الغد
سيفا غونيتسكي؛ وسيموهي سنان أوغلو* - (إندبندنت عربية) 4/2/2026
يتجه النظام الدولي نحو مرحلة تحكمها نزوات القادة وليس المؤسسات، مع صعود قادة شخصانيين في الولايات المتحدة وروسيا والصين يفرغون الدولة من آليات الضبط والمساءلة، وينتهجون سياسات خارجية متهورة. هذا التحول يجعل العالم أكثر تقلباً وعرضة للصراعات، ويقوض التحالفات والديمقراطية، ويرفع مخاطر الحروب -وحتى المواجهات النووية.
في النهاية، ربما كان الرقص هو السبب: "لقد صعد إلى المنصة وحاول تقليد رقصتي". هذا ما قاله الرئيس الأميركي دونالد ترامب خلال خطاب ألقاه في السادس من كانون الثاني (يناير) الماضي، شارحاً سبب إصداره أوامر للجيش الأميركي بالتوجه إلى كاراكاس تحت جنح الظلام واعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته، ونقلهما إلى الولايات المتحدة لمواجهة اتهامات جنائية.
وكانت لدى ترامب أسباب أخرى أيضاً. إن مادورو، بحسب قوله، هو تاجر مخدرات يقود حكومة استبدادية قمعية، وكان متردداً في منح الشركات الأميركية وصولاً تفضيلياً إلى النفط الفنزويلي. لكن قلة من الخبراء يعتقدون بأن كراكاس تلعب دوراً مهماً في تجارة المخدرات. وقد ترك ترامب ما تبقى من أركان النظام العنيف في فنزويلا سليماً تقريباً.
كان البيت الأبيض يرغب بلا شك في النفط الفنزويلي، وكان مادورو قد عرض على ترامب بالفعل وصولاً غير محدود تقريباً إلى نفط بلاده الخام بعد أشهر من الضغوط. لكن مادورو واصل الرقص. وخلال التجمعات الجماهيرية الحاشدة في كراكاس كان يحرك ذراعيه ذهاباً وإياباً في نسخة أكثر بهلوانية بقليل من حركات ترامب نفسه. وقد بدا ذلك للبيت الأبيض على ما يبدو أكثر مما يمكن احتماله. وذكرت صحيفة "نيويورك تايمز" في اليوم التالي لعملية الاعتقال أن "رقص مادورو العلني المتكرر وغيره من مظاهر اللامبالاة خلال الأسابيع الأخيرة أسهم في إقناع بعض أعضاء فريق ترامب بأن الرئيس الفنزويلي كان يسخر منهم". وأضافت الصحيفة: "لذلك قرر البيت الأبيض المضي قدماً في تنفيذ تهديداته العسكرية".
بالنسبة للباحثين في السياسة الخارجية الأميركية، قد تبدو فكرة أن يقدم رئيس أميركي، حتى لو كان ترامب، على إسقاط حكومة أجنبية لمجرد شعوره بأنه موضع سخرية فكرة صادمة. لكن ترامب قائد شخصاني يركز السلطة حوله وحول دائرته المقربة. ويختلف القادة الشخصانيون عن الحكام المستبدين أو الديكتاتوريين التقليديين في أنهم يُفرغون الهيئات ومؤسسات الحكم من مضمونها، مثل الأحزاب السياسية والجيوش والبيروقراطية، وهي مؤسسات كانت في الظروف العادية تقنن الخيارات السياسية وتمررها عبر آليات مداولة جماعية تعمل وفق رؤية الزعيم السلطوي.
يتحرك القادة الشخصانيون بدوافع مصالحهم الشخصية وحوافزهم وهواجسهم الخاصة البحتة، لا وفق مصالح وطنية متماسكة. وفي حالة ترامب، تشمل هذه الهواجس التملق، والإثراء الشخصي، والوصول إلى الموارد الطبيعية، وفرض الهيمنة على نصف الكرة الغربي. وبالنسبة لقائد لديه هذه الأهداف، كانت مهاجمة فنزويلا واعتقال مادورو عملاً منطقياً. ولا يهم إطلاقاً ما إذا كان ذلك لا يعزز موقع واشنطن العالمي، حيث دينت الضربة بشدة من كثير من حلفاء الولايات المتحدة، ومن المرجح أن تدفع أميركا اللاتينية إلى التحوط في مواجهة واشنطن التي أصبحت تشكل تهديداً أكبر. وقد أجاب ترامب لصحيفة "نيويورك تايمز" عندما سُئل عما إذا كانت هناك حدود لسلطته العالمية: "إن أخلاقي وعقلي هما الوحيدان اللذان يمكن أن يوقفاني، وأنا لا أحتاج إلى القانون الدولي".
