عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    26-Feb-2026

رمضان واختبار الشراكة.. كيف ينجح الأزواج في تقاسم المسؤوليات؟

 الغد- ربى الرياحي

 رمضان مرآة دقيقة تظهر شكل الشراكة داخل البيت. في هذا الشهر يتغير نمط الحياة تماما، فالمواعيد تختلف والجهد يتضاعف والاحتياجات تتداخل.
 
 
 وهنا يبرز السؤال الأهم: هل نحن في هذا الزواج معا؟ من حيث المشاركة، يكشف رمضان طبيعة القرب بين الزوجين. المشاركة لا تعني فقط أن يجلسا على مائدة واحدة عند الإفطار، بل أن يتقاسما الطريق إليها، أن يكون إعداد الطعام مسؤولية مشتركة أو على الأقل محل تقدير متبادل، أن يتحول التعب إلى حوار لا إلى عتب صامت، أن يسأل أحدهما الآخر: كيف أساعدك؟ قبل أن يسأل: ماذا أعددت؟ أو لماذا تأخرت؟ المشاركة جزء أساسي في العلاقة، أن يختار الزوجان اللين بدل الحدة والتفهم بدل التذمر، وأن يدركا أن الصيام ليس فقط امتناعا عن الطعام بل تدريب على ضبط ردود الفعل، فإذا كان أحدهما مُرهقا بادر الآخر إلى الاحتواء، وإذا قصَّر أحدهما أسرع الثاني إلى سد النقص لا اللوم.
مسؤولية تُقاس بمدى الحضور الحقيقي
 أما المسؤولية، فتقاس بمدى الحضور الحقيقي في تفاصيل البيت، أن يتحمل كل طرف نصيبه من العبء لا بوصفه واجبا ثقيلا بل أمانة مشتركة.
 في هذا الشهر تتعاظم مسؤولية الجوانب الروحانية داخل البيت عبر إقامة صلاة الجماعة في البيت أو اقتراح صدقة مشتركة، فالعبادة ليست فردية فحسب وإنما مناخ إيماني يظل أثره بعد انقضاء الشهر.
 يعمل سامر حتى الثالثة عصرا بينما تعمل زوجته سارة بدوام جزئي من المنزل. اتفقا منذ بداية رمضان على جدول بسيط: هو يتولى شراء مستلزمات الإفطار وترتيب المائدة، وهي تحضر الوجبة الرئيسة، بالإضافة إلى تقاسمهما تنظيف المطبخ بعد الإفطار.
 تقول سارة: أشعر أن وجودنا معا في كل التفاصيل يزيد من قدرتنا على التحمل، فالمشاركة تمنح العلاقة قوة وتوازنا، فـرمضان لا يضيف مسؤوليات جديدة بقدر ما يكشف طريقة إدارتها. إن كانت العلاقة قائمة على التكامل، يكون الشهر بمثابة فرصة ذهبية لتجديد العهد، وإن كانت المشاركة مختلة، فحتما ستكون العلاقة مضطربة وهشة وتسقط عند أول اختبار.
 توزيع الأدوار بمشاركة الأبناء
ويعيش سامي ورنا روحانيات الشهر بتقدير كل طرف لتعب الآخر، حيث يحرصان معا على توزيع الأدوار بمشاركة أبنائهما بكل وضوح، فالأب يقطع الخضار ويعد الشوربة أحيانا، والأم تطهو الطعام وتشرف على توجيه الجميع بحب. أما الأبناء فيتولون تنسيق المائدة وتوزيع الصحون.
 وبيّن سامي أن تعاملهما بهذه الطريقة وتقاسمهما للمهام ناتج عن تقديسهما لفكرة المشاركة وتمتعهما بروح المسؤولية، وبالتالي ما نريده من أبنائنا هو أن يفهموا أن البيت مسؤولية الجميع لا عِبْئا على شخص واحد.
بدورها، ترى خبيرة علم الاجتماع فاديا إبراهيم أن رمضان يظهر كمرحلة تُختبَر فيها قدرة الزوجين على إدارة الضغوط دون تفكيك العلاقة، فالصيام لا يُهذِّب الجسد فقط، بل يُفترض أن يهذِّب السلوك والانفعال، ما يمنح العلاقة الزوجية فرصة لإعادة ضبط أنماط الحوار، وخفض حدة التوتر، والانتقال من الصراع الانفعالي إلى النقاش العقلاني.
 غير أن هذا الأثر لا يتحقق تلقائيا بل يرتبط بوجود ثقافة حوار أصلا داخل العلاقة، حيث يكون الصيام محفزا.
