مجلس السلام" الخاص بغزة قد فشل. وكان ملادينوف، وهو دبلوماسي دولي ناجح وشغل في السابق منصب وزير خارجية بلغاريا، قد عُيّن من قبل دونالد ترامب لرئاسة الهيئة الإدارية للقطاع. وبعد مرور بضعة أشهر، وجد المشروع نفسه في حالة تعثّر واضحة.
 
 
يوم الثلاثاء الماضي، التقى ملادينوف برئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، وكان هذا اللقاء الثاني بينهما في الفترة الأخيرة. وقبل أسبوع من ذلك، قدّم، خلال لقائه نتنياهو، عرضا يهدف إلى تحقيق اختراق في الملف. وحاول إقناع الأطراف بأن حركة حماس لا تنوي نزع سلاحها بمبادرة منها.
 ولم يقل ملادينوف ذلك بشكل مباشر، لكن كان واضحا لكل من في الغرفة أن على إسرائيل أن "تفعل شيئا ما"، أي استخدام القوة من أجل دفع حماس إلى إبداء قدر من المرونة.
من غير المرجح أن تعود دبابات الجيش الإسرائيلي قريبا إلى اجتياح ساحات غزة. لكن مشروع "مجلس السلام" بات مستنزفا، ويبدو أنه يوشك على الانهيار، فيما يسعى الدبلوماسي المخضرم إلى إظهار أنه يبذل كل ما في وسعه لإنقاذه، خصوصا أنه جلس في الاجتماع إلى جانب مبعوثين من البيت الأبيض، ما يجعل اللحظة سياسية بامتياز، وكذلك الأمل الذي عُلّق عليه من قبل مرسليه.
بعد وقت قصير من لقائه مع نتنياهو، عقد ملادينوف مؤتمرا مع صحافيين أجانب في شرقي القدس. وقال أمام الكاميرات إن "باب تحسين مستقبل غزة لا يزال مغلقا. هذا ليس ما وُعد به الفلسطينيون، وليس ما يستحقونه". وأشار إلى أن حركة حماس تعزز حكمها في القطاع وتفرض الضرائب على السكان، أي أنها تعيد ترسيخ سيطرتها وتُحسّن وضعها المالي، محذرا من إهمال يلوح في الأفق قائلا: "سيستغرق إعمار غزة أجيالا".
من غير الواضح ما إذا كانت حركة حماس تدرك أن هذا المشروع قد ينهار بهذه السرعة. فمن وجهة نظرها، طالما لا تتدفق المليارات، فإن ملادينوف ومشروع "مجلس السلام" لا داعي لهما، ومن الأفضل أن يتفككا. وفي الأسابيع الأخيرة، شُنّت حملة ضده في وسائل الإعلام العربية بهدف التشهير به ودفعه إلى الاستقالة، بما يسرّع انهيار المشروع.
لكن ملادينوف لا يبدو مستعدا للمغادرة بسهولة، إذ إن ذلك سيُعدّ اعترافا بالفشل. وهو يتابع، كما غيره، الأخبار في إسرائيل، ويعلم أن الأسبوع المقبل قد يشهد تصويتا حاسما في الكنيست، وأن نتنياهو يواجه مشاكل صحية قد تدفعه إلى التفكير بالانسحاب السياسي قريبا، ما يعني احتمال تغيّر في المشهد السياسي الإسرائيلي.
في المقابل، ترى حماس أن مشروع الإعمار هو مشروع يخدم إسرائيل. وكانت تعتبره مبادرة طموحة تفرض عليها قيودا وتسعى عمليا إلى تهميشها. ومع تعثر المشروع، تتلاشى تدريجيا مكوّناته: الحكومة الفلسطينية التي كانت تنتظر في القاهرة الإشارة للدخول إلى القطاع دون تمويل يُذكر، والقوة الاقتصادية متعددة الجنسيات التي لم تصل، ولا حتى قوة حفظ النظام التي كان يفترض أن تضم آلاف العناصر الفلسطينيين بتمويل من محمد دحلان.
ومع انهيار المشروع، ستجد حماس نفسها وحدها في مواجهة إسرائيل؛ أضعف نسبيا، لكنها ما تزال تحتفظ بالسلاح ولم ترفع الراية البيضاء. ومن منظورها، فإن ذلك يُعدّ نصرا بعد عامين من المواجهة. أما الإعمار والمليارات الموعودة، فقد كانت، كما يرى قادتها، ستبقى حبرا على ورق.
ما قاله ملادينوف في القدس يمكن اعتباره بمثابة جرس إنذار. فالكثير من الإسرائيليين يعتقدون أن الوضع الحالي ليس سيئا، إذ إن حماس أُعيدت إلى الوراء، والسيطرة الإسرائيلية على القطاع باتت محكمة. وعلى المدى القريب، يمكن القول بحذر إن بلدات غلاف غزة ستنعم بهدوء نسبي، لكن ذلك لا يضمن المستقبل.
فغزة لن تختفي، وحماس ستواصل إعادة بناء قوتها والقتال. ولا يخفي قادة الحركة ذلك، إذ يعلنون علنا أن الصراع مستمر. ولديهم ما يقارب عشرة آلاف بندقية، وهي قدرات محدودة مقارنة بالماضي، لكنها تبقى كافية لمنظمة حرب عصابات ترى في إسرائيل عدوا دائما وتمتلك نفسا طويلا.
وقد تعلّم الجميع بعض الدروس من أحداث 7 أكتوبر، من بينها أن تجاهل غزة وإحكام إغلاقها قد يؤدي في النهاية إلى انفجارها في وجه من يحاصرها. غزة اليوم، وإن كانت أضعف مما كانت عليه قبل تلك الأحداث، ما تزال محاصرة وفقيرة ومهمّشة، ويعيش سكانها أوضاعا إنسانية قاسية.
كما يعاني القطاع من غياب شبه تام لبرامج الصحة النفسية، ما يجعل آثار الصدمة المتراكمة قنبلة موقوتة. فطفل اليوم، الذي يعيش هذه التجربة، قد يتحول إلى مقاتل بعد سنوات دون الحاجة إلى تجنيد رسمي.
ولمن يريد فهم عمق المأساة، يكفي النظر إلى ما قالته "أم أسامة"، زوجة خليل الحية، أحد أبرز قيادات حماس في الدوحة. فقد أجرت معها قناة "الجزيرة" مقابلة هذا الأسبوع.
تحدثت أمل الحية عن فقدانها لأربعة من أبنائها وخمسة من أحفادها عبر السنوات، بين استهدافات إسرائيلية متعددة. وروت كيف استقبلت خبر مقتل أبنائها بالصبر والدعاء، معتبرة إياهم "شهداء"، ومؤكدة رضاها بما تسميه "الشهادة".
وخليل الحية، وهو من صانعي القرار في حركة حماس، يحمل معه هذا الثقل الشخصي أينما ذهب. وفي مثل هذا السياق، يبدو أن دائرة الصراع قد تجاوزت السياسة لتصبح جزءا من حياة شخصية لا تنفصل عن مسار طويل من الحرب والانتقام، حيث لم يعد لدى كثيرين ما يخسرونه فعليا.