ليس ترامب هو القائد الشخصاني الوحيد في السلطة. للمرة الأولى منذ ثلاثينيات القرن العشرين تُحكم أقوى دول العالم -الصين وروسيا والولايات المتحدة جميعها- على يد قادة شخصانيين. ويحتكر هؤلاء القادة السلطة، ويحصرون أنفسهم داخل دوائر معلومات مغلقة. وعلى سبيل المثال، حصر الرئيس الصيني، شي جينبينغ، عملية صنع السياسات ونفذ عمليات تطهير متكررة ضد كبار المسؤولين، مما أدى إلى تثبيط النقاش والمداولة بين مستشاريه. وركز الرئيس الروسي فلاديمير بوتين السلطة في يده وانعزل داخل دائرة ضيقة من المستشارين تقوم بإعادة إنتاج الرواية التي صنعها بنفسه. وبدافع هوس شخصي بإعادة تفسير التاريخ الروسي، يلقي بوتين محاضرات على العالم حول شخصيات تاريخية، مثل روريك الذي حكم نوفغورود وياروسلاف الحكيم، مدعياً أن تلك الشخصيات تبرر سيطرة موسكو على أوكرانيا.
قد تتيح حقيقة أن الحكام الشخصانيين غير مقيدين بالمؤسسات الرسمية أو الأعراف الدبلوماسية في بعض الأحيان مجالاً لصفقات مفاجئة تُنهي نزاعات معينة. لكنّ عالماً تقوده قوى عظمى شخصانية لن يخدم الاستقرار العالمي.
تُظهر الدراسات الخاصة بالأنظمة الشخصانية باستمرار أنها أكثر تهوراً وعدوانية وميلاً إلى الصراع من غيرها من أشكال الحكم. وهي أكثر عرضة لنقض التحالفات، والانزلاق إلى الأزمات وبدء حروب عبثية. واليوم، ستتفاقم هذه الآثار بعد أن أصبحت أقوى دول العالم خاضعة لقادة معزولين وغير خاضعين للمساءلة. وبعبارة أخرى، فإن نظاماً عالمياً شخصانياً هو نظام يتجه نحو مزيد من الفساد والتقلب والعنف.
تزاحم ثلاثة قادة
ليست الحكومات الشخصانية ظاهرة جديدة على الإطلاق. على مر القرون كان الملوك المستبدون حول العالم يحددون أهداف سياستهم الخارجية إلى حد كبير استناداً إلى أهوائهم ومظالمهم العائلية. وقد خاضوا حروباً بسبب إهانات شخصية ومطالبات إقليمية متصلة بشرف العائلة. وعلى سبيل المثال، رفض ملك السويد، كارل الثاني عشر، مراراً، عروض السلام المعقولة خلال حرب الشمال العظمى بسبب هوسه الشخصي بهزيمة بطرس الأكبر قيصر روسيا، مما أدى في نهاية المطاف إلى تدمير مكانة بلاده كقوة عظمى. لكن الأنظمة الشخصانية تراجعت خلال القرن العشرين مع تحول أجزاء واسعة من العالم نحو الديمقراطية، وتحول عدد كبير من الأنظمة الاستبدادية إلى أنظمة أكثر مؤسسية جرى فيها توزيع السلطة بين كبار المسؤولين -أو على الأقل توفير آليات تُمكن مسؤولي النظام من مساءلة قائد الدولة. وما يزال العالم يضم أنظمة شخصانية يحكمها رجل واحد، مثل سلالة كيم في كوريا الشمالية، لكنها أصبحت الاستثناء لا القاعدة. ولم تكن الكثير من أنظمة القرن العشرين الاستبدادية، على الرغم من وحشيتها، شخصانية لأنها ظلت تسمح بالمداولة والنقاش في سبيل تحقيق رؤية الحاكم. وعلى سبيل المثال، اعتمد الاتحاد السوفياتي في عهد ليونيد بريجنيف نهجاً قيادياً جماعياً حقيقياً -وإن كان بيروقراطياً ومتصلباً. وبعد وفاة ماو تسي تونغ، صممت الصين نظامها السياسي صراحة لمنع حكم الرجل الواحد، ففرضت حدوداً لفترات الحكم واشترطت توافقاً بين كبار القادة. وحتى المجالس العسكرية في أميركا اللاتينية كانت غالباً تحكم من خلال مجالس تتناوب فيها السلطة أو تتطلب توافقاً بين فروع القوات المسلحة. وكانت تلك الأنظمة قمعية لكنها لم تكن امتداداً لعقلية قائد واحد.
