المدن -
بالرغم من الشائعات والضغوط والرصد ومحاولات شطب تاريخ رفيق الحريري، ومحو دوره وتزوير تاريخه ونزعهما من ذاكرة الناس، شكّلت الذكرى الواحدة والعشرون لاستشهاده محطة سياسية استثنائية وامتحاناً كبيراً نجح فيه "المستقبليون". قالوا كلمتهم. فعلوا "فعلتهم" وجاؤوا بالآلاف إلى ساحة الشهداء في ظل عاصفة طبيعية قاسية وعواصف سياسية كبيرة، والتقوا حول ضريحه ليؤكدوا معادلة قلتها في ساحته بعد استشهاده: "ثمة نوعان من الرموز: نوع عروشهم نعوشهم، ونوع آخر نعوشهم عروشهم". هكذا حمل الناس نعش النوع الثاني، الرئيس الشهيد الذي عاش حياته ليبني ويكرّس لهم عروش الكرامة والتعليم والمعرفة والانفتاح والاعتدال والبناء والإعمار والوحدة الوطنية والعروبة الحقيقية.
هذا الغني بكرمه ونفسيته وعزّة نفسه وحبه لبلده وناسه، عاش فوق ماله. قدّم الكثير ولم يمننّ أحداً بل لم يقبل من أقرب المقربين ان ينتقدوا أحداً وقف إلى جانب الرئيس في أصعب الظروف فهاجمه بطريقة بشعة سيئة. هذا رفيق الحريري الواثق من نفسه الكبير بعزّته وقيمه، فيما ترى أثرياء آخرين ومسؤولين يعيشون تحت مواقفهم ومالهم ويموت أبناء مدنهم تحت ركام بيوتهم المتصدعة التي سقطت. باستشهاده خرج الجيش السوري من لبنان فخرج لبنان من مرحلة صعبة خطيرة وعاد الأمل بقيام حالة سياسية لبنانية وطنية موحدة، ودولة تمارس سيادتها على أرضها، آخذين بالاعتبار المعادلات الإقليمية الدولية المؤثرة. بهذا المعنى كان الرئيس الشهيد رمزاً سيادياً بكل ما للكلمة من معنى. وهو بنشأته وتربيته ونضاله القومي العربي ضد الكيان الاسرائيلي واحتلاله أرض فلسطين، التي وقف إلى جانب قضيتها وحق شعبها في إقامة دولته المستقلة على أرضها، وصدّ الاجتياحات والحروب الاسرائيلية المتتالية على لبنان، قبل أن يكون رئيساً للحكومة وعندما تولى أمانة المسؤولية. مواقفه وأدواره وتحركاته تكرّست دفاعاً عن الجنوب وكل لبنان وسيادته وحريته، مستفيداً من قنواته وعلاقاته الدولية التي لم تحظ بمثلها شخصية سياسية لبنانية وشخصيات سياسية كبيرة وكثيرة خارجه.
رفيق الحريري مع السيادة ضد الاحتلال الاسرائيلي، ومع وحدة لبنان ودولته وعروبته، وضد الإدارة السورية للبلد بكل تفاصيله. وقد تحمّل الكثير الكثير حتى عندما طفح الكيل انتفض لكرامته وكرامة البلد وسيادته على طريقته. عندما أخرجوه من الحكم عام 1998 ووقعت لاحقاً أحداث الضنية ضد الجيش اللبناني كانت الدولة كلها في إرباك. تصرف بمسؤولية وطنية وأمانة ووفق التزاماته فغطى بقراره المعركة ضد الإرهاب، لأن السنّة أهل اعتدال. لم يترك الآخرين يوقعون بحقدهم البلد والجيش. وراح شهيداً. هذا هو معنى السيادة الحقيقي، وقد سبقه إلى ذلك المعلم الشهيد كمال جنبلاط الذي عاش حياته رمزاً وطنياً عربياً حاضراً على أرض الجنوب، مدافعاً عن أهله وأمنهم واستقرارهم ووجودهم وبقائهم في أرضهم مكرّمين معزّزين، وانتفض في وجه حافظ الأسد رافضاً الدخول السوري إلى لبنان، ثم واجهه بقوة وشجاعة رافضاً كل المشاريع التي تكرس إدخال لبنان في السجن العربي الكبير، وحمى الثورة الفلسطينية والشعب الفلسطيني، وسقط شهيداً للحرية والديموقراطية والعروبة أيضاً. ولذلك عبّر الزعيم الوطني الكبير وليد جنبلاط بعد استشهاد رفيق دربه الرفيق الوفي قائلاً: "دخل الجيش السوري على دم كمال جنبلاط وخرج على دم رفيق الحريري". وقاد منذ اللحظة الأولى معركة التصدّي لأبعاد الاغتيال الزلزال، مع الإصرار على بقاء قريطم داراً مفتوحة ومرجعية سياسية لها رمزيتها التي يجب أن تستمر. وهذا ما عبّر عنه بالأمس في بيت الوسط عندما قال: "هذا البيت لن يقفل. ولا شيئ يدوم"، مؤكداً قناعته، ملاقياً "المستقبليين" الذين سيّجوا الضريح بأجسادهم وهزّوا السماء برعد أصواتهم وهتافاتهم باسم الرئيس الشهيد والتزاماً بخلفه سعد وموقعه ودوره، الذي أكد رهانه على هذه الأصوات في الساحات وفي صناديق الاقتراع عندما تأتي الساعة.
إلى الأخ العزيز أبي حسام دولة الرئيس سعد أقول: رحم الله الرئيس الشهيد ورفاقه والمدنيين الأبرياء وكل الذين استشهدوا بعده، وحماكم وأمدّكم بالصحة والعافية والتوفيق في مسيرتكم. أمانته عظيمة، وأمانته وأمانتك تجاه الناس، المستقبليين وغيرهم من المحبين الصادقين الأوفياء كبيرة، وحملها ثقيل وأنتم تواجهون ما تواجهون في الحياة، في الخيارات. في السياسات، في إدارة الشأن العام، في الإدارات، في القرارات، يخطئ المرء ويصيب، المهم أن يتعلّم كل واحد منا من تجاربه وفي ذلك شجاعة تحصّن.
والى أبي بهاء، أيها الحبيب الغالي، نادراً ما تحدثت عنك على المنابر وادعيت، لكن حديثي معك وعنك لم يتوقف منذ استشهادك. تعرف أنني وثّقت كل ما سمعت وقرأت، وتابعت كل المراحل. وكما أن الزعيم وليد جنبلاط الذي أحببت هو عمري السياسي، فأنت جزء أساس مهم منه. أكرمتني بثقتك، وشاركتني همومك، ورافقتك في لقاءات ومحطات صعبة ومصيرية وخطيرة، لاحظت أن كثيرين كتبوا ولم يأتوا على ذكرها. آمل ان ترى مذكراتي النور ويطّلع الجميع على ما فيها بكل صدق وموضوعية فالتاريح أمانة. والمحضر أمانة. والحقيقة لا يمتلكها أي طرف أو شخص أو حتى دولة. ثمة معلومات عند آخرين، على الأقل ما عرفته وعشته دوّنته بأمانة وما لم أعرفه حاولت الاطلاع عليه من آخرين ولا أزال أمارس "المهنة ذاتها"!
أيها الحبيب. مرة جديدة أقول "خافوك فقتلوك". بالأمس كثيرون خافوا "ضريحك" وأصوات محبيك والتفافهم حول سعد. لك التحية والوفاء ... والمشهد يشهد.