الغد
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
ستيفن ف. آيزنمان* - (كاونتربنش) 24/4/2026
مختبئ في مرمى النظر أصبحت الصورة التي تعرض دونالد ترامب شابًا وهو يضع يده على جبين رجل مريض أو محتضر مدفونة الآن في مقبرة الميمات الرقمية. وبحلول الوقت الذي تقرأ فيه هذا النص، ستكون صورة أخرى قد أخذت مكانها، ثم أخرى بعدها... وهكذا. وأحد أهداف سيل الصور المولَّدة بالذكاء الاصطناعي هو التضليل وصرف الانتباه. من خلال الانشغال بالفظائع الواضحة -مثل التجديف المفترَض في صورة ترامب وكأنه "المسيح الشافي"- يصبح الجمهور أكثر ميلًا إلى تجاهل قضايا أكبر -لكنّها أقل رواجًا- مثل إضعاف معايير مكافحة التلوث، وتقليص أبحاث الأمراض -والحرب، بطبيعة الحال. لكنّ ثمة استراتيجية تواصل أخرى لا تقل أهمية قيد العمل هنا أيضًا، وهي مختبئة أمام النظر وفي وضح النهار: التفاهة، أو الابتذال الفني والجمالي. تلك هي لغة الفاشية اليوم.
الأيقونوغرافيا
على الرغم من كل الجدل الذي أثارته صورة ترامب المذكورة، فإن عناصرها بالكاد تتساوق. فيها يرتدي ترامب رداءً أبيض فضفاضًا من الطراز الروماني القديم تحت عباءة حمراء، ولو أن هذه العباءة تشبه الكيمونو الياباني (لأن لها أكمامًا) وتشبه بالمقدار نفسه سترة "غولف" ملقاة بإهمال على الكتفين. وثمة شعاعات شمس تنبعث من رأس الرجل المستلقي على السرير، وتوحي بأنه هو الشخصية المقدسة، بينما يبدو ترامب مجرد ممرض أو مساعد ممرض يفحص حرارة المريض. ويحمل الرئيس في يده اليسرى كرة من الضوء، تشبه تلك التي تحملها شخصيات "الجنيات الصغيرات" في أفلام ديزني عندما تلتقط أشعة الشمس وتمسك بها.
في محيط الرجل المريض أو المحتضر يوجد أربعة أشخاص آخرون. باتجاه عقارب الساعة من أعلى اليسار، ثمة رجل في منتصف العمر يرتدي قبعة بيسبول وله لحية وشارب أبيضان مشذبان بعناية -وهو ما يوصف في الثقافة المثلية بـ"الذئب" أو "الأب"؛ ثم هناك جندي بَحرية شاب حليق الذقن؛ ثم ممرضة شابة تبدو ضئيلة الحجم جدًا مقارنة بترامب العملاق؛ ثم امرأة شابة أخرى لا يشير مظهرها إلى أي مهنة محددة، ولها شعر كستنائي مفروق من المنتصف. ولم تتم دعوة النساء في منتصف العمر أو المُسنات إلى هذه الحفلة -وهو أمر غير مستغرب بالنظر إلى صاحب الدعوة. وتظهر في أسفل يمين ويسار الصورة يدان خشنتان توحيان بوجود رجلين آخرين راكعين، رأساهما أدنى من مستوى سرير المستشفى. هل هما عاملان ينظفان الأرض بيديهما الأخريين؟
وأخيرًا، هناك الجنود العائمون في السماء، مثل جنود نابليون الداخلين إلى "فالهالا" في اللوحة الشهيرة التي رسمها جيروديه-تريوزون في العام 1801. ويبدو الجندي الذي في الوسط وكأنه يتراجع مرتديًا زيًا نسائيًا وتاجًا يشبه تاج تمثال الحرية ويحمل رايتين. كما يظهر في السماء المزدحمة نس�'ران أصلعان وثلاث طائرات مقاتلة توشك على الاصطدام ببعضها بعضًا أو بالطيور. وتحت ذلك كله يظهر "تمثال الحرية"، ونصب لينكولن التذكاري، ومبنى آخر كلاسيكي الطراز في الخلفية اليسرى -ربما نسخة شوشها الذكاء الاصطناعي من مبنى "الكابيتول" الأميركي.
كان السبب في أن الصورة أثارت الجدل هو أن بعض المسيحيين اعتبروها تجديفًا. بحسب الأناجيل الأربعة المعتمدة، كان المسيح يشفي المرضى باستمرار: "وكانَ يسوعُ يَطوفُ كلَّ الجليل، يُعلِّمُ في مَجامعهِم، ويَكرِزُ ببشارة الملَكوت، ويَشفي كلَّ مرَضٍ وكلَّ ضُعفٍ في الشَّعب" (إنجيل متّى 4: 23). وكان مرضاه يعانون الاستسقاء والشلل والعمى والبرص. كما أنهضَ يسوع الموتى.
