الغد
مايكل يونغ* - (مركز مالكوم كير-كارنيغي للشرق الأوسط) 2027/6/10
بينما تستمر المفاوضات الأميركية مع إيران ولبنان، يظلّ نشر الفوضى في صُلب حسابات حكومة نتنياهو.
ما تزال إسرائيل تواصل حملتها التدميرية في لبنان تحت ستار تعزيز أمنها. لكن معظم سكان الشرق الأوسط -ومعهم عددٌ غير قليل من خارج المنطقة- باتوا يدركون منذ زمن طويل أن مفهوم إسرائيل للأمن، خصوصاً في ظلّ الحكومة الاستيطانية والمتطرّفة بقيادة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، يرتكز على ترسيخ حالة دائمة من انعدام الأمن في البلدان والمجتمعات المحيطة بها.
استمرّت إسرائيل في تطبيق هذا المنطق في لبنان. وكان من اللافت أن تشهد الجولة الرابعة من المفاوضات بين لبنان وإسرائيل، التي عُقدت في 2 و3 حزيران (يونيو)، اتفاق الطرفَين على إصدار بيان مشترك جاء فيه أن "... إسرائيل ولبنان وافقا على تنفيذ وقف إطلاق النار، على أن يكون مشروطاً بتوقّف ’حزب الله‘ بشكلٍ كامل عن إطلاق النار وإخلاء جميع عناصره من منطقة جنوب الليطاني". وأوضح البيان أنّ "الجانبَين اتفقا، بتوجيه من الولايات المتحدة، على الإسراع في إنشاء مناطق تجريبية يتولّى فيها الجيش اللبناني السيطرة الحصرية على الأراضي، مع استبعاد أي جهات مسلحة غير تابعة للدولة".
تنطوي هذه الخطة على الكثير من العقبات المحتملة، لكنها تمثّل أيضاً أول مجهود عملي للتعامل مع ملفّ نزع سلاح "حزب الله" من جانب الحكومة اللبنانية. مع ذلك، يبقى السؤال الأبرز فيها متعلقاً بكيف ستتصرّف إسرائيل. فبالرغم من أن الشرارة التي أشعلت الجولة الأخيرة من القتال في لبنان كانت قرار "حزب الله" إطلاق صواريخ على إسرائيل في 2 آذار (مارس)، يمكن قول أمرَين في هذا الشأن. أولاً، يبدو من شبه المؤكّد أن الحزب يخضع، منذ تشرين الثاني (نوفمبر) 2024 على الأقل، لقيادة ضباط من الحرس الثوري الإيراني، وهو ما يعرفه الإسرائيليون جيداً. لذلك، عندما أقدمت هي والولايات المتحدة على اغتيال المرشد الأعلى الإيراني، آية الله علي خامنئي، لا بدّ أنهما توقّعتا ردّاً من الحزب. بل من المرجّح أنّ الإسرائيليين رحّبوا بهذا الردّ لأنهم كانوا يبحثون عن ذريعة لاستئناف الحرب وتوجيه ضربة قاصمة للحزب.
وثانياً، رفضت إسرائيل، على امتداد الأشهر الستة عشرة بين وقف إطلاق النار في تشرين الثاني (نوفمبر) 2024 وآذار (مارس) 2026، وبصورة منهجية اتّخاذ أي خطوة من شأنها تعزيز مصداقية الدولة اللبنانية في مواجهتها مع "حزب الله" -وهي مواجهة تصاعدت حدّتها في شهر آب (أغسطس) من العام الماضي عندما أعلنت الحكومة نيّتها حصر السلاح بيد الدولة. وكان المبعوث الأميركي إلى لبنان آنذاك، توم برّاك، قد نقل هذا القرار إلى الإسرائيليين سعياً للحصول على تنازلات منهم، من بينها انسحاب قواتهم جزئياً من تلالٍ تحتلّها في جنوب لبنان. وصرّح قبل مغادرته قائلاً: "أعتقد أن الحكومة اللبنانية قامت بدورها. لقد اتّخذت الخطوة الأولى، وما نحتاجه الآن هو أن تُبادلها إسرائيل بخطوة مماثلة".