إلا أن الشخصانية بمزيجها الفريد من السلطة غير المقيدة والنزوة الفردية عاودت الظهور، وكانت روسيا في طليعة هذا المسار. فمنذ وصول فلاديمير بوتين إلى السلطة قبل 27 عاماً، حيّد أحزاب المعارضة والبرلمان الروسي، وملأ المحاكم بقضاة مستعدين للدفاع عن سياساته المفضلة، وأغرق الجهاز البيروقراطي بمرؤوسين موالين له. وأصبح بوتين يعتمد في صنع سياساته على دائرة مقربة آخذة في التقلص، اختير أعضاؤها على أساس الولاء بدل الكفاءة، وهو ما شوه إدراكه للواقع. وتساعد الطبيعة الشخصانية لحكم بوتين على تفسير قراره الكارثي بغزو أوكرانيا. فقد أنتجت تأملاته التاريخية، بالإضافة إلى عزلته الجسدية خلال جائحة كورونا، التفكير الخاطئ الذي قاده إلى استنتاج أن الغزو كان ضرورياً وسهل التحقيق. وكما لاحظ كثير من المحللين قبل بدء الزحف الروسي نحو كييف في العام 2022، فإن غزو أوكرانيا كان مرشحاً لأن يكون طويلاً ومكلفاً للغاية. ولكن يبدو أن أحداً لم يجرؤ على إبلاغ بوتين بذلك. وحتى اليوم، ما تزال لديه ثغرات ونقاط عمياء في تقييماته لقدرة الجيش الروسي على القتال وقدرة أوكرانيا على المقاومة. وهي أوهام تغذيها حلقته الضيقة من المصفقين الذين يبالغون في الإشادة بالمكاسب التكتيكية الروسية، ويضخمون أعداد الخسائر الأوكرانية، ويؤكدون التفوق المادي لروسيا.
ومع انغماس روسيا أكثر فأكثر في الشخصانية، سارت جارتها الجنوبية الصين في الاتجاه نفسه. لم تكن جمهورية الصين الشعبية يوماً ديمقراطية، لكن حزبها الشيوعي الحاكم اعتمد لفترة من الزمن أسلوباً قيادياً أكثر تعاوناً وتشاركية. وكان منصب زعيم الحزب خاضعاً لقيود تحدد مدة ولايته، بينما تمتع أعضاء المكتب السياسي الآخرون بسلطة مستقلة وحرية مناقشة القرارات والتشكيك فيها خلف الأبواب المغلقة.
لكن ذلك لم يعد قائماً. في عهد شي جينبينغ تحولت الصين إلى نظام أكثر إحكاماً وسيطرة، فألغى شي تحديد مدة الولاية، وأقال منتقديه في الداخل. وتُظهر عمليات التطهير المتكررة لكبار القادة العسكريين انعدام ثقة شي في ولاء "جيش التحرير الشعبي" وجاهزيته. ويبدو أن كبار مستشاريه، مثل مستشاري بوتين، مطيعون له بشكل أعمى. وكانت النتيجة سلسلة من الأخطاء الفادحة. وعلى سبيل المثال، رفضت حكومة شي لشهور التخلي عن سياسة "صفر كوفيد" التي فرضت قيوداً اجتماعية شديدة القسوة، على الرغم من فشلها في احتواء المرض وتسببها بأضرار اقتصادية جسيمة. كما أدت دبلوماسية "الذئب المحارب" العدوانية التي انتهجتها بكين وتضمنت توبيخ مسؤولي حكومات أجنبية وإهانتهم، إلى تنفير شركاء محتملين بلا داعٍ، لكنها لاقت استحسان شي وواصل الاقتصاد الصيني النمو. ويبدو شي حتى الآن أكثر عقلانية من بوتين في نظر المراقبين الخارجيين، غير أن الأنظمة الشخصانية تميل مع مرور الوقت إلى جعل العقلانية تتآكل، وتعزز الثقة المفرطة مع ترسخ القادة في السلطة.