وأن يتم تصوير سياسي –حتى لو كان رئيسًا– على أنه المسيح ليس شأنًا مقبولًا دينيًا. وتقول الوصية الأولى من "الوصايا العشر": "لا يَكُن�' لكَ آلِهةٌ أُخرى أَمامي" (سفر الخروج 20: 3). ومن المؤكد أن رئيسًا يشع نورًا ويشفي الناس بلمسته يبدو أقرب إلى الألوهية.
يشكل الربط بين يسوع والطبيب أو الشافي عنصرًا أساسيًا في الأيقونوغرافيا التصويرية المسيحية. ومن بين أقدم الصور التي صُوِّر فيها يسوع -والتي تسبق حتى مشاهد الصلب- كانت صورته بوصفه شافيًا. وتضم سراديب القديسَين بطرس ومارسيللينوس في روما (القرن الرابع الميلادي)، لوحة جدارية تصوِّر حادثة واردة في إنجيل مرقس (أقدم الأناجيل):
"وامرأةٌ بِنَزفِ دَمٍ منذ اثنتي عشرةَ سنة، وقد تألمَت�' كثيرًا مِن أطبَّاءَ كثيرين، وأنفقَت�' كلَّ ما عِندَها، ولم تَنتفِع�' شيئًا، بل�' صارَت�' إلى حال أردَأ" (إنجيل مرقس 5: 25-26). لكنها بعد أن ركعت ولمست طرف ثوب المسيح، شُفيت.
بعد مرور أكثر من ألف عام على لوحة السراديب تلك، ظل الموضوع راسخًا بقوة في الأيقونوغرافيا المسيحية. وهناك أمثلة لا تُحصى على ذلك، من بينها لوحة "المسيح يشفي الأعمى" لإل غريكو (حوالي 1570) الموجودة في متحف المتروبوليتان، والتي تجسد مقاطع من إنجيل يوحنا (9: 1-41) وإنجيل مرقس (8: 22-26). وتشترك هذه اللوحة مع "ميم" ترامب في عنصر لمس اليد للجبهة، مع وجود عمارة كلاسيكية وسماء في الخلفية -ولكن من دون طائرات سلاح الجو.
بالنظر إلى وعود ترامب المتكررة بوضع خطة تأمين صحي أفضل من خطة باراك أوباما المسماة "أوباماكير"، يصبح مفهومًا أنه أراد الادعاء بأن الصورة المثيرة للجدل تتعلق بقدراته الطبية وليس الروحية. وقال في مقابلة: "المقصود أن أبدو كطبيب يجعل الناس أفضل حالًا. وأنا أجعل الناس أفضل حقًا. أجعل الناس أفضل حالًا بكثير". ووفقًا للرئيس، تُظهر الصورة أنه يشفي بصورة إعجازية "الشعب" الأميركي -بمعنى الجسد السياسي- وليس مجرد شخص واحد راقد على سرير.
وبعد بضعة أيام، قوّض ترامب بنفسه احتجاجاته الخاصة ضد اتهامه بالتجديف عندما نشر "ميمًا" آخر. هذه المرة، لم يكن هو يسوع نفسه، وإنما مجرد رجل اختاره يسوع ولمسَه. والصورة عبارة عن بورتريه مزدوج حتى الصدر ليسوع مرتديًا ثوبًا أبيض، يحيط بذراعه اليسرى كتف الرئيس، بينما تلامس يده اليمنى صدره. وكما هو حال المسيح، تبدو عينا ترامب مغمضتين أو مطرقتين إلى الأسفل، كما لو أنه يصلي أو نائم. (يبدو أن مصدر الصورة الأصلية كان اجتماعًا لمجلس الوزراء). والضبابية التي تغلف الصورة مقصودة؛ إما أن ترامب يحلم بالمسيح، أو أن المسيح هو الذي يحلم بترامب.
من حيث التكوين، تشبه الصورة الثانية لوحة فريدريش أوفربك "إيطاليا وألمانيا" (1828)، وهي لوحة تحتفي بما يفترض أنه تقارب بين ثقافتين. وخلال ثلاثينيات القرن العشرين، أصبحت اللوحة رمزًا للتحالف الألماني/الإيطالي؛ والشمالي/المتوسطي؛ والنازي/الفاشي. كما اعتُبرت مثالًا على "الفن الألماني السليم" في مواجهة ما وصفه النازيون بـ"الفن المنحط والفاسد أخلاقيًا" لدى الحداثيين، مثل بيكاسو وشاغال وموديلياني.
