عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    06-Aug-2026

الديمقراطيون على وشك تسليم ترامب مفتاح الفرج

 الغد

جون سوبيل* - (الإندبندنت) 2026/8/1
 
بينما يواصل بيرني ساندرز استمالة قلوب الناخبين ويسير شبان طموحون على خطاه، فإن تنامي نفوذ الجناح التقدمي داخل الحزب الديمقراطي وتبني مرشحين وسياسات أكثر يسارية قد يمنح دونالد ترامب والجمهوريين فرصة ثمينة لاستعادة الناخبين المتأرجحين، وتحويل انتخابات الكونغرس إلى مواجهة أيديولوجية حادة، في وقت لا يبدو فيه الأميركيون العاديون منبهرين بهذا التوجه أو بالوضع القائم.
 
 
قبل 10 أعوام بالضبط، اجتمع الديمقراطيون في فيلادلفيا لإعلان هيلاري كلينتون مرشحتهم للانتخابات الرئاسية للعام 2016. وكانت كلينتون قد تمكنت أخيراً وبعد مشقة من إقصاء منافسها بيرني ساندرز، السيناتور عن ولاية فيرمونت الذي يعرف عن نفسه بأنه اشتراكي ديمقراطي.
قبل ترشحه، لم يكن الرجل معروفاً خارج ولايته. كان شخصية متمردة بعض الشيء. وكان حديثه أقرب إلى الصياح منه إلى الكلام. كما كان رجلاً عبوساً مواقفه السياسية أكثر يسارية بكثير من الموقف التقليدي للحزب الديمقراطي. وعلى المستوى النظري، كان من المفترض أن يكون مرشحاً غير واقعي ولا أمل له، لكن المنافسة بينه وبين كلينتون كانت متقاربة للغاية، وولدت محاولات تشويه سمعته كثيراً من الضغينة.
في ذلك الأسبوع، التقيت في فيلادلفيا بمندوبين انتخابيين قالوا إنهم يفضلون التصويت لدونالد ترامب على التصويت لهيلاري كلينتون. لكن عالم السياسة غريب الأطوار وتلتقي فيه الأضداد. ففي كثير من القضايا، مثل الرسوم الجمركية وحماية الوظائف الأميركية والقومية الاقتصادية، لم يختلف ترامب كثيراً عن ساندرز.
كانت تلك الظاهرة حقيقية. وقد جاب ساندرز جميع أنحاء البلاد، واستقطبت تجمعاته الانتخابية حشوداً ضخمة جلها من الشباب. لكن ساندرز كان، في واقع الأمر، يغرد وحده. ولم تكن تحيط به أي حركة اشتراكية ديمقراطية تقدمية. كان ساندرز بمفرده.
وكما قاد ترامب الجمهوريين إلى الشعبوية اليمينية، قاد ساندرز الديمقراطيين إلى الشعبوية اليسارية، إلى أرض "ماغا" الزرقاء. وقد التقيت بامرأة في فيلادلفيا كانت تحمل لافتة كُتب عليها أنها منحت صوتها لهيلاري، لكن بيرني خطف قلبها.
واليوم، يبدو أن سياسة "بيرني" التقدمية قد استمالت تدريجياً قلوب ملايين آخرين. وعلى الرغم من أن بيرني ساندرز لم يعد يتمتع بقوته السابقة -يبلغ من العمر الآن 84 سنة- فإن مجموعة من السياسيين المشهورين الذين يشغلون مناصب بارزة تدافع الآن عن هذه الرؤية الأكثر يسارية للعالم.
ولعل أبرزهم رئيس بلدية نيويورك، زهران ممداني، الذي أنعش فوزه الجناح التقدمي في الحزب. وقد طالب حديثاً باعتقال بنيامين نتنياهو بتهمة ارتكاب جرائم حرب إذا ما وطأت قدماه نيويورك في أيلول (سبتمبر) لحضور جلسات "الجمعية العامة للأمم المتحدة" -وهو ما رفضه دونالد ترامب رفضاً قاطعاً.
ما يلفت النظر في الحزب الديمقراطي هو تراجع الدعم لإسرائيل في أعقاب أحداث السابع من تشرين الأول (أكتوبر) المأساوية. ويدعو البعض إلى حظر بيع الأسلحة للدولة اليهودية. وهو تحول جوهري بالتأكيد.
قد لا تبدو بعض المقترحات السياسية الأخرى متطرفة بالنسبة للجمهور الأوروبي. فالطبابة المجانية في مراكز الخدمات الصحية تشكل أساس النظام الصحي البريطاني منذ العام 1948، لكنها غالباً ما تعتبر أقرب إلى الشيوعية في الولايات المتحدة. أما تجميد الإيجارات -الذي يدعو إليه ممداني- فيعتبره اليمين تدخلاً فادحاً في سير السوق الحرة، لكنه نجح في جعل هذه الفكرة تكتسب شعبية.
لكن المشكلة هي أنه في حين أن هذا النوع من السياسات التي يدعو إليها ممداني في نيويورك قد تحظى بقبول لدى الناخبين الأكثر ليبرالية من خريجي الجامعات، كيف ستكون ردة الفعل تجاه هذه السياسات في تلك الولايات المتأرجحة التي تُحسم فيها الانتخابات، مثل ميشيغان وبنسلفانيا وويسكينسن وجورجيا وأريزونا؟