ثم هناك ترامب. ويمثل الرئيس الأميركي نمطاً غير مألوف من الأنظمة الشخصانية. ومع أنه ما يزال يواجه قيوداً قانونية ومعارضة حقيقية بخلاف شي أو بوتين، فإنه يتجاوز الضوابط المؤسسية الراسخة في سبيل أفعال ذات دوافع شخصية، مثل تهديداته بشأن غرينلاند والصفقات العقارية والعملات المشفرة المربحة التي أبرمتها عائلته في الخارج.
سيكون لوضع غرينلاند تحت الحيازة الأميركية أثر بالغ الضرر على مصالح واشنطن. سوف يقوض "حلف شمال الأطلسي" الذي ساعد الولايات المتحدة على بسط نفوذها في أجزاء كبيرة من العالم لأكثر من 75 عاماً. وتتيح المعاهدات القائمة أصلاً لواشنطن إنشاء قواعد بحرية عدة في أنحاء الجزيرة، لكن ذلك لا يهم ترامب الذي يصر على أن الولايات المتحدة يجب أن تمتلك غرينلاند لأنه حُرم "جائزة نوبل للسلام"، أو لأن امتلاكها هو شيء يرغب فيه شخصياً. وقد صرح في الثامن من كانون الثاني (يناير) الماضي بأن "هذا هو ما أشعر أنه مطلوب نفسياً لتحقيق النجاح".
بخلاف الصين وروسيا، تزخر الولايات المتحدة بمنتقدين صاخبين لزعيمها. لكن هذا لا يعني أن الرئيس يعيرهم أي اهتمام. فقد عمل ترامب على تشكيل دائرة داخلية تشبه دائرة بوتين من حيث الاستعداد للخضوع، وهمش عملية صنع السياسات التقليدية بين الوكالات، وأقصى المسؤولين ذوي الخبرة، وبذلك قضى على قنوات تقديم المشورة المهنية والمنضبطة واستبدلها بالمقربين والمتملقين، مثل ستيف ويتكوف، صديقه في مجال العقارات الذي تحول إلى مبعوث خاص للولايات المتحدة، وبيت هيغسيث مقدم البرامج في "فوكس نيوز" الذي أصبح وزيراً للدفاع.
في الوقت نفسه، لا يثق ترامب في الخبراء التقليديين ويهاجمهم إذا تعارضت آراؤهم مع آرائه، مثل رئيس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول الذي هدده ترامب بالإقالة والملاحقة القضائية لرفضه خفض أسعار الفائدة. وخلافاً لولايته الأولى، لم يعد هناك اليوم أحد مقرب من ترامب يمتلك الرغبة أو العزم على معارضته. وقد أدى هذا النظام إلى إضعاف علاقة ترامب الهشة أصلاً بالواقع. ولنأخذ على سبيل المثال قمة ترامب - بوتين التي عُقدت في آب (أغسطس) الماضي. خلال الفترة التي سبقت اللقاء، قام ويتكوف، بصفته مبعوث ترامب إلى روسيا، بطمأنة الرئيس بأن بوتين مستعد للتفاوض على وقف عادل للأعمال القتالية قائم على الاحترام المتبادل، في حين كان يبعث إلى موسكو بإشارات مفادها بأن واشنطن مستعدة لإجبار أوكرانيا على تقديم تنازلات إقليمية. وكان ذلك مثالاً كلاسيكياً على فلترة المعلومات: ثمة تابعٌ يخبر سيده بما يريد سماعه بدلاً من الحقيقة. وكانت النتيجة اجتماعاً كارثياً للبيت الأبيض. وبدلاً من إطلاق محادثات سلام، اضطر ترامب إلى تحمل محاضرة تاريخية جديدة من الزعيم الروسي الذي استمر في الوقت نفسه في القتال في أوكرانيا.