النموذج البدئي النازي للشافي والمخلّص
على الرغم من أن كثيرًا من القادة الوطنيين والدكتاتوريين استخدموا لغة الطب والخلاص بوصفهما مجازات سياسية، فإن قلة منهم فعلوا ذلك بالقدر نفسه من التكرار والتأثير الذي فعله أدولف هتلر. وقد جرى وصفه تحديدًا بأنه "طبيب الشعب الألماني" arzt der Deutschen volk، وكان يحب أن يُصوَّر وهو يضع يديه على المرضى أو الجرحى، أو وهو يربّت على أيدي الأطفال الصغار ورؤوسهم، بل وحتى وهو يقيس نبض طفل في إحدى الحالات. وفي سيرته الذاتية وبيانه السياسي "كفاحي" (1925)، كتب هتلر عن "المرض الاجتماعي" و"المرض الأخلاقي" و"المرض السياسي" و"المرض الوراثي". وكانت مهمة القائد الحقيقي -أي هتلر نفسه- هي أن "يدرك طبيعة المرض... ويحاول بجديّة معالجته".
حوّل هتلر وأتباعه هذه المجازات إلى واقع فعلي. فقد اعتبروا اليهود والبلاشفة والمثليين والغجر وذوي الإعاقات الذهنية والجسدية آفةً تصيب الجسد القومي، ويجب استئصالهم -بالإبادة الجماعية، وما سُمّي بـ"القتل الرحيم" (القتل الوحشي للأشخاص ذوي الإعاقات أو الأمراض الوراثية)، والتعقيم القسري. وتمامًا كما رأى هتلر نفسه طبيبًا، فهِم نفسه أيضًا كمخلّص الشعب والأمة الألمانية. وكتب في العام 1919، بعد وقت قصير من مغادرته الخدمة العسكرية: "نحن، بلا شك، قليلون عددًا؛ لكن رجلًا آخر وقف ذات يوم في الجليل، واليوم تَحكُم تعاليمه العالم كله". وفي وقت لاحق، تنبأ بأنه سيوصف بعد موته بأنه: "رجل لم يستسلم أبدًا، ولم يتراجع أبدًا، ولم يقدّم أي تنازلات، والذي عرف هدفًا واحدًا والطريق إليه، وكان يمتلك إيمانًا عظيمًا اسمه ’ألمانيا‘". وسوف يكتب كاتب السيرة المستقبلي المتخيَّل هذا، بحسب هتلر، أن "ما بدأه المسيح، سوف ينجزه هتلر".
الربط بين ترامب وهتلر -بل وحتى استعارة ترامب لعبارات من خطابات الفوهرر- أمر موثق جيدًا. في تجمع انتخابي بمناسبة "يوم المحاربين القدامى" في ولاية نيوهامبشير في العام 2024، تعهد ترامب بـ"اقتلاع الشيوعيين والماركسيين والفاشيين وبلطجية اليسار المتطرف الذين يعيشون مثل الحشرات الضارة داخل حدود بلادنا". وكان هتلر قد كتب في "كفاحي": "اليهودي يبقى الطُّفيلي الأبدي؛ متطفل ينتشر أكثر فأكثر مثل جرثومة خطيرة، كلما دعاه وسط ملائم ليفعل ذلك". وبعد عقدين من الزمن، وقرب نهاية الحرب العالمية الثانية، لخّص هتلر أهدافه بأنها "إبادة الحشرات الضارة في كل أنحاء أوروبا".
التفاهة أو الابتذال الفني كشكل ومعنى
لم يكن خطاب الرئيس في العام 2024 عن "الحشرات الضارة" وغيره من الخطابات المشابهة، بالإضافة إلى صور "ترامب/المسيح" المتداولة حاليًا، سوى استفزازات؛ أو ما يسميه معالجو الأطفال "سلوكيات البحث عن الانتباه". لكنها بالنسبة لترامب ونظامه تشكل أيضًا لعبة خداع، كما أُشير سابقًا: وسيلة تضليل تحجب عن الأنظار بعضًا من أكثر البرامج والسياسات شراسة التي عرفتها الأمة على الإطلاق.
ولكن ينبغي أيضًا فهم صور ترامب على وسائل التواصل الاجتماعي وغيرها باعتبارها جزءًا من جهاز تمثيلي أوسع يشمل الصور الرئاسية، واللافتات، والتجمعات الجماهيرية، والملصقات، والطوابع، والعملات، والزخارف المذهبة في البيت الأبيض، وقاعة الاحتفالات المخطط لإنشائها، وقوس النصر، وحتى الرموز الرقمية غير القابلة للاستبدال -ومن بين الأخيرة صور هزلية وسخيفة للرئيس البدين الذي يقترب من الثمانين من العمر، يظهر فيها كراعي بقر، وملك، وزعيم عصابة، وملاكم، وراكب دراجة نارية، وبطل أفلام حركة.
