عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    20-Jun-2026

اتفاق واشنطن وطهران: وثيقة استسلام أميركي

 الغد

هآرتس
 
 
عاموس هرئيل  19/6/2026
 
من وجهة نظر إسرائيلية، تعد مذكرة التفاهم الموقعة بين الولايات المتحدة وإيران وثيقة سيئة جدا. وعلى النقيض من مزاعم ترامب، تعد هذه المذكرة اتفاق استسلام أميركي، رغم أن إيران كانت في الجانب الخاسر في ساحة المعركة. فبالإضافة إلى وقف الأعمال العدائية، قدمت طهران إعلانات عامة بالتزامها بعدم تطوير السلاح النووي. وفي المقابل، تقدم الولايات المتحدة مساعدات فورية: رفع الحصار المتبادل على مضيق هرمز، تخفيف سريع للعقوبات، بل وحتى التزام مدهش بضخ 300 مليار دولار في المستقبل لإعادة بناء اقتصاد إيران.
 
 
كم من هذه الأموال سيستخدم في إعادة دعم الطبقة الحاكمة، النظام نفسه الذي قتل آلاف من مواطنيه في كانون الثاني الماضي، الذي وعده ترامب بأن "المساعدة قادمة"، وكم منها سيرسل لحماس وحزب الله لمساعدتهما في التعافي من الضربات التي تعرضوا لها قبل إسرائيل منذ مذبحة 7 أكتوبر.
الخلاصة هي أن ترامب تراجع وانسحب من الخليج، وربما قلل الاهتمام بكل المنطقة. لا بد أن هذه الفكرة قد خطرت على باله بعد أسبوع على بدء الجولة الحالية في نهاية شهر شباط (فبراير)، عندما أدرك أن الضربات العسكرية الأميركية والإسرائيلية لن تؤدي إلى انهيار إيران كما أمل. عندما تم طرح هذا الاحتمال هنا كسيناريو مطروح، في مكان معين في الأسبوع الثاني من شهر آذار (مارس)، رد المتحدثون باسم رئيس الحكومة نتنياهو بصرخات استهجان. ولكن تبين أن التحالف بين ترامب ونتنياهو أضعف مما كان يعتقد في البداية.
توجد لترامب اعتبارات خاصة. فبعد أن وعده نتنياهو بنصر سهل خلال اللقاء بينهما في البيت الأبيض في بداية شهر شباط (فبراير)، شعر الرئيس الأميركي بالإغراء. ولكن عندما اصطدمت التوقعات بالواقع، واستمرت الحرب، وأغلقت إيران مضيق هرمز (مثلما كان متوقعا طوال عقود) بدأ ترامب يبحث عن مخرج.
أوضح الرئيس يوم الثلاثاء الماضي بأنه "كان يمكننا قصفهم لسنتين أخريين"، لكن حتى في ذلك الحين لم تكن إيران لتتراجع، وكان مضيق هرمز سيبقى مغلقا، ولم يكن سوق النفط سينتعش، بل كان سيشهد انخفاضا للأسعار يثير خيال ترامب الآن. وبناء على ما رآه لم يكن أمامه خيار إلا التوقيع، وهذا يتناقض تماما مع ادعاءاته المتكررة بالنصر.
لم تكن تصريحات الرئيس في قمة "جي 7" في باريس، عندما وقع على مذكرة التفاهم في قصر فرساي (هل لا يوجد حوله أحد لديه الوعي التاريخي؟)، مريحة للإسرائيليين. فالادعاء بأن إيران كجارة لها مسموح لها أيضا امتلاك صواريخ بالستية، لم يلق قبولًا سهلًا بالنسبة لمن قد يصبحون من جديد الهدف الرئيس لهذه الصواريخ.
وبعد أن حاصرته الانتقادات الموجهة للاتفاق، عاد ترامب إلى أسلوبه المعتاد – أسلوب مستخف ومهين. وصف نتنياهو بأنه فقط شريك ثانوي، وصور من انتقدوا الاتفاق بأنهم مجموعة أغبياء. وقدم كالعادة سلسلة اقتراحات لتحسين الكفاءة: مزيج من منطق معين (قال إن إسرائيل لا يجب عليها هدم المباني في بيروت ردا على كل قنبلة من طائرة مسيرة)، مع افتراضات لا أساس لها (ربما يكون من الأفضل أن تتولى سورية التعامل مع حزب الله).