في الوقت نفسه، شهدت الفترة الأخيرة مساعي للبحث عن مرشحين يختلفون عن الصورة النمطية لخريجي الجامعات المرموقة من ذوي الملامح القوية والتقليدية والمظهر الأنيق.
في ولاية ماين، إحدى الأهداف الرئيسة للحزب الديمقراطي في السباق على مقاعد مجلس الشيوخ، اختار الديمقراطيون مرشحاً تقدمياً كان صياد محار سابقاً، يدعى غراهام بلاتنر. ولم يكن من الوجوه التقليدية في المؤسسة الحزبية. وقد دعمه كل من ممداني وساندرز، مما أطاح بالمرشحين المفضلين لدى التيار السائد في الحزب.
لكن ما تبين لاحقاً هو أن ماضي الرجل أكثر تعقيداً بكثير مما يبدو عليه. فقد وُجهت إليه تهمة بالاعتداء الجنسي -يقول إنها "كاذبة"- وكان على جسمه وشم حصل عليه عندما خدم في مشاة البحرية الأميركية يشبه إلى حد كبير شعار "جمجمة الموت" التي كان يضعها ضباط قوات الأمن الخاصة (أس أس) في ألمانيا النازية -وقد اعتذر عنه لاحقاً ثم أزاله، قائلاً إنه لم يكن على علم بهذا التشابه في ذلك الوقت. وتوالت بعد ذلك الاتهامات المتعلقة بسلوكه.
وفي النهاية اضطر إلى الانسحاب، تاركاً الحزب الديمقراطي في حالة ارتباك بينما يبحث على عجل عن مرشح بديل. لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: كيف اعتُبر منذ البداية مرشحاً مؤهلاً لخوض الانتخابات؟
وهو ليس الوحيد. فقد اختار الحزب امرأة تدعى دارياليزا أفيلا شوفالييه لخوض انتخابات الكونغرس عن ولاية نيويورك. وكانت قد وصفت جو بايدن في وقت سابق بـ"المغتصب" و"مجرم الحرب". وقد أعربت منذ ذلك الحين عن "أسفها" لتلك التغريدات. وحضرت تجمعاً في نيويورك في اليوم التالي للهجوم الذي شنته "حماس" ضد المدنيين الإسرائيليين، احتفى بتلك الهجمات.
وتدور حالياً منافسة في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي في ميشيغان -الولاية التي تضم أكبر تجمع سكاني عربي في الولايات المتحدة- بين مرشحة التيار التقليدي للحزب الديمقراطي، هالي ستيفنز، والمرشح التقدمي المتمرد، عبد السيد. وقد ضخ اللوبي المؤيد لإسرائيل، (أيباك)، ملايين الدولارات لمنع فوز عبد السيد. ويصف أنصار عبد السيد هذا الوضع بأنه صراع بين القاعدة الشعبية وأموال اللوبي الضخمة.
كل هذا أدى إلى احتدام الأجواء في البيت الأبيض، حيث تُبذل الآن جهود حثيثة لتصوير هؤلاء الأفراد -ومعهم الحزب الديمقراطي ككل- على أنهم شيوعيون مجانين ومتطرفون. ويزعم ستيفن ميلر، كبير أبواق ترامب الإعلامية، أنهم سيلغون الدستور، ويحظرون القضاة، ويسفكون دماء أبنائكم البكر. (حسناً، لقد اختلقت الجزء الأخير). ولكن إليكم لمحة عن شكل أميركا القادم، بحسب وصفه:
"لم يتبن الحزب الديمقراطي الاشتراكية فحسب، بل تبنى الشيوعية أيضاً. شيوعية صريحة، سافرة لا لبس فيها. إنهم الآن ينتخبون مرشحين يريدون الاستيلاء على القطاع الخاص وتسليمه للحكومة، وتعليق العمل بالدستور وإلغاء مجلس الشيوخ وإلغاء السجون وإلغاء نظام هيئة المحلفين والقضاء على أسلوب حياتنا برمته".
هل يبالغ؟ بالتأكيد. لكن كثيراً من الديمقراطيين من الجيل القديم مرتعبون من أن تكون هذه المجموعة من المرشحين شديدي التقدمية مكلفة في انتخابات تشرين الثاني (نوفمبر) النصفية. ومن ناحية أخرى، كان الجمهوريون التقليديون من التيار السائد في الحزب يقولون قبل 10 أعوام أن حزبهم لن يفوز أبداً بوجود شخص مثل ترامب رئيساً لقائمة المرشحين. ولن تكون الانتخابات النصفية هذه منافسة على الوسطية السياسية.
 
*جون سوبيل Jon Sopel: صحفي ومذيع ومعلق سياسي بريطاني، اشتهر بتغطيته للشؤون الأميركية بصفته محرر شؤون أميركا الشمالية في "بي. بي. نيوز" بين العامين 2014 و2022، حيث واكب رئاسة دونالد ترامب والانتخابات الأميركية عن قرب. انضم إلى "هيئة الإذاعة البريطانية" في العام 1983، وشغل فيها مناصب عدة، منها كبير المراسلين السياسيين ومراسل باريس، قبل أن يغادرها ليشارك في تقديم بودكاست "ذا نيو إيجنتس". ويكتب حالياً مقالات تحليلية عن السياسة الأميركية في صحيفة "الإندبندنت". كما ألّف عدة كتب عن الولايات المتحدة وسياسات ترامب.