ثمة حملة حديثة تخوضها وزارة العمل على وسائل التواصل الاجتماعي، والتي بدت هزلية ومثيرة للاشمئزاز بالمقدار نفسه. وقد تضمنت صورًا -صالحة للطباعة كملصقات- لعمال وعائلات يغلب عليهم الطابع الأبيض والذكوري والأشقر. وتستحضر هذه الصور لوحات نورمان روكويل، والملصقات النازية، والواقعية الاشتراكية السوفياتية، بما توحي به من أن المستقبل سيشبه قريبًا ماضيًا أميركيًا متخيَّلًا يقوم على سلطة أبوية غير منُازَعة، ووطنية متشددة، وإيمان مسيحي عميق، وتفوق العرق الأبيض، والأسرة النووية التقليدية. ومثل صور "ترامب/المسيح"، أثارت هذه الحملة أيضًا موجة واسعة من الانتقادات الشعبية السلبية.
تحتفي جميع هذه الصور بالقوالب النمطية والكليشيهات؛ إنها، بكلمتين، فنٌّ مبتذل -والجميع يدرك ذلك. وهي تدعو الجمهور إلى الاعتقاد بأنه أصبح مطلعاً على استراتيجية إعلامية خفية، وهو ما فعلته حقًا. إنهم يتحولون إلى داخليين "مطلعين" على نكتة تُقال على حساب الآخرين: الديمقراطيين أو التقدميين السياسيين، والسود، واللاتينيين، والمهاجرين، والمثليين، أو النساء. ووصم هؤلاء جميعاً هو شأن واضح للعيان.
هكذا تؤدي حملة ترامب الهجومية والفارغة من المضمون القائمة على الميمات -مثل الزخارف الذهبية المبتذلة في البيت الأبيض، وقاعة الاحتفالات العملاقة، وقوس النصر، وغير ذلك- عملها الأيديولوجي. وهي لا تفعل ذلك من خلال مطالبة الجمهور بالإعجاب بالرسائل المسيئة والمستفزة أو قبولها، وإنما عن طريق دعوتهم إلى فهم اللعبة التي تُلعب، بما يعزز شعورهم الفردي بالتمييز الجمالي والسياسي. وباختصار، يُطلب منهم أن يصبحوا مندمجين في هذه الأعمال وأن يطبّعوها. هكذا تدخل الفاشية إلى بيت الديمقراطية الرأسمالية -من الباب الأمامي مباشرة.
إن ما يقوم ترامب وممكّنوه بتثبيطه من خلال هذه الحملة هو أي انتقاد لسياسات الرئيس أو لشخصه -ربما باستثناء التندر على نزواته. وهذا تحديدًا هو السبب في أنه تم سحب ميم "ترامب بوصفه المسيح الشافي" سريعاً من التداول؛ لأنه فشل في أن يكون مبتذلاً تماماً. وفي حين أن الفن المبتذل يعرض شعوراً بالتماسك والانسيابية (حيث يطرح حلاً زائفاً للتناقضات)، بدت تلك الصورة، كما أشرنا سابقاً، مربكة ومشوِّشة، وكأنها مُجمَّعة على طريقة "البريكولاج". وكان من الصعب تحديد طبيعة شخصياتها؛ كما بدت الكليشيهات التي تمثلها مهددة بالتصادم -مثل النسور الصلعاء والطائرات النفاثة. وكان معناها الديني أسوأ من مجرد كونه مسيئاً؛ كان غامضاً. ينبغي أن تكون الصورة الفاشية مكتملة ومتماسكة؛ وهذه الصورة كانت متصدعة. ولذلك، يواجه النظام نفسه -الغارق في حرب خارجية، والمثقل بارتفاع الأسعار، وتراجع الرعاية الصحية، وازدياد أقساط التأمين- خطر إثارة غضب أتباعه، أو ما هو أسوأ: انفضاض المؤمنين من حوله.
*ستيفن ف. أيزنمان Stephen F. Eisenman: أستاذ فخري في جامعة نورثويسترن، وزميل أبحاث فخري في جامعة إيست أنغليا. وهو مؤلف نحو اثني عشر كتاباً، أحدثها (بالاشتراك مع سو كو): "دليل الشباب المصوَّر إلى الفاشية الأميركية" The Young Person’s Illustrated Guide to American Fascism، (دار كتب أور، 2014). وهو أحد مؤسسي "تحالف الأنثروبوسين"، وهو منظمة أميركية غير ربحية تُعنى بدعم المجتمعات المتضررة من تغيّر المناخ والتلوث والكوارث البيئية، وتعمل على تعزيز العدالة البيئية والتنظيم المجتمعي.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: How Fascism Works Now: A Note about Trump as the Healing Christ