عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    08-Jul-2026

مثقفون يستذكرون محمد سلام جميعان: الكلمة الصادقة تبقى بعد الغياب

 الغد-عزيزة علي

  استعاد مثقفون وكتاب وأكاديميون، خلال حفل تأبين نظمته رابطة الكتاب الأردنيين، أول من أمس، سيرة الكاتب والإعلامي والأديب الراحل محمد سلام جميعان، مستذكرين منجزه الأدبي والثقافي ومسيرته الإنسانية، ومؤكدين أن رحيله شكل خسارة للمشهد الثقافي الأردني، بعد تجربة إبداعية امتدت في الشعر والرواية والنقد والإعلام الثقافي.
 
 
وتناولت كلمات المشاركين، في التأبين الذي أدارته القاصة كفاية عوجان، وتحدث خلاله كل من: رئيس رابطة الكتاب الأردنيين الدكتور رياض ياسين، والدكتور راشد عيسى، والدكتور زياد أبو لبن، شقيقة الراحل الدكتورة افتخار سلام جميعان؛ إسهاماته الفكرية والأدبية، وحضوره المؤثر في الوسط الثقافي، إلى جانب ما عُرف به من تواضع ووفاء وعلاقات إنسانية واسعة.
رئيس رابطة الكتاب الأردنيين الدكتور رياض ياسين، قال: "عندما يغادر شاعرٌ ديوانه، لا تُغلق صفحاته، بل تُفتح أبواب الحزن. تبكي الكلمات صاحبها، وتتلعثم القوافي، لأن من كان ينفخ فيها من روحه قد مضى".
وأضاف "أن رحيل جميعان لم يكن غياب رجل فحسب، بل غياب روح منحت الكلمة دفئها، والصحبة معناها، تاركا أثرا عميقا في المشهد الثقافي الأردني وفي نفوس كل من عرفه".
وقال ياسين: "عرفتك منذ سنوات طويلة، لكن قرب الأرواح أصدق من طول السنين. وفي الدورة الماضية، حين جمعنا العمل في الهيئة الإدارية، عرفت فيك الإنسان الحكيم الهادئ، والوفي الذي يساند رفاقه، ويزرع في نفوسهم الطمأنينة والثقة".
وأضاف: "كنت كثيرا ما ألجأ إليك مستشيرا، فأعود برؤية أوضح وأفق أوسع. لم تبخل يوما برأي صادق أو موقف كريم، وكنت تؤمن أن الحكمة ليست في الانتصار للرأي، بل للحق".
وتابع: "أما الرابطة، فكانت في قلبك وطنا صغيرا، تحمل همها بإخلاص ومحبة. وحين آثرت الابتعاد في بعض المواقف، لم يكن ذلك يأسا ولا غضبا، بل موقف المحب الغيور الذي يؤلمه ما يصيب بيته، فيصمت وجعا أكثر مما يخاصم".
ويذكر: "حين ترشحت لرئاسة الرابطة في الدورة الماضية، اتصل بي قائلا: "أتمنى أن نكون معا في قيادة الرابطة، وسأكون نائبا لك". فأجبته: بل أنت الرئيس، فقال "سنكون فريقا متجانسا، وسنخدم رابطتنا". لم تكن كلمات مجاملة، بل نهج رجل يؤمن بأن النجاح ثمرة التعاون لا المنصب".
وتابع: "أيها الصديق العزيز.. غادرت المكان، لكنك لم تغادر الذاكرة. تركت فينا من شعرك ما يواسي الفقد، ومن أخلاقك ما يهزم النسيان، ومن سيرتك أثرا يبقى ما بقيت الذكريات. وسيظل وجهك البشوش حاضرا في كل حديث عن الوفاء، وستبقى كلماتك تتردد كلما ضاقت السبل، ويبقى ذكرك عطرا في مجالس الأدب والأصدقاء".
من جانبه، قال الناقد الدكتور زياد أبو لبن: "هناك أصدقاء لا يرحلون حين يغيبون، بل يظلون في تفاصيل العمر، وكلما مر طيف أحدهم في الذاكرة، شعرت أن الدموع تسبق الكلمات. وهكذا كلما تذكرت صديقي العزيز محمد سلام جميعان، أبا قيس، تكاد الدموع تفر من عيني؛ ليس لأن الموت اختطفه منا فحسب، بل لأن الحياة غدت أقل دفئا بعد رحيله، وأفقر بغياب ذلك الإنسان الذي اتسع قلبه للأصدقاء، ولم يعرف لسانه إلا الكلمة الطيبة، ولا روحه إلا المحبة".