الشخصانية تصبح سياسة الدولة
إن صعود الشخصانية يجعل من الصعب التكهن بمستقبل النظام العالمي، فقد أشار كثير من المعلقين، مثلاً، إلى انجذاب ترامب الواضح نحو القادة الأقوياء، بمن فيهم شي وبوتين، بوصفه دليلاً على أن الولايات المتحدة تستعد لتشكيل نوع من التحالف الثلاثي مع أكبر المستبدين في العالم، وهذا صحيح إلى حد ما، فتحركات ترامب في فنزويلا وخطابه في شأن غرينلاند واستعداده الظاهر للاعتراف بالهيمنة الروسية في أوروبا الشرقية ونهجه القائم على الصفقات تجاه تايوان، كلها توحي برؤية للعالم تتقبل منطق مجالات النفوذ، لكن القادة الشخصانيين شركاء سيئون حتى لبعضهم بعضاً، وكي يمنح بوتين وترامب وشي بعضهم بعضاً مناطق نفوذ فعلية، فسيكون عليهم ممارسة قدر من ضبط النفس المتبادل، وهو أمر يفتقر إليه القادة الشخصانيون بطبيعتهم، ويواصل محللون آخرون التنبؤ بعودة التنافس بين القوى العظمى، غير أن هذا الإطار التحليلي لا يلائم هو الآخر نظاماً عالمياً شخصانياً، فقادة القوى الكبرى اليوم يريدون الأشياء التي يركزون عليها، أي النفط وتايوان وأوكرانيا، وسيتنافسون عليها، لكنهم لن يتنافسوا من أجل جعل بلدانهم أكثر ازدهاراً وأمناً بصورة عامة.
واستطراداً، فإن النظام العالمي الشخصاني يتسم بعدم اليقين والفساد والصفقات الخاصة، فالقادة المدفوعون بالمصلحة الذاتية يكونون منفتحين على صفقات استعراضية تُسقط التحالفات والالتزامات الراسخة أو تضعفها في مقابل انتصارات شخصية فورية، ومن الأمثلة البارزة على ذلك؛ محاولة إدارة ترامب هندسة صفقة شاملة تقوم على مبدأ الأرض في مقابل السلام بين روسيا وأوكرانيا، وكذلك مسعى ترامب إلى إبرام صفقة كبرى مع الصين تزيد بموجبها بكين مشترياتها من السلع الأميركية وتمنح مزايا تجارية للشركات المرتبطة به شخصياً مثلما جرى سابقاً، وفي المقابل، قد ينظر ترامب في تقليص الدعم الأميركي لتايوان، وهو دعم تذبذب الرئيس مراراً في تحديد مستواه أو قد يفكر في رفع القيود على الصادرات، وقد خفف ترامب بالفعل القيود المفروضة على رقائق الحوسبة، مما منح الصين دفعة في منافستها مع الولايات المتحدة في مجال الذكاء الاصطناعي، وقد أثار هذا القرار استياء واسعاً داخل أوساط مؤسسة السياسة الخارجية في واشنطن، لكنه قد يدر أرباحاً طائلة على حلفاء ترامب في قطاع التكنولوجيا الذين تمكنوا من الضغط على الرئيس مباشرة بفضل الملياردير في وادي السيليكون ديفيد ساكس، مستشاره لشؤون العملات المشفرة والذكاء الاصطناعي.
