عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    28-Jun-2026

الذكاء الاصطناعي والحرب الأميركية على إيران

 الغد

ترجمة: علاء الدين أبو زينة
فيجاي براشاد - (شبكة زِد) 24/6/2026
 
 
 
 يشكل قصف المدرسة الإيرانية في ميناب تحذيرًا يتجاوز ضربة واحدة، أو شركة واحدة، أو حربًا واحدة. إنه يرسل تحذيرًا من مستقبل تتقدم فيه القوة التكنولوجية بوتيرة أسرع من المساءلة العامة.
 
 
في مدينة ميناب الواقعة في جنوب إيران، حيث تتصاعد الحرارة من الأرض في تموجات متلألئة، وحيث يظل واقع الإمبريالية حاضرًا في كل ميناء ومنشأة عسكرية، أصاب صاروخ مدرسة أطفال في الثامن والعشرين من شباط (فبراير).
وأدت الضربة إلى مقتل 156 شخصًا، بينهم 120 تلميذًا، وهو ما وصفته الحكومة الإيرانية فورًا بأنه "جريمة سافرة". ووصفت الأمم المتحدة الهجوم بأنه "انتهاك جسيم للقانون الإنساني". لكن أسماء الأطفال الذين قُتلوا لم يتم تداولها في مراكز القوة العالمية بالقوة نفسها التي حظيت بها أسماء الجنرالات وأنظمة الأسلحة والمنصات التكنولوجية.
ما يزال الإيرانيون الذين قُتلوا مجهولين إلى حد كبير بالنسبة لأولئك الذين يناقشون مستقبل الذكاء الاصطناعي، الذي تبيّن -كما اتضح لاحقًا- أن الولايات المتحدة استخدمته في هذه الضربة. وفتح مقتل هؤلاء الأطفال نافذة على واحد من الأسئلة المركزية في عصرنا: من يتحمل المسؤولية عندما تدخل الآلة في سلسلة العنف؟
ما يزال الدور الذي لعبه الذكاء الاصطناعي غير واضح. وتشير التقارير الصحفية إلى أن "نظام مافن الذكي" الذي يستخدمه الجيش الأميركي، والذي يضم أدوات للذكاء الاصطناعي من بينها نموذج "السحابة" الذي طورته شركة "أنثروبيك"، كان مشاركًا في العمليات العسكرية ضد إيران. ويواصل المحققون دراسة ما إذا كانت الأنظمة المدعومة بالذكاء الاصطناعي قد ساهمت بأي شكل في عملية اختيار الأهداف. وما تزال الأدلة المتاحة غير مكتملة.
لكن ما يلفت الانتباه هو أن قادة صناعة الذكاء الاصطناعي لم يعودوا يقفون خارج آلة الحرب، وإنما أصبحوا جزءًا منها. وعندما سُئل داريو أمودي، الرئيس التنفيذي لشركة "أنثروبيك"، عن هذه الضربة، قال إنه "لا يعرف على وجه التحديد" كيف تم استخدام نموذج "السحابة" فيها، واصفًا ما حدث بأنه "أخطاء" كانت "فظيعة جدًا؛ فظيعة للغاية".
مع ذلك، شدد أمودي على أن قصف المدرسة كان "حالة استخدام لا تنتهك حتى خطوطنا الحمراء". وبرر ذلك بأن القرار النهائي بقصف المدرسة اتخذه في النهاية مقاتل بشري.
يستحق جواب أمودي تأملًا دقيقًا. على مدى عقود، طوّر مهندسو القوة التكنولوجية لغة توزّع المسؤولية على نطاق واسع إلى درجة تمييعها بالكامل: المهندس يبني الأداة؛ والمتعهد يدمج النظام؛ والمحلل العسكري يراجع المخرجات؛ والضابط يجيز الضربة؛ والسياسي يوافق على الحرب.
والنتيجة هي سلسلة يشارك فيها الجميع، ولا يُحاسب فيها أحد. وتنتمي عبارة "الإنسان داخل الحلقة" تمامًا إلى هذا التقليد.
بطبيعة الحال، يبقى البشر هم الذين يتخذون القرارات النهائية. لكن البشر أيضًا هم الذين اتخذوا القرارات النهائية خلال الحروب الاستعمارية الغربية التي دمّرت آسيا وأفريقيا. وهم الذين اتخذوا القرارات النهائية عندما قصفت الولايات المتحدة القرى في فيتنام.
وكان البشر أيضًا هم الذين اتخذوا القرارات النهائية خلال الغزو الأميركي غير القانوني للعراق.
ويبدو أن وجود توقيع بشري في نهاية عملية ما لا يخبرنا بالكثير عن بنية القوة التي أفضت إلى تلك النتيجة.
السؤال الأهم هو: ما الدور الذي يؤديه الذكاء الاصطناعي في تشكيل فضاء القرارات المتاحة لأولئك البشر؟ ليست الأنظمة العسكرية الحديثة مجرد آلات حسابية. إنها عمليات تنظم المعلومات، وترتب الاحتمالات بحسب الأولوية، وتحدد الأنماط، وتنتج التوصيات، وتوجّه الانتباه. وهي تؤثر في ما يراه القادة العسكريون وما لا يرونه.
وحتى عندما يحتفظ الإنسان بسلطة القرار الشكلية، فإن البنية الإدراكية التي تشكل رؤيته للعالم قد تكون صيغت مسبقًا بواسطة الآلات. ولهذا السبب لا يمكن أن تنتهي المناقشة عند العبارة القائلة: "هناك إنسان هو الذي اتخذ القرار النهائي".
