عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    11-Sep-2026

بريطانيا تحطم حاجز الخوف

 الغد

هآرتس
بقلم: ليزا روزوفسكي
 
بعد أقل من شهرين على تولي اندي برنهام رئاسة الوزارة البريطانية، حطمت بريطانيا حاجز الخوف، وأعلنت أن الاحتلال الاسرائيلي في الضفة الغربية وقطاع غزة غير شرعي، وأنها ستحظر التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية وتفرض عقوبات على من يعملون على توسيعها. وقد تطور هذا الإعلان على مدى اشهر. ساعات من النقاشات والمداولات في أروقة وزارة الخارجية في لندن، ومحاولات استمالة المسؤولين ومتخذي القرارات في القدس، وضغوط من نواب حزب العمال وسقوط حكومة ستارمر التي اعتبرت نفسها مقيدة بالتزامها تجاه الجالية اليهودية، لا سيما ازدياد الضغط الشعبي على هذه القضية التي أصبحت من القضايا الرئيسية في الخطاب السياسي البريطاني، مثلما هي الحال في الكثير من الدول الأوروبية الأخرى – كل ذلك شكل خطوة هامة في مجال السياسة الخارجية البريطانية.
 
 
 وقد تضافرت هذه العمليات الداخلية في بريطانيا مع ازدياد عنف المستوطنين وطرح مناقصة البناء في منطقة "إي 1" خلافا للوعد الذي قطع لبريطانيا وغيرها من الدول الأوروبية الكبرى بشأن هذه القضية. ولكن قد يكون هناك سبب آخر لتوقيت هذه الخطوة: الانسحاب الأميركي الثلاثي.
 أولا، إدارة الرئيس دونالد ترامب متورطة في الأزمة المستمرة المتعلقة بإيران ومضيق هرمز، وليست حرة وليست في أفضل وضع للقيام بدورها التقليدي كحامية لإسرائيل. ثانيا، سئمت الإدارة الأميركية من حكومة نتنياهو على خلفية فشل خطة ترامب في غزة واستمرار دعمها للإرهاب اليهودي في الضفة الغربية. ثالثا، تشمل الأيديولوجيا الهجينة التي تتسم بالفوضى والاندفاع عناصر انفصالية، كما نذكر، وقد حددت عقيدة ترامب في السياسة الخارجية التي نشرت في السنة الماضية، هدف الانسحاب الأميركي من الشرق الأوسط لصالح مناطق أخرى في العالم. أن التورط الإيراني ومشروع غزة الطموح لا يسمحان بتحقق هذا الانسحاب عمليا، لكن لماذا تتدخل واشنطن في قضايا أخرى؟ وهكذا، لم تتحقق المخاوف والتقارير البريطانية بشأن احتمالية شن أميركا حرب جمركية ضد بريطانيا ردا على تحركها ضد المستوطنات حتى الآن. على سبيل المثال، عندما سئل وزير الخارجية ماركو روبيو عن هذه المسألة امتنع عن الإشارة مباشرة إلى الإجراءات البريطانية، بل المح بانه لا يختلف جوهريا مع تصور بريطانيا للواقع في الضفة الغربية، وقال: "نحن نتشارك هدف الاستقرار، ولا نريد مشاهدة تصاعد في العنف والتوترات في الضفة الغربية". باستثناء مايك هكابي، السفير الأميركي في إسرائيل والصديق المقرب من حكومة نتنياهو، والنائب الجمهوري راندي باين، لم يهب أي احد في أميركا لحماية المستوطنات.
 بالنسبة لبرنهام تعتبر هذه الخطوة قبل أي شيء الدليل على قدرة بريطانيا على القيادة والتمسك بالمبادئ، كما كتب في منشور في "اكس" واصدر تصريح مشابه في البرلمان. قبل أسبوع تقريبا من الإعلان وخلال زيارة الرئيس الفرنسي عمانويل ميكرون في لندن، اتفق هو وبرنهام على انضمام فرنسا الى مقاطعة منتجات المستوطنات، وانضمت كندا، العضو في مجموعة السبعة، إلى هذه الخطوة أيضا. وهكذا، بعد سنة على "انجرارها" وراء باريس في الاعتراف بالدولة الفلسطينية، تمكنت لندن من أن تكون في صدارة اهم خطوة حتى الآن في مقاطعة المستوطنات في الضفة الغربية.
هذا بمعنى معين هو تكرار لـ"التسونامي السياسي" الذي شاهده السنة الماضية: ففي اجتماع قادة الجمعية العمومية في شهر أيلول أصدرت عدة دول غربية إعلان مشترك يعترف بالدولة الفلسطينية، في حين التقى ممثلو ثماني دول إسلامية إقليمية مع الرئيس ترامب في نفس الوقت، وفي الاجتماع الذي نتجت عنه خطة العشرين بند لغزة، التي أدت في نهاية المطاف إلى وقف إطلاق النار. يصعب تصديق أن اجتماع القادة في نيويورك في هذه السنة سينتج عنه أي تحرك واسع النطاق، لا سيما مع اقتراب موعد الانتخابات في إسرائيل.
 أيضا انضمت عدة دول أوروبية أخرى إلى بيان يسمح بتفسير واسع يدعم حل الدولتين، ويدين ضم الأراضي الفلسطينية وتهجير الفلسطينيين، ويعرب عن نية – غامضة بنسبة معينة – تقييد التجارة مع المستوطنات. في الحقيقة تنقسم الدول الـ12 التي وقعت على الإعلان إلى عدة مجموعات: بريطانيا وفرنسا وكندا، التي أعلنت عزمها على سن تشريعات مناسبة في البرلمان، ودول مثل إسبانيا وأيرلندا، التي حظرت بالفعل التجارة مع المستوطنات في داخل حدودها، ودول مثل السويد والدانمارك تدعم هذه الخطوة، لكنها لا تهتم أو غير مستعدة للعمل بشكل منفرد، بل كجزء من الاتحاد الأوروبي، ودول مثل فنلندا التي ما زالت غير مؤكدة من دعمها لمقاطعة شاملة لمنتجات المستوطنات على المستوى الأوروبي، ودول مثل بولندا التي صرح سفيرها بان بلاده مستعدة لفحص اتخاذ إجراء احادي الجانب ضد منتجات المستوطنات، لكنها تفضل العمل مع الاتحاد الأوروبي.
 وتشير فرنسا ايضا الى ان العمل الأوروبي المشترك ما يزال الخيار المفضل لها. فإلى جانب رغبتها في مواصلة مسيرة الاعتراف بالدولة الفلسطينية، بدعم من بريطانيا، يكمن وراء الخطوة الفرنسية أيضا الإحباط من المازق الذي وصلت إليه المبادرة الفرنسية – السويدية لتقييد التجارة مع المستوطنات في الاتحاد الأوروبي. ومن المفهوم في فرنسا إن الخطوة التي أعلنت عنها قد لا تؤتي ثمارها على الإطلاق. فمثلما هي الحال في بريطانيا وفي كندا سيحتاج حظر منتجات المستوطنات إلى تشريع مطول في فرنسا، ومع ذلك، فبينما يوجد أمام الحكومة البريطانية الحالية مهلة حتى العام 2029، فستجرى الانتخابات الرئاسية في فرنسا في وقت مبكر في شهر نيسان القادم. وإذا لم يتم استكمال التشريع حتى ذلك الحين فليس من المستبعد أن تتخلى الحكومة القادمة عن المشروع، لا سيما اذا كانت حكومة يمينية متطرفة، وهو سيناريو مرجح جدا بالنظر إلى الاستطلاعات في فرنسا.