 في السياق الاجتماعي العربي، ما تزال الزوجة في كثير من البيوت تتحمل العبء الأكبر من المسؤوليات المنزلية في رمضان، وهو واقع لا يمكن فهمه فرديا، بل ضمن بنية ثقافية تقوم على التوزيع التقليدي للأدوار، حيث يُنظَر إلى العمل المنزلي كامتداد طبيعي لدور المرأة، لا كعمل يستحق التقاسم والاعتراف.
 إلا أن العلاقات الزوجية الناضجة تُحوِّل رمضان إلى فرصة لإعادة تعريف المسؤولية، بحيث تتحول من مساعدة الزوجة إلى شراكة زوجية، ومن تعاون ظرفي إلى نظام دائم، وفق إبراهيم.
القرار المشترك داخل الأسرة
وتبين أن الزيارات العائلية والعزائم الرمضانية تشكل اختبارا دقيقا لمفهوم القرار المشترك داخل الأسرة. فتنظيمها لا يتعلق بالضيافة فقط، بل يكشف أنماط السلطة داخل العلاقة: من يقرّر، من يضع الأولويات، من يتحمّل الجهد.
 العلاقات الصحية تُدار بمنطق التفاهم والتوافق، بينما العلاقات المختلّة تُدار بمنطق الإملاء أو التضحية الصامتة.
في المقابل تتيح الأجواء الروحانية في رمضان فرصة استثنائية لتحويل الطقوس الدينية إلى مساحات دعم عاطفي، حيث تتحول الصلاة المشتركة، والدعاء، والإفطار، والسحور إلى طقوس ترابط نفسي تعزز الأمان والانتماء والشعور بالشراكة، إذا ما مُورست بروح جماعية لا فردانية، وفق ما تقوله إبراهيم.
وعندما تتصاعد الضغوط اليومية من تعب، وعمل، وتحضيرات، ومسؤوليات، يظهر الجوهر الحقيقي للعلاقة الزوجية، خصوصا عندما يتحول الزوجان إلى فريق واحد في مواجهة الضغط، ما يعني علاقة ناضجة قائمة على الذكاء العاطفي والمسؤولية المشتركة، أو يتحولان إلى طرفين يتبادلان اللوم، الأمر الذي يعني هشاشة في البنية العاطفية والحوارية.
وتنوه إبراهيم إلى أن رمضان اختبار اجتماعي عميق للعلاقة الزوجية، يكشف إن كانت الأسرة قائمة على الشراكة أم على الاستنزاف، وعلى التعاون أم على السيطرة، وعلى الدعم المتبادل أم على التضحية الصامتة.
 إنه شهر يُظهر إن كانت العلاقة الزوجية عقد حياة قائما على التوازن والعدالة، أم مجرد توزيع أدوار غير متكافئ تُعاد إنتاجه تحت غطاء القيم والعادات.
رمضان مساحة كاشفة لعمق العلاقة الزوجية
وترى الاستشارية النفسية الأسرية والتربوية حنين البطوش أن رمضان مساحة كاشفة تُظهر عمق العلاقة الزوجية وحقيقتها بعيدا عن المجاملات اليومية، فيه تتبدّل العادات، وتختلف ساعات النوم والعمل، وتتضاعف الالتزامات، فتطفو على السطح أنماط التعامل، ودرجة الصبر، ومستوى التعاون الحقيقي بين الزوجين، فهنا لا تُختبر العلاقة بالكلام، بل بالفعل، لا بالشعارات، بل بطريقة إدارة التعب والاختلاف.
ومع إعادة ترتيب أولويات اليوم والليلة في رمضان، يصبح البيت ميدانا عمليا لقياس النضج الانفعالي، والقدرة على المشاركة العادلة، ومرونة توزيع الأدوار، وحسن الظن بين الطرفين، بحسب البطوش.
 ومن زاوية نفسية وتربوية ودينية، يمكن النظر إلى رمضان كفرصة لإعادة بناء المعنى داخل العلاقة، حيث تهذيب للسلوك قبل الجسد، ومراجعة للنيات قبل المهام، وإعادة صياغة للشراكة بروحٍ أكثر وعيا ورحمة واتزانا.
وكما تقول البطوش، فإن المعنى الإيماني للصيام عبادة تُهذّب السلوك قبل أن تُرهق الجسد، وتدرّب الإنسان على التحكم في ردوده لا الاستسلام لها، حيث يتجلى الفرق بين من يعيش الصيام كحالة حرمان مؤقت، ومن يعيشه كمساحة تدريب يومي على الحلم والصبر وضبط النفس.
روح الفريق الواحد داخل البيت
كاستشارية نفسية وأسرية وتربوية، ترى أن رمضان يكشف مستوى الوعي الانفعالي داخل العلاقة الزوجية، فالشريك الناضج لا يُبرّر حدّته بالتعب، بل يعترف بتأثره ويختار أسلوبا أكثر هدوءا في التعبير عن احتياجه، والقدرة على قول: "أنا مرهق وأحتاج لبعض الوقت" بدل الانفجار، هي مؤشر قوة نفسية، لا ضعف، فهذا النوع من الوعي يحمي العلاقة من تصعيد لحظي قد يترك أثرا طويل الأمد.