وأضاف: "كان أبو قيس ودودا، قريبا من الناس، كريما في أخلاقه قبل عطائه، يرى الصداقة قيمة إنسانية، ويمنح الجميع مودته بصدق وإخلاص؛ لذلك أحبه كل من عرفه، فالقلوب السليمة تهتدي إلى أصحابها بالفطرة.
وفي الأدب، فقد كان صاحب تجربة ثرية ومتنوعة؛ باحثا، وناقدا، وشاعرا، وقاصا، وروائيا، يكتب بأسلوب يجمع بين سلاسة العبارة وعمق الفكرة، حتى يشعر القارئ أن كلماته تنبض بروحه قبل حرفه".
وتابع: "رحل أبو قيس، وبقيت أفكاره وأحلامه شاهدا على رجل آمن بأن الثقافة رسالة، وأن الحلم لا ينبغي أن يتوقف. فاجأنا رحيله، لكن غيابه كشف مكانته في قلوب محبيه؛ فبعض الناس لا ندرك حجمهم الحقيقي إلا حين تخلو أماكنهم منهم.
واليوم نستذكر أبا قيس، لا أديبا فحسب، بل إنسانا نبيلا عاش بالمحبة، ورحل تاركا أثرا لا يمحوه الزمن. نستذكر ابتسامته، وحديثه، ووفاءه للأصدقاء، وإيمانه العميق بالكلمة ورسالتها".
من جهته، قال الناقد والشاعر الدكتور راشد عيسى: "بدأت علاقتي بالراحل قبل أربعين عاما، حين طبعت أول ديوان شعري لي، وأردت تسويقه، فاشترى مني عشر نسخ تشجيعا لي، وإشفاقا على شاعر متوهم أن القراء بانتظار إبداعه. وكان راتب محمد آنذاك لا يتجاوز أربعين دينارا، إذ كان يعمل مدرسا في ضواحي السلط، بينما كنتُ أنا أعمل مدرسا في السعودية".
وأضاف: "ثم ازدادت متانة علاقتنا، واتفقنا على أن نلهو بالحياة عبر السخرية منها، حتى لو كانت الحياة تفاحة معطوبة أو علبة سردين منتهية الصلاحية. وكان صديقي في تلك المرحلة يتشظى في اتجاه أيديولوجي ديني، لكنه سرعان ما غادره عندما أيقن أن أيديولوجيا مطاردة الرغيف أولى من مطاردة الأحلام الخائبة. ومنذ ذلك الحين، اتفقنا على ألا نأخذ الحياة على محمل الجد، وألا يكون لنا سوى متعة الوهم".
وتابع: "كتب الشعر والرواية والمسرحية والنقد الأدبي والمقالة الفكرية، وكأنه يكيد الحياة بالإبداع. كما اشتبك مع المشهد الثقافي في الأردن اشتباكا مخلصا، فكان إعلاميا، ومفكرا، وأديبا، وشاعرا، غير أنه لم ينل ما يستحقه من تكريم.
غادرنا، تاركا وراءه أسرة ناجحة، وسمعة ثقافية رفيعة، وأبياتا خالدة يقول فيها:
عن النجوى وعن قمري أُغني/وعن ذاتٍ بذاتي لم تُكنَ.. أتمتم في الفراغ، يدي دخانٌ/وقلبي، من فجيعته، يُغني.. فليت الله أبقاني ترابا/وليت الأم يوما لم تلدني".
وألقت شقيقة الراحل الدكتورة افتخار سلام جميعان، كلمة مؤثرة استحضرت فيها ملامح شخصيته الإنسانية، معبرة عن حنينها العميق لشقيقها، ومؤكدة أن حضوره سيبقى راسخا في قلوب أسرته ومحبيه.
وقالت: "شكرا يا حبيبي على كل اللحظات التي صنعتها بدفء قلبك، وجمال روحك، وحنانك الذي عشناه معا. وشكرا على هداياك لأبنائي، التي كنت تقدمها لهم في صمت، لكنني كنت أراها في عيونهم وأفكارهم ومواقفهم". وأضافت أن علاقتها بشقيقها كانت استثنائية، إذ لم تكن بحاجة إلى ترتيب كلماتها معه، لأنه كان يفهمها ويعذرها دائما، مؤكدة أن من عرفه عن قرب يدرك سعة قلبه وصدق مشاعره.
وقالت: "أنا لا أرثيك؛ فقد بحثت في فهرس كتبك عن حروف الرثاء فلم أجدها، ولم أجد سوى حروف الحب التي سطرتها في قصص وروايات ستبقى خالدة".