الغد
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
جيفري د. ساكس؛ وسيبيل فارس* - (كومون دريمز) 30/1/2026
ما تمارسه الولايات المتحدة ليس دبلوماسية، وليس إكراهًا. إنه حرب تُدار بوسائل اقتصادية، صُمِّمت بالكامل لإنتاج أزمة اقتصادية واضطرابات اجتماعية تؤدي في النهاية إلى إسقاط الحكومات في الدول المستهدفة. وهذا الانفلات الاقتصادي غير قانوني، ومتهوّر، ومضرّ، ومزعزع للاستقرار -وفي نهاية المطاف غير فعّال في تحقيق أهداف أميركا نفسها، فضلًا عن الأهداف العالمية.
في كتابه "العواقب الاقتصادية للسلام" (1919)، كتب جون ماينارد كينز مقولته الشهيرة:
"ليس ثمة وسيلة أدقّ ولا أضمن لهدم الأسس القائمة للمجتمع من إفساد العملة. إنها عملية تُشغِّل كل القوى الخفية لقانون الاقتصاد في جانب التدمير، وهي تفعل ذلك بطريقة يعجز عن تشخيصها أكثر من واحد من كل مليون إنسان".
وقد أتقنت الولايات المتحدة هذا الفنّ التدميري عن طريق تسليح الدولار، واستخدام العقوبات الاقتصادية والسياسات المالية للتسبّب في انهيار عملات الدول المستهدفة.
كنا قد نشرنا، زميلتي وأنا، في 19 كانون الثاني (يناير) مقالًا بعنوان "الحرب الهجينة الأميركية-الإسرائيلية على إيران"، وصفنا فيه كيف تشنّ الولايات المتحدة وإسرائيل حروبًا هجينة على فنزويلا وإيران من خلال تنفيذ استراتيجية منسّقة تشمل فرض العقوبات الاقتصادية، والإكراه المالي، والعمليات السيبرانية، والتخريب السياسي، وحرب المعلومات. وقد صُمِّمت هذه الحرب الهجينة لكسر عُملَتي إيران وفنزويلا من أجل إثارة اضطرابات داخلية، وصولًا إلى تغيير النظام في نهاية المطاف.
وفي 20 كانون الثاني (يناير)، أي بعد يوم واحد فقط من نشر مقالنا، أكّد وزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسِنت، علنًا، ومن دون أي تحفّظ أو اعتذار أو مواربة، أن توصيفنا يمثل فعليًا السياسة الرسمية للولايات المتحدة.
كتبنا في ذلك المقال: "لقد آن الأوان لأن تواجه دول العالم السلوك الاقتصادي المنفلت للولايات المتحدة... هذا الانفلات غير قانوني، ومتهوّر، ومضرّ، ومزعزع للاستقرار، وفي نهاية المطاف غير فعّال في تحقيق أهداف أميركا نفسها، فضلًا عن الأهداف العالمية".
في مقابلة أُجريت معه في دافوس، شرح الوزير بيسِنت بالتفصيل كيف صُمِّمت عقوبات وزارة الخزانة الأميركية عمدًا لدفع العملة الإيرانية إلى الانهيار، وشلّ النظام المصرفي، ودفع السكان الإيرانيين إلى النزول إلى الشوارع. كانت هذه حملة "الضغط الأقصى" التي هدفت إلى حرمان إيران من الوصول إلى التمويل والتجارة ونُظم الدفع الدولية.
وأوضح بيسِنت بالقول: "أمَر الرئيس ترامب وزارة الخزانة وقسمنا، ’مكتب مراقبة الأصول الأجنبية‘، بفرض أقصى ضغط على إيران. وقد نجح ذلك، لأنه في كانون الأول (ديسمبر) انهار اقتصادهم. رأينا بنكًا كبيرًا ينهار؛ وبدأ البنك المركزي في طباعة النقود. هناك نقص في الدولار. وهم غير قادرين على الحصول على الواردات، ولهذا السبب خرج الناس إلى الشوارع".
هذه هي سلسلة السببية الصريحة التي تُظهر كيف تسبّبت العقوبات الأميركية في انهيار العملة وفشل النظام المصرفي.
أدّت هذه الهشاشة النقدية التي أنتجتها هذه الإجراءات إلى نقص في الواردات ومعاناة اقتصادية كبيرة، هو ما أشعل الاضطرابات. واختتم بيسِنت توصيفه لأعمال الولايات المتحدة باعتبارها "فن توظيف الأدوات الاقتصادية في السياسة الدولية"، واعتبر الانهيار الاقتصادي في إيران تطورًا "إيجابيًا"، وقال: "وإذن، هذا هو فن توظيف الأدوات الاقتصادية في السياسة الدولية، بلا إطلاق نار، والأمور تسير هنا في اتجاه إيجابي للغاية".
إن ما يصفه الوزير بيسِنت ليس، بطبيعة الحال، "فن توظيف الأدوات الاقتصادية في السياسة الدولية" بالمعنى التقليدي. إنه في حقيقته حرب تُدار بوسائل اقتصادية، صُمِّمت لإنتاج أزمة اقتصادية واضطرابات اجتماعية تقود إلى سقوط الحكومة. ومع ذلك، يُشاد بها بفخر تحت مسمّى فن استخدام الاقتصاد.
في الحقيقة، لا تختلف المعاناة الإنسانية الناجمة عن الحرب الصريحة وعن العقوبات الاقتصادية الساحقة كثيرًا عمّا قد يتصوّره البعض. سوف يخلق الانهيار الاقتصادي نقصًا في الغذاء والدواء والوقود، ويقضي في الوقت نفسه على المدّخرات والمعاشات والأجور والخدمات العامة. وسوف يدفع الانهيار الاقتصادي المتعمَّد الناس إلى الفقر وسوء التغذية والموت المبكّر -تمامًا كما تفعل الحرب المباشرة.
