من "ريلز" إلى آخر.. أمهات تائهات بين أساليب تربوية متناقضة
الغد-ديمة محبوبة
هند، أم لطفلين في العاشرة والسابعة من العمر، تقول: "يوم بطبق أسلوب الحدود الحازمة الذي شاهدته في صفحة لايف كوتش على إنستغرام، ويوم ثاني بطبق بالطريقة القديمة اللي تربيت عليها أنا، وبأيام أخرى لا أعلم ماذا علي أن أفعل".
تضحك هند وهي تقول هذا، لكن في ضحكتها شيء من الإرهاق الذي تعرفه كل أم جربت أن تكون "الأم الصح" في زمن تكثر فيه تعريفات الصح وتتناقض. وتضيف: "ابني الكبير لاحظني مرة وأنا أحكيه بعبارة قرأتها في ريلز، وقال لي: ماما هاد الكلام مش منك. وقفت، ما عرفت أرد عليه، وحسيت إنه هو اكتشف شيء ما كنت أعترف فيه حتى لحالي".
تلك اللحظة التي وصفتها هند ليست مجرد موقف عابر، بل هي مشهد يتكرر في بيوت كثيرة، فالأم اليوم تجد نفسها في منتصف معركة صامتة بين ما تعلمته من أهلها وجداتها، وما تراه يوميا على الشاشة من تربويين يقدمون نصائح سريعة وعبارات جاهزة لكل موقف، من الكذب إلى السرقة إلى العدوانية، إلى الضغط الدراسي، وكل ذلك في ستين ثانية لا أكثر.
وبين هذا وذاك، تقف الأم حائرة، فالتربية القديمة لا تبدو كافية أمام متطلبات الطفل الحديثة، والتربية الجديدة التي تراها على الشاشة لا تبدو مقنعة تماما؛ لأنها لم تعشها ولا تعرف إن كانت ستنفع مع طفلها بعينه. والنتيجة في أحيان كثيرة، هي أم تردد عبارات لا تقتنع بها كاملة، وطفل يشعر بذلك قبل أن يفهمه.
وبينت المرشدة النفسية والتربوية رائدة الكيلاني أنها تلاحظ هذا النمط بشكل متزايد في جلساتها مع الأمهات. فتقول: "تأتيني أم تقول إنها جربت كل شيء، وحين أسألها ماذا جربت، تبدأ بسرد أساليب متناقضة تماما استقتها من مصادر مختلفة؛ كوتش ينصح بالحدود الصارمة، وآخر ينصح بالتعاطف المطلق، وثالث يقول: اتركي الطفل يعبر عن نفسه، ورابع يقول: لا تسمحي بأي سلوك سلبي".
وأوضحت الكيلاني أن المشكلة لا تكمن في النصائح بحد ذاتها، بل في تطبيقها بمعزل عن الطفل الفعلي، وعن طبيعة العلاقة بين الأم وطفلها التي بُنيت على مدار سنوات.
ووفق قولها؛ فإن الطفل لا يستجيب لأسلوب، بل يستجيب لأمه، وحين تردد شيئا حفظته من ريلز دون اقتناع حقيقي، يشعر الطفل بذلك أيضا.
وأضافت الكيلاني أن الطفل، خاصة بعد سن السابعة، يمتلك حساسية عالية جدا تجاه أصالة تعامل من حوله معه، موضحة أن الطفل لا يحلل الكلمات بقدر ما يقرأ النبرة ولغة الجسد والتعابير.
وتختتم بالقول: "حين تقول له الأم عبارة مقتبسة وبنبرة مدروسة بحرفية، يشعر أنه في موقف تمثيلي، لا في لحظة حقيقية مع أمه".
من زاوية اجتماعية، يرى اختصاصي علم الاجتماع الدكتور حسين خزاعي، أن ما تعيشه الأمهات اليوم هو انعكاس لتحول أعمق في طبيعة الثقة المجتمعية.
وبين أن الأجيال السابقة كانت تثق في تجربة الكبار والعائلة الممتدة كمصدر للمعرفة التربوية. أما اليوم، فقد تآكلت هذه الثقة، ولم تتشكل بعد ثقة راسخة ببديل واضح، فوجدت الأم نفسها في فراغ يتم ملؤه عبر المنصات الرقمية بمحتوى وفير، لكنه غير متسق وغير مصمم لطفلها بعينه، وكأنه فهرس يقول: "افعلي كذا عندما يقوم الطفل بهكذا تصرف".
وأضاف خزاعي، أن ضغط "السوشال ميديا" على الأمهات يمتد إلى تقديم صورة عن "الأم المثالية" التي تتعامل مع كل موقف بهدوء وعبارات مدروسة، وهو معيار غير واقعي يضاعف الشعور بالذنب.
فالأم تشاهد "ريلز" فيه أم تتعامل بهدوء مطلق مع طفل عدواني، ثم تلتفت إلى موقف مشابه عندها وتشعر أنها فشلت، من دون أن تعرف أن ذلك "الريلز"، ربما أعيد تصويره عشرات المرات قبل أن ينشر.
وتطرح هند سؤالاً لم تجد له إجابة في أي ريلز رأته، فتقول: "أنا أعرف ابني أكثر من أي كوتش على الإنترنت، أعلم أنه لا يقول الحقيقة في موقف معين، أو بما يشعر من ضيق، وعندما يكون مرهقا". وتتساءل: هل عليها فعلا أن تطبق كل ما تذكره المربيات والمربون بمعزل عما تعرفه حقا عن ابنها، وتكون كأم آلية لديها فهرس عمل تقوم به؟. أم أن تتعامل مع ابنها بما تشعر به وبفطرة الأم، بدلاً من حفظ ما يجب أن يقال في الموقف الفلاني".
وقالت الكيلاني: "إن الحل ليس في رفض كل ما تقدمه المنصات الرقمية، لكن في تحويله من وصفة جاهزة إلى مادة للتفكير، فالنصيحة التربوية الجيدة لا تُطبق بحرفية، بل تُفهم وتُهضم، ثم تخرج بأسلوب الأم نفسها، فالطفل لا يحتاج إلى أم تحفظ النظريات".
وتكمل: "هو يحتاج أما تحضر معه بشكل حقيقي". وتنصح الكيلاني الأمهات بأن يبدأن من سؤال بسيط قبل تطبيق أي نصيحة: "هل هذا يشبهني؟ وهل أصدق هذا فعلا؟"، لأن الطفل لن يصدق ما لا تصدقه أمه أولا.