لكن برّاك لم يحصل على شيء في المقابل. ولم يكن هذا مفاجئاً لأنه لم يُحسِن الإعداد لزيارته، لا في واشنطن ولا في إسرائيل. ولم يتصدَّ كذلك لتصاعد الأصوات المؤيدة لإسرائيل في الداخل الأميركي، والتي بدأت تستهدفه عندما قال إن الطائفة الشيعية في لبنان تحتاج إلى "حفظ ماء الوجه" في سياق عملية نزع سلاح "حزب الله"، وأشار إلى المصالح الإيرانية في لبنان. كذلك، شدّد على أن الجيش اللبناني ليس في وضعٍ يسمح له بنزع سلاح الحزب بالقوة. لكن هذه اللحظات التي اتّسمت بصفاء ذهني لم تسهم سوى في تسليط الضوء على قصور أدائه الدبلوماسي، لأن التفوّه بالحقيقة كثيراً ما يعرقل نجاح العملية الدبلوماسية. ثم فاقم برّاك موقفه أكثر عندما استشعر تصاعد موجة العداء له في واشنطن، فبدأ بتوجيه الانتقادات إلى الجانب اللبناني.
أكّدت إسرائيل، من خلال تحييد برّاك في الملف اللبناني، واضطلاعها بدور محوري في إقناع إدارة ترامب بشنّ هجمات على إيران في العامَين 2025 و2026، أنها تُبدي ارتياحاً أكبر بكثير لإدارة الفوضى من البحث عن حلول للتحديات التي تواجهها. وقد وصف زميلي، ناثان ج. براون، الإستراتيجية الإسرائيلية على النحو الآتي: "برز نهجٌ جديد للأمن الإسرائيلي يقوم على الهيمنة من دون تسوية، وإنهاك القدرات من دون السماح بإعادة إعمار، وحرمان السكان من حقوقهم في الأراضي من دون توفير أي أُفق سياسي، واللجوء إلى الحرب لا كوسيلةٍ للتوصّل إلى ترتيبٍ ما، بل باعتبارها الترتيب بحدّ ذاته".
لهذا السبب تحديداً يثير المقترح الأميركي الأخير الرامي إلى إنشاء "مناطق تجريبية" مثل هذه الشكوك. ولهذا أيضاً يجب التمعّن في قراءة تفاصيله الدقيقة. فاشتراط "أن يكون وقف إطلاق النار مرهوناً بتوقّف ’حزب الله‘ بشكلٍ كامل عن إطلاق النار وإخلاء جميع عناصره من منطقة جنوب الليطاني"، يمنح عملياً كلّاً من إسرائيل وإيران سلطة تعطيل هذه العملية، لأنّ أيّاً منهما لا يرغب في أن تحتكر الحكومة اللبنانية السلاح. فإيران لا تريد أن يصبح "حزب الله" منزوع السلاح، في حين أن إسرائيل لا تثق بقدرة الحكومة اللبنانية على ضمان الأمن في الجنوب، ولذلك تفضّل انتهاج مسارٍ أُحادي الجانب لإحلال الأمن.
يحبّ الإسرائيليون أن يكرّروا أنهم بصدد إنشاء منطقة عازلة في الجنوب لحماية مستوطناتهم الشمالية. لكن ثمة مؤشرات كثيرة على أن تفكيرهم يتجاوز ذلك بكثير. فتسوية عشرات القرى الجنوبية ذات الغالبية الشيعية بالأرض بشكلٍ مُمنهج تبدو أقرب إلى مشروع لإعادة تشكيل الخريطة الديموغرافية على أُسس طائفية –أو بالأحرى إلى عملية تطهير عرقي– منها إلى خطةٍ ترمي إلى إرساء الأمن. يُضاف إلى ذلك أن دفع السكان الشيعة في جنوب لبنان شمالاً باتجاه صيدا وبيروت، واعتماد النهج نفسه في البقاع الجنوبي، ومحاولة إفراغ ضاحية بيروت الجنوبية من مئات الآلاف من سكانها ذوي الغالبية الشيعية ودفعهم نحو مناطق غير شيعية، كلها إجراءات تهدف في حقيقة الأمر إلى تأجيج التوتّرات الطائفية في لبنان.
يُعيد هذا النهج إلى الأذهان ما كتبه قبل نحو عقدٍ من الزمن أحد أتباع إسرائيل الأميركيين خلال عمله في مركز أبحاث بارز مؤيّد لإسرائيل في واشنطن، حين قال إن "استقرار لبنان، طالما أنه يعني استقرار النظام الإيراني وقاعدته الصاروخية المتقدّمة هناك، لا يمثّل في الواقع مصلحة أميركية". وبالإضافة إلى أن الكاتب وضع مصالح الولايات المتحدة ومصالح إسرائيل في خانة واحدة –في تلميحٍ يكشف الكثير- فإن هذا الطرح عكَس نهجاً أكثر تشدّداً كان سائداً تجاه لبنان آنذاك، ويبدو أن حكومة نتنياهو قد تبنّته اليوم.