وتشير البطوش إلى أنه في رمضان تتسع دائرة المسؤوليات بشكل ملحوظ؛ فالمطبخ يأخذ وقتا أطول، وترتيب المواعيد يختلف، واحتياجات الأطفال تتضاعف، إلى جانب الزيارات والعزائم، حيث أمام هذا الضغط المتزايد تتضح معالم العلاقة بشكل أعمق، ويبرز سؤال عميق داخل كل بيت: هل نتحرك بروح الفريق الواحد؟ أم أن الحمل يميل إلى طرف دون آخر؟
من المنظور النفسي، السلوك الاتكالي لا يولد فجأة، بل غالبا ما يكون امتدادا لأنماط تنشئة رسّخت أدوارا جامدة وغير متوازنة، أما الشراكة الناضجة فتنطلق من وعي داخلي بأن الأسرة مسؤولية مشتركة، وأن الانتماء الحقيقي يظهر في المساندة العملية لا في الكلمات فقط.
وضوح الاحتياج بالعلاقات الناضجة 
تربويا تؤكد البطوش أن الصورة التي يراها الأبناء يوميا هي المنهج الأقوى تأثيرا في تشكيل وعيهم عن الزواج، فعندما يشاهدون تعاونا حقيقيا، واحتراما متبادلا، وتقديرا واضحا للجهد، فإنهم يتعلمون معنى العدالة العاطفية وتكامل الأدوار، أما إذا غاب هذا المشهد، فقد تتشكل لديهم تصورات مشوهة عن العلاقة الزوجية يصعب تعديلها لاحقا، وحين يشاهدون الأب حاضرا في التفاصيل، والأم مُقدَّرا جهدها وعطاءها، تتشكل في وعيهم صورة متوازنة عن الزواج قوامها التكامل لا الاستنزاف. 
وترى الباحثون أن العلاقات الناضجة لا تقوم على الافتراض أو قراءة الأفكار، بل على وضوح الاحتياج وصراحة التعبير.
 فالإفصاح الهادئ عن التعب، وطلب المساندة دون اتهام، مهارة عاطفية أساسية تحمي العلاقة من تراكمات صامتة قد تتحول لاحقا إلى فجوات عميقة.
ولتعزيز الشراكة الحقيقية بين الزوجين في رمضان، لا بد من الانتقال من العفوية إلى الوعي المنظم عبر محاور عملية واضحة، يبدأ ذلك بالنية المشتركة؛ أي أن يجلس الزوجان منذ بداية الشهر ليتفقا على رؤية واضحة: كيف نريد أن نعيش رمضان كأسرة؟ ما أولوياتنا الروحية؟ وكيف نوازن بين العبادة والمسؤوليات؟ هذه المصارحة المبكرة تمنع تضارب التوقعات لاحقا، ويلي ذلك محور توزيع المسؤوليات بمرونة.
 الامتنان اليومي ضرورة عاطفية
ذلك يساهم، وفق البطوش، في إعادة ترتيب الأدوار وفق ظروف العمل ومستوى الطاقة، بعيدا عن الجمود أو الافتراضات المسبقة، ومع ضغط الأيام، يصبح الامتنان اليومي ضرورة عاطفية؛ دقيقة صادقة بعد الإفطار لتبادل الشكر تعيد شحن العلاقة وتُشعر كل طرف بقيمته، كما أن العناية الذاتية ليست رفاهية، بل وقاية نفسية؛ فمنح كل طرف وقتا قصيرا للراحة أو العبادة الفردية يحمي من الاحتراق الانفعالي، وعلى الصعيد التربوي، يأتي محور التربية بالقدوة عبر إشراك الأبناء في مشهد التعاون، ليكبروا وهم يرون الزواج شراكة تكامل لا ساحة أعباء. 
رمضان ليس اختبارا لإجهاد العلاقة، بل فرصة لتهذيبها، فهو مساحة لإعادة تعريف الشراكة، وتجديد الامتنان، وتعلم ضبط الانفعال، وبناء معنى روحي مشترك.
وأشار البطوش إلى أن العلاقة التي تنجح في رمضان غالبا لا تخلو من التعب، لكنها تمتلك مهارات مثل: الاعتراف، الشكر، الحوار، والتعاون.
 وربما السؤال الأهم ليس: هل صمنا عن الطعام؟ بل: هل صمنا عن التقليل من بعضنا؟ هل تهذب لساننا كما تهذب سلوكنا؟