قد تصبح مثل هذه التسويات أكثر شيوعاً في نظام عالمي شخصاني، لكنها ستكون أيضاً عابرة وسريعة الزوال، ففي الحكومات المؤسسية تعتمد الاتفاقات الدولية على آليات بيروقراطية، في حين أن الترتيبات الشخصانية تصاغ بين قائد وآخر ويُروج لها باعتبارها نتاج عبقرية الزعيم، وهي ضعيفة التأطير المؤسسي، وبالتالي هشة وتُوجهها القمم الاستعراضية أكثر من البنود القابلة للتنفيذ، وتقدم صفقات ترامب خلال ولايته الأولى مع كوريا الشمالية مثالاً واضحاً على ذلك، فقد أفضت مبادرات ترامب تجاه بيونغ يانغ إلى لقاء مبهرج مع الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون، لكن التعهدات بنزع السلاح النووي في مقابل تخفيف العقوبات وضمانات أمنية لم تفض إلى شيء، فبعد انصراف الكاميرات عادت بيونغ يانغ إلى بناء الرؤوس الحربية حتى مع إعلان ترامب النصر، وأي صفقة مستقبلية بين ترامب وشي حول تايوان قد تلقى المصير نفسه.
وعلى نحو مماثل، فإن التحالفات تتزعزع وتترنح في عالم تحكمه الشخصانية، فالقادة قد يحتضنون دولة ما في يوم ثم يتخلون عنها في اليوم التالي، وعداء ترامب لحلف شمال الأطلسي، على سبيل المثال، ينبع مباشرة من نظرته الشخصانية لإدارة شؤون الدولة، فهو يرى السياسة الخارجية عبارة عن دفتر حسابات للمدفوعات والخدمات، وبما أن دول الـ"ناتو" الأخرى أنفقت أقل على الدفاع مما أنفقته واشنطن، فإنها جميعاً مدينة للولايات المتحدة بالمال أو الموارد الأخرى، أما حقيقة أن المنظمة تمتلك تاريخاً طويلاً ولجان تخطيط مشتركة وهيئة مركزية وعلاقات حكومية دولية متشابكة فلا أهمية لها، فالقادة الشخصانيون يتجاوزون هذه الشكليات ويُضعفون التحالفات ويقوونها وفقاً لتفضيلاتهم أو علاقاتهم الشخصية، ولهذا يتمتع ترامب بقدرة فريدة على تقديم تنازلات لبوتين في شأن الـ"ناتو"، بما في ذلك ربما القبول الضمني بالسيادة الروسية في دول الاتحاد السوفياتي السابق التي يدعي الكرملين أنها ضمن مجال نفوذه، لكن هذه المرونة الشخصانية نفسها تجعل واشنطن شريكاً أقل موثوقية.
في الواقع، سيلجأ حلفاء الولايات المتحدة إلى مزيد من التحوط وزيادة الإنفاق على جيوشهم خلال الأعوام المقبلة، مما يُضعف النفوذ الأميركي، وينطبق الأمر نفسه على شركاء الصين وروسيا، فلا شي ولا بوتين قادران على تقديم التزامات موثوقة، والنتيجة نظام عالمي متشظ تنتهج فيه الدول مسارات مستقلة، وسيكون النظام العالمي أقل ديمقراطية أيضاً، فقد يبرز القادة الشخصانيون أحياناً من دول ليبرالية، كما هو حال ترامب، لكن أسلوب حكمهم يصعب للغاية التوفيق بينه وبين الديمقراطية الانتخابية وهم لا يولونها اهتماماً يذكر، ويبدو أن بوتين وترامب وشي يتفقون جميعاً على أن الديمقراطية طريقة عفا عليها الزمن لإدارة شؤون البلاد، وهذا الازدراء المشترك ينذر بمستقبل يستمر فيه تراجع الديمقراطية على مستوى العالم، فقد تخلت واشنطن عملياً عن الترويج للديمقراطية وشرعت في بناء روابط مع قادة سلطويين يقدمون منافع لترامب في مقابل حمايتهم، فعندما كان الرئيس الأرجنتيني غير الليبرالي خافيير ميلي يواجه تعثراً، منح ترامب حكومته شريان حياة بقيمة 20 مليار دولار، وهو ما مكّن البلاد من تصحيح أوضاعها المالية في الوقت المناسب تماماً لانتخابات التجديد النصفي، ثم حقق "حزب ميلي" عودة شرسة، وقد أنقذت خطة الإنقاذ هذه استثمارات مدير صندوق تحوط تربطه علاقات شخصية وثيقة بوزير الخزانة سكوت بيسنت الذي ضغط من أجل إبرام الصفقة.
