عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    19-Oct-2026

يوسف بن عيسى القناعي في مواجهة «السطحيون»* حمزة عليان
الجريدة -
خرجتُ من ندوة «جائزة يوسف بن عيسى الثقافية» وأنا أفكر في ذاك الرجل الذي بلغ الثمانين من عُمره من دون أن يتوقف عن القراءة اليومية، لدرجة أنك تخاله وقد استبدل العبادة بالقراءة.
 
قراءات الشيخ يوسف بن عيسى القناعي أنتجت «الملتقطات»، وهو كتاب قيِّم أجاد تناوله د. عباس الحداد، وأمتعنا بمراجعته من منظورٍ عقلي واستنارة فكرية.
 
القراءة عند جيل الشيخ يوسف عيسى ومَنْ قرَّر أن يتم استذكاره بجائزة ثقافية، تكاد تندثر، فجيل اليوم بات طارداً للقراءة بمعناها الذي تعلَّمناه وعرفناه.
 
استوقفني بيتان من الشِّعر، لما يحملانه من معانٍ جميلة تُسْعِد مَنْ يقرأ أو يتفكَّر، أحضرتهما الروائية المبدعة بثينة العيسى، وهي تتحدَّث عن سيرة الجد الشيخ يوسف:
 
«ولي لذة عند القراءة لم أجد 
 
بطول حياتي مثلها بنعيمي 
 
وتلك لأني أستفيد فوائدا
 
تريح فؤادي من شقاء همومي».
 
لم تعد القراءة مكسباً أو حافزاً لهذا الجيل الذي نخاف عليه وعلى مستقبله، إذ يتحوَّل إلى ما يُشبه الفيلم للمخرج الكندي «أنا الماعز الأليف»، والذي تنساق فيه البشرية إلى نهايات مخططة ومحبوكة، ليس له فيها مكان، كما الماعز الذي يسير وراء الكبش كالقطيع.
 
اليوم نرى منتجاً جديداً أقرب وصف له، كما أسماه الصحافي الأميركي نيكولاس كار «السطحيون»، وهو نتاج الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي. كتاب «السطحيون» يشرح كيف تؤدي البيئة الرقمية إلى تكرار سلوكيات سريعة ومشتتة، مما يُضعف القدرة على التركيز العميق والقراءة التحليلية.
 
يناقش الكتاب تأثير الإنترنت، وتوابع الثورة التكنولوجية- قبل أن ندخل عصر الذكاء الاصطناعي- على الدماغ البشري، وطريقة التفكير والتركيز في عصر المعلومات السريعة على إيقاع «الهمبرغر».
 
ما تفعله شبكة الإنترنت بأدمغتنا يجعل الإنسان أكثر عُرضة للتشتت الذهني والإدراك السطحي. فبعد مرحلة المفكِّر مارشال ماكلوهان، وكتابه القيِّم (فهم وسائل الإعلام) ونبوءته باضمحلال التفكير الخطي وتحرُّرنا من النصوص المكتوبة التي استبدَّت بأفكارنا وحواسنا لنُصبح كياناً وأحداً ونندمج في قريةٍ قبلية واحدة على مستوى العالم، ها نحن أصبحنا أكثر تسطيحاً من قبل، لأنه كلما زاد استخدامنا لمواقع التواصل الاجتماعية زادت سطحيتنا.
 
نترحَّم، وبأسى، على جيل الشيخ يوسف بن عيسى، الجيل الذي نجح وبنى وتطوَّر بسبب القراءة العميقة والمركَّزة، وأيدينا على قلوبنا لجيلٍ رضع الحليب من بطن غير طبيعية ولاإنسانية.