الغد-عزيزة علي
تناولت محاضرة "العرب والاستشراق في فكر إدوارد سعيد"، التي ألقاها الدكتور كمال ميرزا ضمن ملتقى "الثلاثاء الثقافي للجمعية الفلسفية الأردنية"، العلاقة بين العرب والاستشراق من منظور نقدي يستند إلى أطروحات المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد، ولا سيما ما يتصل بعلاقة القوة التي ساهمت في تشكيل صورة الشرق وإعادة إنتاجها في الخطاب الغربي.
وسلطت المحاضرة التي أُقيمت أول من أمس، في مقر الجمعية، الضوء على تطور الاستشراق عبر مراحله التاريخية المختلفة، في مقابل تحولات الموقف العربي منه، بدءًا من مرحلة ما قبل الاستشراق، مرورًا بمرحلة الاشتباك المعرفي مع الممارسة الاستشراقية الغربية، وصولًا إلى مرحلة "ما بعد الاستشراق"، التي ارتبطت، وفق طرح ميرزا، بإعادة تعريف الذات العربية في ضوء النموذج الذي فرضه "الآخر الغربي".
وناقشت المحاضرة التي أدارتها رئيسة الجمعية الدكتورة لينا الجزراوي، العوامل التي ساهمت في استمرار عملية "شرقنة"، الذات، وفي مقدمتها النظام التعليمي وما ينتجه من نخب متغربة، إلى جانب تنامي الثقافة الاستهلاكية التي لم تقتصر على المنتجات الغربية، بل امتدت إلى الأفكار والعقائد.
واعتبر ميرزا أن الاستشراق المعاصر تحول، في ظل العولمة والتطور التكنولوجي، إلى ظاهرة اتصالية يعاد إنتاج مقولاتها وتمثلاتها عبر الفضاء التواصلي.
في بداية المحاضرة توقف ميرزا، عند كيفية تعاطي العرب مع "الآخر الغربي"، والعوامل التاريخية والفكرية التي ساهمت في جعل الشرق والمسلمين والعرب موضوعًا لـ"الشرقنة"، وفق المفهوم الذي طرحه المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد. مستعرضا موقف العرب من "الاستشراق"، وكيفية تعاطيهم معه، كما مارسه "الآخر الغربي"، عبر المراحل التاريخية المختلفة لتشكّل هذه الظاهرة، مستندًا إلى ما بيّنه إدوارد سعيد في دراسته النقدية للاستشراق.
وانطلق ميرزا في محاضرته من فكرة أساسية مفادها، بأن مفهوم القوة أو السلطة (Power) مفهوم "علائقي"، أي إنه يقوم على علاقة متبادلة بين طرفين، مستندًا إلى طروحات الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو، التي استفاد منها إدوارد سعيد في دراسته وتحليله لظاهرة الاستشراق.
وبحسب إدوارد سعيد، مرّ الاستشراق، كما مارسه "الآخر الغربي"، بثلاث مراحل تاريخية: الأولى هي المرحلة التقليدية أو "الكلاسيكية"، أو ما يُعرف بالاستشراق القديم، وتمثلت في تراكم نصوص أدبية الطابع، في الغالب، عن الشرق؛ والثانية مرحلة "الاستشراق المؤسسي"، "الدراسة المتفقهة"، للشرق، التي ارتبطت بالمشروع الاستعماري الغربي، ولا سيما الفرنسي والبريطاني؛ والثالثة مرحلة الاستشراق الحديث أو المعاصر أو الجديد، وهي مرحلة الاستشراق الجامعي/الأميركي، وقد كتب سعيد كتابه "الاستشراق"، العام 1978.
ورأى ميرزا، أنه يقابل هذه المراحل، من جهة العرب وتعاطيهم مع ظاهرة "الاستشراق"، ثلاث مراحل، تتمثل الأولى في مرحلة ما قبل الاستشراق، حين لم يكن الاستشراق ذا دلالة أو أولوية بالنسبة إلى العرب، سواء قبل الإسلام أو بعد بزوغ الحضارة العربية الإسلامية واتساعها.
أما المرحلة الثانية، فهي مرحلة "الاستشراق"، وتمثل مرحلة الاشتباك المعرفي مع الممارسة الاستشراقية الغربية، ومعاينة الذات في ضوء الصورة المصطنعة التي أنشأها "الآخر الغربي"، عن الشرق، انطلاقًا من موقعه بوصفه حضارة ومشروعًا استعماريًا مهيمنًا.
أما المرحلة الثالثة، فهي مرحلة "ما بعد الاستشراق"، أي حسم هذه المعاينة لصالح النموذج الاستشراقي الغربي، والشروع في إعادة تعريف الذات وفق شروط هذا "الآخر الغربي".
وأشار المحاضر إلى أن إدوارد سعيد، يرى أن هناك عاملين أساسيين ساهما، وما يزالان، في مشاركة الشرق والعرب والمسلمين في "شرقنة أنفسهم"، أولهما: النظام التعليمي وما يفرزه من نخب أو "إنتلجنسيا"، متغربة "تجلس عند أقدام الاستشراق الغربي"، وثانيهما: تفشي النزعة أو الثقافة الاستهلاكية في العالم العربي، التي تتجاوز مجرد استهلاك المنتجات المصنّعة غربيًا إلى استهلاك العقائد والأفكار.
ورأى ميرزا، أن الاستشراق في شكله الحالي، أي منذ أن كتب إدوارد سعيد كتابه "الاستشراق"، وحتى الآن، ومع الولوج المتزايد فيما يُسمى "طور العولمة"، أصبح "ظاهرة اتصالية"، في المقام الأول، تمارس تمثلاتها وتُعاد إنتاج مقولاتها وتنميطاتها من خلال "الفضاء التواصلي"، أو "العالم التكنولوجي ما بعد الحديث"، كما أسماه إدوارد سعيد في حينه.
وخلص ميرزا، إلى أنه ثمة عاملًا أساسيًا ومهمًا في علاقة العرب بالاستشراق وموقفهم منه وتعاطيهم معه، أشار إليه إدوارد سعيد في كتابه، من دون أن يُسهب في شرحه وتحليله، وهو "قابلية الشرق لأن يُشرقَن"، في مقابل "استعصاء الغرب"، في ممارسته الاستشراقية وتمسّكه المتزمّت بـ"موقفه النصّي"، إزاء الشرق.
ويُذكر أن المحاضرة جاءت بمناسبة فوز ميرزا بجائزة "الفكر التنويري ونقد الفكر الاستشراقي- إدوارد سعيد"، ضمن الدورة الثالثة عشرة (2025-2026) من "جوائز فلسطين الثقافية"، التي تمنحها "جمعية فلسطين الدولية".
وحصل ميرزا على الجائزة عن بحثه "فيما يتجاوز السياسة: الاستشراق والصهيونية والطوفان"، فيما يعكف حاليًا على إعداد نسخة موسعة من البحث لنشرها في كتاب. وتقاسم الجائزة معه الباحث الجزائري الدكتور نور الدين جويني، عن كتابه "حضور إدوارد سعيد في الخطاب النقدي العربي المعاصر.