جاءت جريمة ميناب في لحظة أصبحت فيها شركات التكنولوجيا تقدم نفسها بصورة متزايدة على أنها حارسة للحدود الأخلاقية. وقد حرصت شركة "أنثروبيك، على وجه الخصوص"، على بناء صورة لنفسها باعتبارها شركة متحفظة وحذرة (وهو ما يتجلى في "دستور السحابة"). وقد تحدثت كثيرًا عن السلامة، والمواءمة، والقيود الأخلاقية. وسعت إلى تمييز نفسها عن الرؤى الأكثر اندفاعًا في نشر التكنولوجيا واستخدامها.
لكن ما يحدث هو أن كل مؤسسة تكشف عن حقيقتها في نهاية المطاف -ليس من خلال المبادئ التي تعلنها، بل من خلال المواقف التي تُختبر فيها تلك المبادئ. وتمثل وفاة الأطفال في مدرسة إحدى هذه اللحظات الفاصلة. إذا كانت شركة ما عاجزة عن تحديد الكيفية التي يتم بها استخدام تقنيتها في عملية عسكرية، فما معنى الحديث عن الرقابة والإشراف إذن؟
إذا كان المسؤولون التنفيذيون يفتقرون إلى رؤية واضحة لكيفية نشر التكنولوجيا واستخدامها، فإن الادعاءات المتعلقة بإجراءات الحماية تصبح صعبة التقييم. وإذا كان نظام ما يساهم في عمليات عسكرية تؤدي نتائجها إلى سقوط أعداد كبيرة من المدنيين، فهل يمكن حصر المسؤولية في الشخص البشري الذي اتخذ القرار النهائي فقط؟
ليست هذه أسئلة تخص شركة أنثروبيك وحدها. إنها موجهة إلى التحالف الناشئ بأسره بين "وادي السيليكون" ودولة الأمن القومي الأميركية.
على امتداد التاريخ، أدت فترات التحول التقني الكبرى إلى نشوء شراكات جديدة بين رأس المال والقوة العسكرية. وقد سارت السكك الحديدية، والتلغراف، والطيران، والفيزياء النووية، والشبكات الرقمية جميعها في هذا المسار.
والآن يسير الذكاء الاصطناعي على الطريق نفسه. وفي حين يبذل أنصاره الوعود بالتزام الدقة والكفاءة وتقليل الأخطاء، فإن كل جيل سابق تلقى وعودًا مشابهة.
كان القرن العشرين حافلًا بالادعاءات عن أن التقنيات الجديدة ستجعل الحروب أنظف، وأكثر عقلانية وأوفر إنسانية. لكنّ السجل التاريخي لا يقدم الكثير مما يدعم هذا التفاؤل. في كثير من الأحيان، كانت التكنولوجيا توسع نطاق العنف وتسرّع وتيرته -حتى بينما تعِد بالحد منه.
لم يواجه أطفال ميناب الذكاء الاصطناعي كنقاش فلسفي. لقد واجهوه باعتباره جزءًا من منظومة عسكرية تجلت نتائجها في صورة قوة تدميرية متفجرة. أما إذا كان نموذج "السحابة" قد لعب دورًا كبيرًا أو محدودًا -أو لم يلعب أي دور على الإطلاق- في عملية اختيار الأهداف، فما يزال شيئًا لم يتحدد بعد.
على المحققين أن يثبتوا الوقائع. وعلى الصحفيين أن يواصلوا طرح الأسئلة الصعبة. وعلى المواطنين أن يطالبوا بالشفافية. لكن هذه الحادثة تكشف، حتى قبل أن تتضح جميع الحقائق، أمرًا مهمًا بشأن اللحظة السياسية التي نعيشها.
لم يعد السؤال يتعلق بما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيجري دمجه في الحروب أم لا. لقد بدأ هذا الاندماج مسبقًا. وأصبح السؤال الحقيقي يتعلق بما إذا كانت المجتمعات ستسمح بأن تصبح قرارات الحياة والموت خاضعة بصورة متزايدة لأنظمة يعجز حتى مبتكروها عن مراقبتها أو تفسيرها أو التحكم بها بشكل كامل.
تقف المدرسة في ميناب لتكون تحذيرًا -ليس من ضربة واحدة، أو شركة واحدة، أو حرب واحدة فحسب، وإنما من مستقبل تتقدم فيه القوة التكنولوجية بسرعة تفوق تطور آليات المساءلة العامة.
وفي ذلك المستقبل، تتقلص المسافة بين المهندس وساحة المعركة أكثر فأكثر بفضل الذكاء الاصطناعي والطائرات المسيّرة، حتى بينما تصبح المسؤولية أكثر صعوبة على التحديد بين البشر الذين يرسلون الآلات لتقتل نيابة عنهم.
 
*فيجاي براشاد Vijay Prashad: مؤرخ ومحرر وصحفي هندي. وهو زميل كتابة وكبير المراسلين في "غلوب تروتر"، ومحرر كتب لـ"ليفت وورد" ومدير "ثلاثي القارات: معهد البحوث الاجتماعية‏". وهو زميل أول غير مقيم في‏‏ "معهد تشونغيانغ للدراسات المالية"‏‏ ‏‏بجامعة رينمين الصينية. كتب أكثر من 20 كتابا، منها "‏‏الأمم الأكثر سُمرة والأمم الأكثر فقرًا". وأحدثها هي ‏"‏النضال يجعلنا بشرًا: التعلم من الحركات من أجل الاشتراكية"؛ ومع نعوم تشومسكي، "‏‏الانسحاب: العراق وليبيا وأفغانستان وهشاشة القوة الأميركية".‏
 
*نشر هذا المقال تحت عنوان: AI & the US War on Iran