"سردية محمود درويش الشعرية".. قراءة في تحولات القصيدة والهوية والذاكرة
الغد-عزيزة علي
يقدّم الناقد والأكاديمي الأردني الدكتور خليل الشيخ في كتابه الجديد "سردية محمود درويش الشعرية: دراسة في تشكّلات القصيدة وتحوّلاتها"، قراءة شاملة لمسيرة محمود درويش الشعرية، متتبعًا تحولات قصيدته من البدايات إلى أعماله الأخيرة، وما رافقها من تطور في اللغة والرموز والصور والرؤى.
ويضع الشيخ شعر درويش بوصفه مشروعًا شعريًا متناميًا، انتقل من التعبير المباشر عن القضية الفلسطينية إلى آفاق أكثر اتساعًا تتداخل فيها أسئلة الهوية والذاكرة والمنفى والمكان والحب والموت، مع التركيز على البعد الفني والجمالي للنص بعيدًا عن اختزاله في القراءة السياسية أو الوثيقة التاريخية.
وتتناول الدراسة مسيرة درويش منذ "عصافير بلا أجنحة"، الصادر عام 1960، والذي حذفه لاحقًا من تاريخه الشعري، وصولًا إلى "لا أريد لهذي القصيدة أن تنتهي"، الصادر بعد وفاته.
ويعتقد الشيخ أن شعر درويش انتقل من بدايات بسيطة إلى تجربة شديدة التركيب، تطورت خلالها اللغة والرموز والمجازات والدلالات، واتسعت آفاقها الجمالية والتأويلية.
ويرى المؤلف أن تجربة محمود درويش الشعرية تشكلت في ظل النكبة وما رافقها من تهجير واقتلاع وتغييرات في هوية المكان، إذ واجه درويش ورفاقه تحدي الكتابة بالعربية في واقع فلسطيني شديد التحول.
وتنعكس تجربة الرحيل والعودة في أعمال درويش، ولا سيما "لماذا تركت الحصان وحيدًا"، "طللية البروة"، التي استعاد فيها مسقط رأسه بوصفه مكانًا غائبًا تحوّل إلى رمز شعري.
وفي بداياته، عبّر ديوان "عصافير بلا أجنحة"، عن شعور فلسطينيي الداخل بالعزلة والانقطاع عن محيطهم العربي، قبل أن تتطور التجربة في "العصافير تموت في الجليل".
ومع إقامته في حيفا، بدأت قصيدته تتجه نحو وعي أكثر وضوحًا بالقضية الفلسطينية، متأثرة بالواقع السياسي والاجتماعي، كما في "بطاقة هوية"، "عاشق من فلسطين". وبمرور الوقت، طور درويش لغته ورموزه، مستندًا إلى التراث الشعري العربي الحديث، ولا سيما شعر المقاومة، ليبني قصيدة تجمع بين البعد الوطني والإنساني والجمالي.
ويشير الشيخ إلى أن درويش عمل في مراحل لاحقة على تعميق رؤيته لفلسطين ومأساتها، وتحريرها تدريجيًا من المباشرة السياسية والأيديولوجية، لتأخذ أبعادًا إنسانية وحضارية أوسع.
ويعدّ الشيخ "عاشق من فلسطين"، محطة مهمة في بناء صورة فلسطين في شعر درويش، إذ بدأت فلسطين تتحول من قضية سياسية إلى فضاء رمزي وحضاري متصل بتاريخ المنطقة، فيما أصبحت رموز مثل الزيتونة جزءًا أساسيًا من السردية الشعرية الفلسطينية.
ومع "آخر الليل"، الصادر عام 1967، بدأت لغة درويش تشهد تحولًا نحو مزيد من التكثيف والغموض والتوتر، وصولًا إلى إعادة تشكيل اللغة والذات والعالم في أعمال لاحقة، ولا سيما "تلك صورتها وهذا انتحار العاشق".