إن عدم الاستقرار مفتوح الأُفق في لبنان وسورية وغزة والضفة الغربية ليس سوى بُعدٍ واحد من أبعاد الصراع الأوسع الذي تخوضه إسرائيل مع إيران –وقريباً مع تركيا– على الصعيد الإقليمي. وقد سهّلت الولايات المتحدة إلى حدٍّ كبير الغطرسة الإسرائيلية انطلاقاً من اعتقادٍ خاطئ مفاده أن من مصلحتها، مع انكفائها التدريجي عن المنطقة، أن تترك خلفها قوة مهيمنة موالية لها تتولّى ضبط الأوضاع هناك. هذا هو المنطق الفعلي وراء ما يُعرف بـ"الاتفاقات الإبراهيمية"، التي يُنظر إليها باعتبارها العمود الفقري السياسي لهذا النظام الأميركي المُتخيَّل، والذي يُراد دمجه مع العمود الفقري العسكري الإسرائيلي.
لكن ما يتبلور اليوم مختلفٌ جدّاً ومثير للاهتمام أيضاً، وإن كان من غير الواضح بعد ما هي أبعاده ومدى ثباته: ثمة تحالف قيد التشكّل، يضمّ المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان ومصر وقطر، ويسعى إلى تحقيق الاستقرار في المنطقة فيما تواجه إدارة ترامب التداعيات الكارثية لحملتها العسكرية هي وإسرائيل ضدّ إيران. وقد اجتمعت هذه الدول لتحقيق هدف مزدوج: احتواء النزعة التدميرية المزعزعة للاستقرار التي تنطوي عليها السياسات الإسرائيلية، والتي تبنّتها إدارة ترامب إلى حدٍّ كبير؛ وإرساء ثقل موازن مقابل أي طرف –إسرائيل، ولكن أيضاً إيران– يطمح إلى الهيمنة الإقليمية. وهنا نشهد درساً أولياً في الواقعية السياسية، حيث عدو اليوم قد يصبح حليف الغد ضدّ حليف اليوم إذا ما سعى هذا الأخير غداً إلى فرض تفوّقه.
يتّفق هذا التكتّل من الدول على فكرة أن إسرائيل لا تستطيع أن تتوقع تطبيع العلاقات مع العالم العربي ما لم تقبل بإحراز تقدّم نحو إٍقامة دولة فلسطينية. وهو يمثّل بذلك تحدّياً مباشراً للمقاربة الأميركية القائمة على "الاتفاقات الإبراهيمية"، والتي تهدف إلى تجاوز الفلسطينيين. وكانت فلسطين مسرحاً للكثير من الخيانات، لكن رسالة هذا التحالف ترتبط في هذه الحالة بهدفٍ أكثر جوهريةً يتمثّل في التصدّي لرغبة إسرائيل في المضيّ قدماً بمشروعها الرامي إلى إعادة تشكيل المنطقة بما يخدم مصالحها، خلف ستار الفوضى. وسيؤدّي ذلك بدوره إلى انقسامٍ حادّ بين حلفاء واشنطن المفترضين في الشرق الأوسط، ما يفاقم تفكّك ما تبقّى من النظام الإقليمي الذي رعته الولايات المتحدة.
أمام هذا الاصطفاف الجليّ للقوى المتنافسة، كيف سيكون ردّ فعل الولايات المتحدة، سواء في ظل إدارة ترامب أو من سيخلفه؟ بدا في الكثير من الأحيان أن إسرائيل معصومةٌ عن الخطأ في واشنطن، حيث ما تزال تتمتّع بحلفاء نافذين. ولكن هل سيظل الأمر كذلك إذا أفضت السياسات الإسرائيلية إلى تقويض ما تبقّى من السلام الأميركي في المنطقة؟ الخطوة الأولى في هذا الاتجاه كانت دفع الولايات المتحدة إلى خوض حربٍ ضدّ إيران، ما أفضى إلى فشلٍ ذريع، وهو ما يعترف به اليوم حتى محلّلون متعاطفون مع الرئيس (يُصادف أيضاً أنهم على صلة وثيقة بإسرائيل).
إذا بدأت الولايات المتحدة تنظر إلى إسرائيل بصورة متزايدة على أنها عبءٌ إستراتيجي، وربما نكون متّجهين نحو ذلك، يُحتمَل أن يطرأ تحوّلٌ هادئ على نهج الأميركيين. فقد يعودون إلى تبنّي موقف الإهمال الحميد الذي لا يختلف كثيراً عن ذلك الذي أعقب مغامرتهم الكارثية في لبنان بين العامَين 1982 و1984، والتي جاءت بدورها نتيجة الاجتياح الإسرائيلي للبلاد. في هذه الحالة، قد تُدفَع إسرائيل إلى إعادة تقييم حساباتها.
*مايكل يونغ: محرّر مدوّنة "ديوان" ومدير تحرير في "مركز مالكوم كير– كارنيغي للشرق الأوسط".