لا تجيب مذكرة التفاهم إلا على المسألة الأكثر أهمية في الاتفاق وهي مصير اليورانيوم، سواء الـ440 كغم المخصب بمستوى عال أو بضعة أطنان مخصبة بمستوى منخفض، بشكل عام. وتنص المذكرة على إجراء نقاش حول هذا الأمر، وعلى تخفيف تركيز اليورانيوم على الأقل. ولكن فعالية التخفيف هي حل مشكوك فيه. وبمجرد حصول إيران على ما تحتاجه (وقف إطلاق النار ورفع العقوبات ورفع الحصار) يظهر التساؤل حول دوافعها لإبرام اتفاق نهائي يقتضي منها تقديم تنازلات. ويفهم ضمنيا من المذكرة أن ترامب لا يتوهم القدرة على الحفاظ على نظام رقابة دولية لالتزامات إيران النووية.
يتخلى ترامب عن حرب لا تحظى بشعبية كبيرة في الجبهة الداخلية، التي أحدثت انقساما في قاعدته الشعبية في حركة ماغا، "لنجعل أميركا عظيمة من جديد"، وتسببت في توتر مع حلفاء الولايات المتحدة في الخليج. أدركت الدول السنية بسرعة أن الأميركيين لا يملكون أي خطة يمكنها إسقاط النظام في طهران، وسعت إلى الحد من خسائرها، نظرًا للأضرار التي ألحقتها الصواريخ الإيرانية، والضربة التي لحقت بصادرات النفط.
أما الضرر الذي لحق بإيران فكان أشد، فحسب مجلة "الإيكونوميست"، تم تسريح ما يقارب 7 % من عمال البلاد أثناء الحرب، أيضا ضخ المال الهائل الذي وعد به ما زال نظريا في الوقت الحالي، لا سيما أن النظام أثبت وجود فساد وعدم كفاءة اقتصادية لعقود. قد تشير هذه التطورات إلى مسار بديل تم التخلي عنه: ربما كان من الأفضل لترامب الاستمرار في الضغط الاقتصادي، بدلا من السعي إلى اتفاق فوري يتضمن التخلي عن معظم أهداف الحرب.
نتنياهو يعرف ترامب جيدا، بما فيه الكفاية ليدرك أن مواجهة الرئيس مباشرة هي أمر خطير جدا. ليس من الصعب تخيل ماذا كان سيحدث لو وقع جو بايدن على مثل هذا الاتفاق في فترة رئاسة نفتالي بينيت للحكومة. لا شك أن المقارنة مع اتفاق ميونيخ من العام 1938 كانت ستسمع في كل المواقع الإلكترونية اليمينية.
لا يعد الاتفاق الإيراني فشلًا لترامب. فقط، بل لنتنياهو أيضا، وهو يتوج حرب 7 تشرين أول (أكتوبر) التي ربما انتهت الآن، كخسارة إستراتيجية. في مواجهة الانتقادات ظهر الأمر وكأن الشخصين يتنافسان في إطلاق تصريحات متطرفة. تفاخر نتنياهو بأنه أنقذ أرواح ملايين المواطنين الإسرائيليين بقرار شن الحرب على إيران لمنعها من امتلاك السلاح النووي. في حين ذهب ترامب أبعد من ذلك، وأعلن بأنه بدونه كانت إسرائيل ستدمر بالفعل. يجلس المواطن الإسرائيلي في البيت وهو يسمع من جهة أن بلاده قوة عسكرية وتكنولوجية عالمية، ومن جهة أخرى يقال له بأنه معرض لخطر الدمار باستمرار. الحياة هنا مربكة بعض الشيء.
ويزداد التآكل مع تنازل أميركي حاسم آخر من وجهة نظر إسرائيل يتعلق بوحدة ساحات القتال، وتنص مذكرة التفاهم أيضا على وقف الأعمال العدائية في لبنان، وتعترف بوحدة أراضي لبنان. ما زالت إسرائيل تحاول معرفة إذا كانت الولايات المتحدة تنوي في القريب فرض انسحاب كامل للجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان. هذا لم يكن الوضع في وقف إطلاق النار السابق، بعد هزيمة حزب الله في تشرين الثاني (نوفمبر) 2024. في حينه بقيت خمسة مواقع عسكرية تابعة للجيش الإسرائيلي في لبنان، ولم يتم الوفاء بوعد إسرائيل الغامض، الانسحاب من هناك في المستقبل. الظروف في هذه المرة تختلف أيضا لأن الصراع الحالي في لبنان لم ينته بشكل حاسم، وازدادت التخوفات لدى سكان الحدود الشمالية. في غضون ذلك أعلن الجيش الإسرائيلي أول من أمس بأن قواته ستبقى في لبنان في هذه المرحلة على خط يمتد 10 كم شمال الحدود.
