الغد- د. يوسف أحمد أبو ريدة
كأنه قُدّ من ماء اللغة الموحية، لا يعطي إجابات جاهزة، بل يلقي بين يديك بجمرة السؤال، ثم يترك لك أن تحترق بنارها، هكذا جاءت نصوص كتاب سمير اليوسف "حين يحمل الجمر رماده"، فمنذ الكلمة الأولى في العنوان، يلقيك يغمسك في لذة الدهشة، إذ يعلقك بزمانه هو، لتبحث بعد "حين" عن أسئلة المعنى، وعن زمانه المعلق بين دفتي كتاب يتألف من 177 صفحة، متضمنا سبعة وعشرين عنوانا، يشكل كل عنوان جمرة من المجاز اللاهب، فهو لا يترك المتلقي يشعر بالطمأنينة منذ بدء قراءته النص حتى يتنفس الصعداء بعد قراءة الكلمة الأخيرة، ليعود إليه من جديد.
وأما مقدمة الكتاب، فهي مختلفة، إذ تقوم على النفي لما قد يتبادر للذهن منذ الوهلة الأولى، إذ ينفي عن نصوصه المدهشة اليقين، لكنه يقود المتلقي إليه، وحين ينفي عنها الرمز يدفع إلى سكناه ما وراء رقمه في الصفحة، وحين يذكر الفلسفة، يعيد ترتيل أبجدياتها بما يحفظ عليها لذة الكشف، وبهذا وذاك يعطي الكاتب خريطة طريق لكنه يتركها مموهة، ليفكك القارئ رموزها، حتى يصل إلى كنز اليقين، لكنه في بعض النصوص، يترك أمام القارئ لافتة كبيرة المعنى قصيرة المبنى، يكتبها تحت النص، سواء أكانت من كلامه أم من كلام غيره، ليبالغ في دور الدليل، كأنه يمسك بها خاطر القارئ؛ كي لا يصطلي بجمر نار النص، فيعود بعد خوض معتركه صاديا عطشا.
في نصه الأول يمسك بيدك إلى جوهر الكتاب، فيقول: "وكانت خطانا/ تتعلم كيف تنصت/ لصرير الأسئلة"، فالخطى التي تنصت ليست إلا خطى الباحثين عن المعنى في معية المجاز، والأسئلة التي تصرّ ليست إلا مرايا الروح في زحمة الأفكار المتناقضة، والتوتر العالي، والقلق المبين، في طريق الفكرة الصادقة، وفي ختام النص نفسه لا يقودك إلى اليقين، بل يستاقك إلى قراءة النص من جديد، حيث يقول: "والبوابة بحدها الغامض/الواقف بين احتمالين/ لا تزال تتنفس"، حيث تغدو البوابة نفسها- وهي علامة المعرفة الواثقة- غامضة، واقفة بين احتمالين، لكنها تتنفس. فهو لا يتركك تشعر بالراحة، بل يلقيك في النص من جديد حائرا مندهشا، لتبحث عن احتمالات جديدة، فلا يقين في رحلة الحياة القلقة القائمة على التوتر العميق.
وفي نصه الثاني الذي يحمل عنوان الكتاب، ويهديه إلى مكسيم غوركي، يعود إلى الأسئلة، ولكن هذه المرة على لسان طفل يسأل أمه: "في أقصى الزاوية، طفل يراقب الغيم/ يسأل أمه همسا/" لماذا يدفنون النور في صندوق من خشب"/ فتصمت الأمّ/ كأنها تخاف من الإجابة". فالأم مصدر يقين الطفل في أعوامه الأولى، تخاف من الإجابة، أو بالأحرى تخاف من الوضوح، فيبقى القارئ مثل ذاك الطفل في دهشة امتناع الأم عن الإجابة، ويتقلب في بحر من الحيرة، فالتناقضات في هذا العالم تقلق الإنسان، لكنها تقوده للبحث عن اليقين بنفسه، فمصادر المعرفة المعتادة لا تكفي ليتفهم الإنسان سر وجوده وطبيعة الحياة التي تحتوي من التناقضات ما يحير العقل، وتفرض عليه المزيد من البحث والتأمل.
في نصه الثالث يترك السؤال اللاهب فقرة أخيرة، تشي بِحيرة تكاد تكون موجعة، يقول: "ومنذ أن استوطنت في داخلي/لم أعد أعرف:/ أنا الذي يحلم بك/ أم أنك التي تحلمين بي/ أم أنّا معا/ لا شيء سوى ظل/ يمتد في فضاء/ لا حدود له"، فهو يلقي السؤال مجردا من أي احتمال يوحي ببرد اليقين في الإجابة، فاستيطانها بداخله لا يتكفل بقدرته على الإجابة على سؤال من يحلم بالآخر: هو، أم هي (بالفصل بين الضميرين) أم هما معا، وبذلك يعيد القارئ إلى البحث من جديد، وهو أكثر قلقا وتوترا، ورغبة في الرجوع إلى النص في سبيل الوصول إلى اليقين.
في نصه الرابع يكسر الزمن والمكان، تاركا الإنسان في عراء تام، حيث يستعمل يقول "على ضفاف اللازمن"، ثم يقول "في واد من مرايا متكسرة"، ثم يذهب بالقارئ إلى السؤال، فيقول: "أحيانا يجيء السؤال/ مرتديا قناع الإجابة، فيغتر العابرون"، فربما يبدو السؤال سهل الإجابة، كأن القارئ يلمحها على حافته، لكن هذا النوع من الأسئلة التي تبدو في متناول اليد، عصية على الإجابة السريعة، بل هي بحاجة إلى مزيد من التأمل والبحث، فاليقين لا يعطي نفسه لأول وهلة، بل بحاجة إلى مزيد من التدبر والتأمل.
ولو تتبعت بقية نصوص الكتاب ستجد أن الأسئلة فيه، هي أسئلة وجودية، تمسك بيد الإنسان منتزعة إياه من التسليم السريع بالإجابات الجاهزة، وتحثه على التفكير من جديد، بما أعطاه الله من عقل متدبر واعٍ، فلا راحة للروح إلا بالبحث للوصول إلى اليقين بعد القلق والشك والحيرة، ولذلك فإن عنوان الكتاب، وهو عنوان النص الثاني "حين يحمل الجمر رماده"، يقوم على تفكيك المسلّمات المفروضة على الإنسان في هذه الحياة، والدعوة إلى أن الجمر المشتعل يحمل رماده في نفسه، فهو يحمل تناقضات اللهب والرماد، والحياة والموت، والتوقد والسكون، وهي ما يعيش الإنسان بينها بحثا عن ذاته ويقينه وراحته وحياته وعلاقته بمن حوله من مخلوقات وأمكنة وأزمنة وعلاقات.
يأتي الكتاب بأسئلته الكبرى، ويطرحها في أماكن مختلفة من النصوص؛ ليقول للإنسان: لا تسلّم بما تقع عليه حواسك، بل ابحث أنت عن الإجابة في رحلة حياتك، ولا تسلّم عقلك لمسلّمات فتكون واحدا من قطيعٍ يظنون أن لحظة الجمر هي اللحظة النهائية الثابتة، لكنه في الحقيقة يؤول إلى الرماد، وما عليك إلا أن تتأمل وتصبر حتى تصل إلى هذه الحقيقة.