عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    16-Jul-2026

«بابا شو يعني باليستي؟»*فراس النعسان

 الدستور

فجأة، تنبهت إلى حقيقة أن الحرب مع إيران غيّرت الكلمات التي نتداولها كل يوم، بل أضافت قاموساً جديداً إلى حياتنا، يضاف إليه القاموس الساخر الذي رافق لقطات مصورة للناس وهي تسهر على مشهد الصواريخ، وأصوات صافرات الإنذار، وتسحب بقايا صاروخ وراءها بجرأة عالية.
 
«بابا  شو يعني صاروخ باليستي؟»
 
بهذا السؤال فاجأني ابني قبل أيام. لم يكن يبحث عن معلومة لواجب مدرسي، ولم يكن يشاهد برنامجاً وثائقياً، بل كان يتابع معي نشرة الأخبار. للحظة، توقفت قبل أن أجيبه. ليس لأن شرح المصطلح صعب، بل لأنني أدركت أن الحرب لم تغيّر المشهد السياسي والعسكري فقط، بل غيّرت أيضاً الكلمات التي أصبحت تتردد في بيوتنا.
 
قبل أشهر، لم يكن معظمنا يفرّق بين الصاروخ الباليستي وصاروخ كروز، ولم تكن كلمات مثل «فرط صوتي» أو «المسيّرات» أو «الاعتراض الجوي» جزءاً من أحاديثنا اليومية. أما اليوم، فأصبحت تتكرر على ألسنة الجميع؛ من الأطفال إلى كبار السن، ومن سائق سيارة الأجرة إلى الموظف الذي يبدأ يومه بتصفح الأخبار.
 
حتى كلمة «اعتراض» تغيّر معناها. لم تعد تعني مقاطعة شخص أثناء الحديث، بل نجاح منظومة دفاع جوي في إسقاط صاروخ قبل وصوله إلى هدفه. و»الرشقة» لم تعد ترتبط بالمطر، بل بعدد الصواريخ التي تُطلق في وقت واحد. أما «خفض التصعيد»، فقد أصبح التعبير الأكثر تداولاً، وربما الأقل تحققاً.
 
واللافت أن الحرب لم تغيّر المفردات العسكرية فقط، بل أعادت تعريف المكان أيضاً. مضيق هرمز، وباب المندب، والبحر الأحمر أسماء كانت بالنسبة لكثيرين مجرد مواقع على الخريطة، فإذا بها تتحول إلى عناوين رئيسية تحدد أسعار النفط، وحركة الملاحة، ومسارات الطائرات، وحتى مزاج الأسواق.
 
قبل سنوات، كان من يتحدث عن الصواريخ الباليستية أو الدفاعات الجوية يُنظر إليه على أنه خبير عسكري أو باحث في شؤون الأمن. أما اليوم، فقد أصبحت هذه المصطلحات جزءاً من الثقافة العامة، يتداولها الناس بسهولة، وكأنها كلمات رافقتهم منذ زمن.
 
بعد أن انتهيت من شرح معنى «الباليستي» لابني، خطر لي أن لكل حرب آثارها التي لا تُقاس بعدد الصواريخ أو حجم الدمار فقط. هناك أثر آخر أقل ضجيجاً، لكنه يبقى معنا طويلاً الكلمات.
 
فالحروب لا تفرض وقائع جديدة على الأرض فحسب، بل تضيف أيضاً مفردات جديدة إلى لغتنا. بعضها يختفي بانتهاء المعارك، وبعضها يبقى لسنوات، شاهداً على مرحلة كاملة.
 
وأتمنى أن يأتي يوم يسألني فيه ابني عن معنى كلمة جديدة، لا علاقة لها بالصواريخ أو الدفاعات الجوية، بل بالسفر، أو الاكتشاف، أو السلام.