مشكلات الغد
إن المرونة التي يمنحها القادة الشخصانيون لأنفسهم قد تجعل حل بعض النزاعات أسهل، لكنها بالقدر نفسه مرشحة لإشعال نزاعات أخرى، فروسيا، مثلاً، منهكة إلى حد كبير في أوكرانيا لدرجة أن أي مواجهة إضافية قد تبدو الآن متهورة وغير مرجحة، لكن خبراء كثيرين اعتقدوا أن بوتين لم يكن متهوراً بما يكفي لشن حرب كبرى قبل غزو العام 2022، ومع ذلك أقدم على الغزو لأن نظامه المنغلق بات عاجزاً عن إنتاج تقديرات دقيقة للأخطار، فإذا أخبره رجاله المطيعون والمصفقون أن دول البلطيق ستنهار في عملية تستغرق يومين فقد يُصدقهم.
وفي عالم شخصاني متشظ، ستكون هناك ضوابط أقل بكثير لردع هؤلاء القادة عن الانسياق وراء نزواتهم، وإذا ما انتهى الأمر بقادة شخصانيين إلى مواجهة بعضهم بعضاً خلال أزمة ما، فقد يكونون أكثر ميلاً إلى التصعيد مقارنة بالقادة التقليديين، فالقادة الشخصانيون في نهاية المطاف يستمدون الطمأنينة من مستشارين متملقين، ولذلك تقل لديهم دوافع التراجع. هذا التوجه مثير للقلق بالنظر إلى أن الصين وروسيا والولايات المتحدة تمتلك أكبر الترسانات النووية في العالم، ويبدو أن الضوابط التي تمنع مزيداً من الانتشار النووي آخذة في الانهيار (تشير البحوث إلى أن الأنظمة الشخصانية أكثر ميلاً للسعي إلى امتلاك أسلحة نووية)، وقد انسحبت الولايات المتحدة من "معاهدة الحد من الصواريخ النووية متوسطة المدى" مع روسيا خلال ولاية ترامب الأولى، وقد ألمح الرئيس أخيراً إلى إمكان العودة لإجراء تجارب نووية.
أصبحت بؤر التوتر المحتملة واضحة بالفعل. ففي أوروبا لم يُشبع غزو أوكرانيا تعطش بوتين للتوسع الإقليمي، وهو ما يترك شرق القارة عرضة للعدوان (وفقاً لـ"المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية"، فقد تضاعفت عمليات التخريب الروسية في أنحاء أوروبا أربع مرات خلال العام الماضي)، وفي شرق آسيا، لمّح شي إلى أن ضم تايوان مسألة إرث شخصي لا مجرد مصلحة وطنية، وكما تُظهر أوكرانيا، فإن القادة الشخصانيين مستعدون لدفع أثمان باهظة من أجل مشاريع مرتبطة بالإرث، وقد تعهد ترامب علناً بالهيمنة على نصف الكرة الغربي، وفي الوقت نفسه يوافر الشرق الأوسط، وهو أصلاً منطقة مضطربة، أرضاً خصبة على نحو خاص لسوء الحسابات الشخصانية، نظراً إلى أن الصين وروسيا والولايات المتحدة جميعها تمتلك مصالح في مجال الطاقة في المنطقة.
إن النظام العالمي الناشئ هو نظام يسعى فيه قادة ثلاثة مسلحون نووياً ومعزولون عن أي معارضة إلى خوض مغامرات محفوفة بالأخطار، ولن تكون النتيجة المتوقعة هي العودة لمنافسة متوترة ولكن مستقرةً نسبياً، على غرار تلك التي ميزت الحرب الباردة، بل ستكون شيئاً أكثر اضطراباً وتقلباً، عالماً تستند فيه أخطر القرارات إلى أهواء رجال تخلصوا بصورة منهجية من كل من كان مستعداً لأن يقول لهم "لا".
*سيفا غونيتسكي: أستاذ كرسي جورج إغناتييف لدراسات السلام والنزاعات في جامعة تورونتو. سيموهي سنان أوغلو، باحث في المعهد الألماني للتنمية والاستدامة. المقال مترجم عن مجلة "فورين أفيرز" حيث نشر في 26 كانون الثاني (يناير) 2026.