هذا النمط من المعاناة الناتجة عن العقوبات الأميركية موثّق على نطاق واسع. وقد أظهرت دراسة مهمة نُشرت في مجلة "ذا لانسيت" The Lancet وأجراها فرانسيسكو رودريغيز وزملاؤه أن العقوبات ترتبط ارتباطًا كبيرًا بزيادات حادّة في معدلات الوفيات، وأن أشدّ الآثار تظهر في العقوبات الأحادية والاقتصادية وتلك التي تفرضها الولايات المتحدة، مع حصيلة وفيات إجمالية قابلة للمقارنة بحصيلة النزاعات المسلحة.
من المؤكد أن هذا النوع من الحرب الاقتصادية ينتهك المبادئ التأسيسية للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. ووفق هذه المواثيق، تُعد العقوبات الأحادية المفروضة خارج سلطة "مجلس الأمن"، خاصة حين يجري تصميمها لإلحاق المشقّة بالمدنيين، غير قانونية.
لا تستطيع الحرب الهجينة أن تتحايل على القانون الدولي بمجرد تجنّب القصف (مع أن الولايات المتحدة وإسرائيل قامتا، بطبيعة الحال، بقصف إيران بشكل غير قانوني أيضًا). ولا يقتصر الاستخدام غير المشروع لما يسمى بفن توظيف الاقتصاد في السياسة الدولية الذي تعتمده الولايات المتحدة على إيران وفنزويلا فحسب، بل يتعداهما إلى عشرات الدول الأخرى التي تتضرر من العقوبات الأميركية.
ربما شرعت أوروبا في إدراك أن التواطؤ في الجرائم الاقتصادية الأميركية لا يشكّل خلاصًا بينما أصبحت حكومة ترامب تنقلب الآن على أوروبا بالطريقة نفسها -وإن كان ذلك يجري عن طريق فرض الرسوم الجمركية بدل العقوبات.
لقد هدّد ترامب أوروبا بفرض رسوم جمركية إذا لم تسلّم غرينلاند للولايات المتحدة، قبل أن يتراجع عن التهديد، مؤقتًا على الأقل. وحين "دعا" ترامب فرنسا للانضمام إلى "مجلس السلام" الذي أنشأه، هدّد بفرض تعرفة جمركية بنسبة 200 في المائة على النبيذ الفرنسي إذا رفضت فرنسا الدعوة... وهكذا.
تستطيع الولايات المتحدة شنّ هذا النوع من الحرب الاقتصادية الشاملة لأن الدولار هو العملة المحورية في النظام المالي العالمي. وبذلك، إذا لم تمتثل دولٌ ثالثة للعقوبات الأميركية على إيران وفنزويلا، تهدّد الولايات المتحدة بفرض عقوبات على بنوك تلك الدول تحديدًا، من خلال قطعها عن التسويات القائمة على الدولار (المعروفة باسم "نظام سويفت").
بهذه الطريقة، تفرض الولايات المتحدة عقوباتها على دول كانت -لولا ذلك- لتواصل التجارة بسعادة مع الدول التي تسعى الولايات المتحدة إلى دفعها نحو الانهيار الاقتصادي. وعلى الرغم من أن العقوبات الأميركية تُحدث بؤسًا على المدى القصير، فإن استخدامها المتواصل يدفع بسرعة اقتصاداتٍ أخرى إلى الانفصال عن الخنق المالي الأميركي.
ثمة الآن دول "بريكس"، وغيرها الكثير، التي تسعى إلى توسيع إجراء التجارة الدولية بعملاتها الخاصة، في ما يُنشئ بدائل لاستخدام الدولار الأميركي، ويتيح تفادي هذه العقوبات. وسوف تتراجع قدرة الولايات المتحدة على فرض عقوباتها المالية والتجارية على الدول الأخرى في القريب -غالبًا بشكل حاد في السنوات المقبلة.
آن الأوان لأن تواجه دول العالم السلوك الاقتصادي المنفلت للولايات المتحدة، العاكفة على شن حرب اقتصادية بوتيرة متصاعدة، بينما تُسمّيها في الوقت نفسه "فن توظيف الأدوات الاقتصادية في السياسة الدولية".
إن هذا الانفلات غير قانوني، ومتهوّر، ومضرّ، ومزعزع للاستقرار -وفي نهاية المطاف غير فعّال في تحقيق أهداف أميركا نفسها، فضلًا عن الأهداف العالمية. وقد ظلت أوروبا تتغاضى عن ذلك حتى الآن. لكنها ربما تستفيق الآن، وقد أصبحت هي أيضًا تحت التهديد، وتنضم إلى بقية العالم لوضع حدّ لهذا السلوك الأميركي الوقح وغير القانوني.
*جيفري د. ساكس Jeffrey D. Sachs: أستاذ جامعي ومدير مركز التنمية المستدامة في جامعة كولومبيا، حيث أدار "معهد الأرض" من العام 2002 حتى 2016. وهو أيضًا رئيس شبكة حلول التنمية المستدامة التابعة للأمم المتحدة (SDSN)، ومفوّض في لجنة الأمم المتحدة للنطاق العريض من أجل التنمية.
*سيبيل فارس Sybil Fares: متخصّصة ومستشارة في سياسات الشرق الأوسط والتنمية المستدامة في شبكة حلول التنمية المستدامة.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Engineering Iran’s Unrest