الغد
يُلاحظ في هذه الأيام أن عملية تكوين الرأي أو إصدار الحُكم، حول حدث سياسي أو وضع اقتصادي أو قضية اجتماعية، باتت لا تُبنى على معرفة كاملة، إنما على جُزء من المعلومة، أو مقطع فيديو مُقتطع من سياقه، أو عنوان مُثير، أو تصريح مُجتزأ لا يعكس الحقيقة بأبعادها كافة. ونستطيع إطلاق مُصطلح “نصف الفهم” على مثل هذه الظاهرة إن جاز التعبير.
فمثلًا، قد يُشاهد شخص مقطع فيديو قصيرًا، أو يقرأ عنوانًا مُثيرًا دون الاطلاع على التفاصيل، ثم يبني على هذا المقطع أو ذاك العنوان موقفه، ما يؤدي في نهاية الأمر إلى انتشار قناعات، تُصبح راسخة فيما بعد، على الرغم من افتقارها إلى المعلومات الكافية.
ويا ليت الموضوع يكمن فقط في نقص المعرفة أو حتى المعلومة، بل إن ذلك قد يدفع الكثيرين إلى التصرف وكأن الموضوع اكتمل تمامًا لديهم، وأنهم ألموا به من جميع جوانبه، الأمر الذي يجعلهم يتبنون مواقف نهائية قبل التحقق من جميع المُعطيات، أو الاستماع إلى مُختلف وجهات النظر، خصوصًا إذا ما علمنا بأن “علم النفس” يُقر بأن الشخص يرتبط نفسيًا بحكمه السابق بشأن قضية ما، وبالتالي يتجاهل أي معلومات جديدة.
المُشكلة الأخطر تتمثل بأن ذلك الشخص يُدافع عن حُكمه أو موقفه على اعتبار أنها مُسلّمات وحقيقة ثابتة لا تقبل النقاش، ما يُحدث انقسامًا أو شرخًا في العلاقات، على الرغم من أن القضية محط النقاش غير مُكتملة المعلومات. هُنا تتجلى خطورة “نصف الفهم” في تحويل النقاش إلى ساحة استقطاب أعمى، وهذا ما يُعرفه علم النفس بـ”تأثير دانينغ - كروجر”، والذي يوضح أن الشخص الذي يمتلك معرفة ضئيلة بموضوع ما، يكون أكثر تصلبًا في رأيه، ويتجاهل أي معلومات جديدة.
الأخطر، هو عندما يتم نقل كلمة مُجتزأة لمسؤول، ما قد يُشعل أزمة دبلوماسية أو اضطرابًا داخليًا، بينما تسريب معلومة اقتصادية قد يقود إلى قرارات استثمارية خاطئة، يخسر معها الوطن والمواطن. أما اجتماعيًا فالآثار السلبية أكثر قتامة، فقد يصل الأمر إلى تدمير مؤسسات جراء مقطع فيديو اقتُطع من سياقه، عن تعمد وترصد.
كُل ذلك يفرض على الجميع ضرورة التعامل بشكل واعٍ مع الأحداث أو القضايا قبل اتخاذ أي موقف أو إصدار أي حُكم، ولا يكون ذلك إلا من خلال البحث عن معلومات أكثر من مصادر موثوقة، والتيقُن بأن الحُكم المُسبق المبني على معلومات شحيحة قابل للتغيير بناء على ما استجد من معلومات. وعكس ذلك قد يتحول المُجتمع إلى أداة بيد صانع إثارة أو مُضلل.
مرة ثانية أؤكد أن الأحكام حول قضية مُعينة أو أزمة ما أو حدث، أكان اقتصاديًا أم سياسيًا أم اجتماعيًا، يجب أن تُبنى على معرفة كاملة، لا جُزء منها، فالمُجتمع الواعي لا يتغذى على قشور، وبالتالي يُصبح التوازن والتريث هما خط الدفاع الأول عن الشخص وحمايته من التلاعب به أو خوضه معركة بُنيت على معلومة منقوصة أو مُجتزأة.