عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    01-Apr-2026

قانون إعدام الأسرى.. شرعنة الموت في عزاء العدالة الدولية*د.ميساء المصري

 الغد

في علم الإنسانية يقال موتُ الإنسان ليس حين يتوقّف قلبه.. بل حين يتوقّف ضميرُ الآخرين عن الإحساس به. مقابل ذلك في عالم سياسي شديد الاضطراب، وفي لحظة موت غير طبيعية يصادق فيها كنيست الكيان الإسرائيلي على قانون يجيز إعدام الأسرى الفلسطينيين، بدعم من حكومة يقودها بنيامين نتنياهو، في خطوة تمثل، من منظور القانون الدولي، تحوّلًا خطيرًا من انتهاك الحقوق إلى تقنين الإعدام خارج إطار العدالة. 
 
 
القانون، الذي حاز أغلبية برلمانية واضحة، لا يمكن قراءته بوصفه إجراءً جنائيًا عاديًا، بل باعتباره أداة سياسية تُعيد تعريف العلاقة بين القوة والقانون، وتدفع بمنظومة العدالة إلى عمق الانهيار.
جوهر الخطورة في التشريع لا يكمن فقط في إقراره لعقوبة الإعدام، بل في طبيعته التمييزية الصريحة، إذ يُصمم خصيصًا لفئة محددة، الأسرى الفلسطينيين. وهنا يتقاطع القانون مع أحد أخطر المحظورات في القانون الدولي، وهو التمييز على أساس الهوية القومية أو العرقية، ما يجعله أقرب إلى تكريس نظام فصل قانوني مزدوج، يتعارض مباشرة مع مبادئ الأمم المتحدة ومواثيقها المزعومة الانتقائية، وعلى رأسها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
هذا العهد الذي صرح بوضوح على أن الحق في الحياة حق أصيل لا يجوز انتهاكه تعسفًا، ويشدد على ضمانات المحاكمة العادلة، بما في ذلك استقلال القضاء وحق الدفاع وضرورة الإجماع أو المعايير الصارمة في القضايا التي قد تفضي إلى عقوبة الإعدام. غير أن القانون الإسرائيلي الجديد، وفق ما تم تداوله، يكتفي بأغلبية قضائية بسيطة لإصدار حكم بالإعدام حتى لو كان الأسير طفلا ، وهو ما يمثل تراجعًا خطيرًا حتى عن المعايير الإجرائية الدنيا في الأنظمة القانونية التي تسعى لتطبيق هذه العقوبة.
الأخطر من ذلك، أن القانون يُغلق باب العفو أو تخفيف الحكم، ويمنع إدراج المحكومين ضمن أي صفقات تبادل مستقبلية، ما يحوّل العقوبة من إجراء قضائي إلى أداة انتقام سياسي، ويقضي على أي أمل في مراجعة الأحكام أو تصحيح الأخطاء القضائية. هذا التوجه لا ينسف فقط مبدأ العدالة، بل يُلغي أحد أهم ضماناتها، إمكانية التدارك.
وفي سياق الاحتلال القاهر، تزداد خطورة هذا القانون أضعافًا. فالقانون الدولي الإنساني، وخاصة اتفاقيات جنيف، يضع قيودًا صارمة على سلطة القوة القائمة بالاحتلال تجاه السكان الواقعين تحت سيطرتها. ولا يجيز بأي حال استخدام القضاء كأداة قمع أو تصفية سياسية. إن تطبيق عقوبة الإعدام في هذا السياق، وبشروط تفتقر إلى العدالة، يمكن اعتباره شكلاً من أشكال القتل التعسفي العلني المحظور دوليًا، بل جريمة حرب همجية بربرية. 
التحذيرات الأوروبية، التي لوّحت بإمكانية فرض عقوبات تشمل تعليق اتفاقيات الشراكة ان كانت حقيقية، تعكس إدراكًا متزايدًا لخطورة هذا المسار. 
دول كبرى مثل فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة بدأت تدرك أن الصمت لم يعد خيارًا، وأن استمرار هذا النهج يهدد بتقويض النظام الدولي القائم على القواعد. ومع ذلك، تبقى هذه التحذيرات حتى الآن في إطار الضغط السياسي غير الملزم ولها مصالحها كذلك، ما يطرح تساؤلات حول جدية المجتمع الدولي في فرض التزام حقيقي بالقانون.
في المقابل، يبدو العالم العربي في حالة غياب شبه كامل عن التأثير، منشغلًا بصراعاته الداخلية والإقليمية، بينما يتم تمرير تشريعات مصيرية في ظل انشغال دولي واسع بتوترات التصعيد بين إيران وإسرائيل. هذا التوقيت ليس عابرًا، بل يعكس استغلالًا سياسيًا واضحًا لتمرير قانون فاشيّ في لحظة تراجع فيها التركيز الدولي على القضية الفلسطينية.
إن ما يجري اليوم ليس مجرد تصويت قانوني، بل إعادة صياغة لمفهوم اللاعدالة تحت الاحتلال. حين تتحول السجون إلى فضاءات الإعدام، وحين يُشرعن التمييز في النصوص القانونية، فإننا أمام واقع يُنذر بانزلاق خطير نحو تقويض كامل لكونية حقوق الإنسان. فالقانون، في جوهره، يجب أن يكون أداة لحماية الحياة، لا وسيلة لإنهائها.
الرهان الحقيقي اليوم لم يعد فقط على إلغاء القانون، بل على منظومة العدالة الدولية التي فقدت معناها مع ما نراه في وقتنا هذا. في سابقة خطيرة تفتح الباب أمام دول أخرى لتقنين انتهاكات مماثلة، تحت غطاء السيادة أو الأمن.
في النهاية، ما يحدث يطرح سؤالًا جوهريًا للجميع، هل ما زال القانون الدولي قادرًا على حماية الإنسان، أم أنه بات مجرد نصوص تُطبق انتقائيًا ؟ الإجابة على هذا السؤال لن تحدد فقط مصير الأسرى الفلسطينيين، بل مستقبل العدالة في العالم بأسره.. وإلا فنحن في عزاء للعدالة الدولية. وعظم الله أجركم جميعا.