مع ذلك، تم تقييد نشاطات الجيش الإسرائيلي في لبنان بشكل كبير بالفعل. بدأ هذا الجدل في يوم الأحد حول هجوم بيروت الذي تبرأ منه ترامب علنا بعد وقوعه. وأصبح من الواضح الآن أن رد الجيش الإسرائيلي محدود ويقتصر على جنوب لبنان. في سلسلة حوادث في يوم الأربعاء قتل جندي إسرائيلي وأصيب 12 بسبب انفجار عبوة ناسفة وهجمات بمسيرات مفخخة. وقد استخدم حزب الله مسيرات مزودة بألياف بصرية بفعالية قاتلة. إذا استمر القتال المتقطع سيواجه الجيش الإسرائيلي صعوبة في استيعاب الخسائر على المدى البعيد. من جهة أخرى، استئناف القتال بكثافة أكبر سيعطي إيران ذريعة لاستخدام المزيد من الضغط على ترامب.
تختلف مذبحة 7 تشرين أول (أكتوبر) عن الكارثة الإيرانية بسبب الثمن الباهظ الذي تم دفعه بالأرواح في إسرائيل. ولكن عمليا، يصعب استبعاد احتمالية حدوث مواجهة عاصفة أخرى في وقت لاحق من هذه السنة، تشعل فتيل صراع جديد. هذا ليس مجرد استعراض لضعف إسرائيل في مواجهة الاتفاق المتبلور والخلاف الواضح بين ترامب ونتنياهو. يتعلق الأمر أيضا بحالة الجيش الإسرائيلي، وهو ما حذر منه رئيس الأركان إيال زمير باستمرار مجلس الوزراء.
إليكم بعض الأمور التي يظهر أن زمير لم يذكرها بالتفصيل، من الذي يرغب في كشف عيوبه؟ يعاني الجيش الإسرائيلي من مشكلة كبيرة في الكفاءة، لا يقتصر الأمر على نقص المقاتلين الذي يشير إليه رئيس الأركان في سياق الجدل حول مشروع قانون الإعفاء. فثلاث سنوات من الحرب المتواصلة استنزفت أيضًا احتياطيات الدبابات وناقلات الجنود المدرعة وقوات الاحتياط والتسليح. يحتاج احتلال الأراضي في لبنان وفي سورية (حيث يتمركز لواء بشكل دائم) وفي قطاع غزة، إلى قوة بشرية كبيرة واستخدام كثيف لوحدات الاحتياط، التي سيخدم جنودها لمدة لا تقل عن 100 يوم في هذه السنة.
من المفارقة وجود مشكلة الخبرة العملياتية أيضا، رغم القتال المستمر. فالوحدات لا تملك الوقت الكافي للتدرب، ويصعب جدا تعلم الدروس من الحرب الطويلة. في غضون ذلك لم يكتسب الجنود الشباب الذين انضموا للجيش خلال الحرب نفس الخبرة التي اكتسبها الذين قاتلوا في بدايتها. وتتجلى أوجه القصور والثغرات في الخطط العملياتية في جولة القتال الأخيرة في لبنان. فعملية الاستيلاء على قلعة شقيف، التي تبعد بضعة كيلومترات عن الحدود، لم تتم إلا بعد ما يقارب 100 يوم قتال، الأمر الذي يثير تساؤلات جدية حول الطريقة التي دخل فيها الجيش الإسرائيلي إلى الجولة الحالية في الشمال. وهناك مشكلة أصبحت سائدة في الدورات التدريبية، حيث ارتفع معدل التسرب من بعض الوحدات القتالية بشكل حاد، و"تتلقى الألوية فصائل قتالية ناقصة العدد بعد انتهاء التدريب."
"لكن ربما تم تطبيق ذلك بشكل مفرط"، ويتحدث الجنود عن تراجع في الدافعية في مرحلة مبكرة نسبيا، الأمر الذي يرجح ارتباطه أيضا بتقليص الإجازات في التشكيلات القتالية. ويعود هذا التغيير إلى دروس 7 أكتوبر، حيث عاد نصف المقاتلين من جبهة غزة إلى بيوتهم لقضاء عطلة العيد، لكن ربما تم تطبيق ذلك بشكل مفرط.