عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    05-May-2026

أثر الإعلام على صنع القرار*م. عبدالفتاح الدرادكة

 عمون

لا شك أن حرية الكلمة، المتمثلة في الإعلام الحر، تمثّل الركيزة الأولى للديمقراطية التي تهدف إلى المشاركة الشعبية في صنع القرارات، إذ لا يمكن الحديث عن إصلاح أو مساءلة دون إعلام حر قادر على كشف الحقائق وتسليط الضوء على مكامن الخلل. وقد لعب الإعلام، في مراحل متعددة، دورًا جوهريًا في كشف قضايا الفساد، وتوضيح الملابسات، وإبراز ما كان غائبًا عن الرأي العام، وهي رسالة سامية تُعد من أعمدة بناء الدولة الحديثة.
 
غير أن هذا الدور النبيل يواجه اليوم تحديات عميقة، في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها المشهد الإعلامي، حيث اشتد التنافس بين المنصات والوسائل المختلفة، وأصبح السباق نحو تحقيق نسب مشاهدة أعلى يتقدّم أحيانًا على حساب الالتزام بالمعايير المهنية. وهنا يبرز تساؤل مشروع: هل ما يزال الإعلام يؤدي رسالته الحقيقية في خدمة الوطن، أم أن بعضه انجرف نحو الإثارة والتهويل على حساب الدقة والموضوعية؟
 
الإعلام، بوصفه “السلطة الرابعة”، ليس مجرد ناقل للأخبار، بل هو مرآة تعكس وعي المجتمع، وأداة توجيه فاعلة تسهم في تعزيز الإيجابيات ومعالجة السلبيات. ومن هذا المنطلق، يُفترض أن يكون دوره رقابيًا بنّاءً، يهدف إلى تصحيح المسار، لا إلى تضليل الرأي العام أو التأثير السلبي على صُنّاع القرار. إلا أن الواقع يشير إلى أن بعض الممارسات الإعلامية باتت تعتمد على معلومات مجتزأة، أو تحليلات غير مكتملة، تُقدَّم أحيانًا دون تحقق كافٍ أو فهم شامل للسياق وقد تم التطرف الى ذلك في مقال او مقالات سابقةً ، ولاهمية الموضوع فإن اثارته اكثر من مرة قد تزيد من هامش الوعي لدى من لديهم هذه الممارسات بإنها اي ممارسات الاثارة ورمي التهم جزافا لها اثار عكسية لاتخدم المصلحة العامة ،ويفترض من العامة تجنب الانسياق وراء هكذا تصرفات وسلوكيات اعلامية مضللة .
 
إن خطورة هذا النهج لا تكمن فقط في تضليل الجمهور، بل تمتد لتؤثر مباشرة على صُنّاع القرار، الذين يجدون أنفسهم تحت ضغط إعلامي متزايد، قد يدفعهم إلى التردد أو التراجع عن اتخاذ قرارات استراتيجية مهمة. فعندما يتم تناول مشروع وطني كبير من زاوية واحدة، أو يتم تضخيم جانب معيّن وإغفال باقي الأبعاد، فإن الصورة التي تصل إلى الرأي العام تكون مشوّهة وغير متوازنة.
 
ويُعد قطاع الطاقة والكهرباء مثالًا واضحًا على ذلك، حيث شهد في السنوات الأخيرة موجة من التحليلات والتعليقات التي صدرت عن بعض من يقدّمون أنفسهم كخبراء، أو عن أفراد استندوا إلى معلومات غير مكتملة أو مجتزأة. وقد ساهم انتشار وسائل التواصل الاجتماعي في تضخيم هذه الظاهرة، حيث أصبح من السهل نشر آراء وتحليلات دون تدقيق، مما أدى إلى خلق حالة من التشويش وتشويه الحقائق وفقدان الثقة في بعض المشاريع وفي المؤسسات واصحاب القرار فيها.
 
إن غياب التوضيح الكافي من الجهات الرسمية، ولا سيما في بعض الأحيان، يفتح المجال أمام التأويلات، ويمنح الفرصة لانتشار روايات غير دقيقة. وهذا بدوره يؤدي إلى نتائج عكسية، تمثلت في تأخير أو حتى إلغاء بعض المشاريع الحيوية، رغم أنها تستند إلى دراسات جدوى دقيقة، وقد تتضمن بطبيعتها نسبًا محسوبة من المخاطرة. لكن الخشية من التعرض لهجوم إعلامي غير منصف، أو من تفسير النتائج بشكل مجتزأ، قد تدفع صُنّاع القرار إلى تجنب المبادرة، والاكتفاء بالخيارات الأقل مخاطرة، وإن كانت أقل جدوى.
 
والأخطر أن هذه الممارسات تُسهم في إحباط الكفاءات الوطنية، وتُضعف روح المبادرة لدى المسؤولين، خاصة عندما يرون أن الجهود المخلصة قد تُقابل بالتشكيك أو التجنّي، حتى قبل أن تتضح النتائج. وقد شهدنا حالات عديدة تم فيها انتقاد قرارات أو مشاريع، ليتبيّن لاحقًا أنها كانت في الاتجاه الصحيح، لكن بعد أن تكون الأضرار المعنوية قد وقعت.
 
من هنا، تبرز الحاجة الملحّة إلى إعادة التوازن للعمل الإعلامي، من خلال تعزيز الالتزام بالمعايير المهنية، وتغليب المصلحة الوطنية على الاعتبارات التجارية. كما أن تطوير ميثاق شرف إعلامي مُلزم، وتفعيل المساءلة المهنية، يشكّلان ركيزة أساسية لضبط الأداء الإعلامي. ويتطلب الأمر أيضًا من الجهات الرسمية أن تكون أكثر انفتاحًا وشفافية، وأن تبادر إلى توضيح الحقائق بشكل استباقي، بما يقطع الطريق أمام الشائعات والتفسيرات المغلوطة.
 
إن الإعلام المهني المسؤول هو شريك أساسي في عملية الإصلاح، لا خصم لها. ودوره الحقيقي لا يقتصر على الإثارة أو السبق الإعلامي، بل يتمثل في الإضاءة الواعية، والنقد البنّاء، والسعي الدائم لإجلاء الحقيقة. فبقدر ما يكون الإعلام دقيقًا ومتوازنًا، بقدر ما يسهم في تمكين صُنّاع القرار، وتعزيز ثقة المجتمع، ودفع عجلة التنمية إلى الأمام.
 
والله من وراء القصد