كما أسهم سفر درويش ومشاركته في مهرجان الشباب العالمي في صوفيا عام 1968، ثم إقامته في موسكو والقاهرة، في فتح مرحلة جديدة من تجربته عُرفت بـ"سردية الخروج". وأدى الخروج من فلسطين إلى تحولات واسعة في حياته وشعره، واتسعت معه دائرة التلقي، بينما ظلت ثنائية الخروج والعودة، والحرية والقيد حاضرة في قصيدته حتى أواخر سبعينيات القرن الماضي.
ويتوقف الشيخ عند ثنائية الخروج والعودة في شعر درويش، وما ارتبط بها من ثنائية الحرية والقيد، موضحًا أن البحر والنهر والصحراء تحولت إلى رموز أساسية في بناء سردية الرحيل والتحول والبحث عن الهوية.
كما يرصد حضور التراث الشعري العربي في تجربة درويش، من امرئ القيس وجميل بثينة والمتنبي وأبي فراس إلى المعلقات والطللية والأندلس، مشيرًا إلى توظيف الشاعر لهذه المرجعيات في قراءة الحاضر واستعادة الماضي، ولا سيما في ديوان "أحد عشر كوكبًا"، الذي يستعيد مأساة خروج العرب من الأندلس بوصفها صدى لتجربة فلسطينية معاصرة.
ويمنح الشيخ الكتابة مكانة محورية في سردية درويش؛ فهي وسيلة لاستعادة الذاكرة وبناء الهوية وامتلاك المعنى، وفيها تتقاطع الحكاية الفلسطينية مع التاريخ واللغة والمكان. ومن هنا تتخذ الكتابة لدى درويش بُعدًا يتجاوز التعبير الشعري إلى تثبيت الوجود والحق في الأرض، في علاقة وثيقة بين الأرض واللغة والذاكرة.
وتواصل الدراسة تتبع علاقة درويش باللغة والأسطورة، إذ يرى الشيخ أن اللغة كانت جوهر الهوية ووسيلة لمواجهة الغياب، فيما أتاحت الأسطورة للشاعر بناء نصوص أكثر كثافة، وربط التجربة الفلسطينية بأسئلة إنسانية أوسع تتصل بالحب والموت والخلود.
كما يتوقف الكتاب عند حضور الأندلس في شعر درويش، بوصفها تجربة تاريخية تستدعي فلسطين من خلال المماثلة، وتحوّل المكان التاريخي إلى مساحة للحنين والذاكرة.
ويرصد الشيخ كذلك سرد الشخصيات في شعر درويش، منذ ديوان "أعراس"، وصولًا إلى "لا أريد لهذي القصيدة أن تنتهي"، حيث استحضر الشاعر شخصيات أدبية وثقافية وسياسية، وحوّل سيرها الفردية إلى جزء من الذاكرة الجماعية. وتمتاز هذه القصائد، بحسب الدراسة، بتعدد الأزمنة والأمكنة والحوار والحركة، وبقدرتها على الجمع بين السيرة الشخصية والسردية الفلسطينية الأوسع.
وتتناول الدراسة أيضًا سردية الذات والآخر، من خلال تطور صورة الشاعر وأبيه وأمه، وانتقالها من الغنائية المباشرة إلى مستويات رمزية وأسطورية أكثر تعقيدًا، إضافة إلى شخصية ريتا التي رافقت تجربة درويش الشعرية وتحولت صورتها عبر دواوينه من شخصية واقعية إلى رمز متعدد الدلالات.
ويتناول الكتاب حضور الجندي في شعر درويش، من صورته الإنسانية في "الجندي الذي يحلم بالزنابق البيضاء"، إلى صور أكثر تعقيدًا في أعمال لاحقة، حيث يناقش الشاعر علاقة الجندي بالهوية والضحية والحرب.
ويختتم الشيخ دراسته بسردية الرحيل والموت، متوقفًا عند "الجدارية"، "لاعب النرد"، حيث يتحول الموت من موضوع يتصل بالشهداء والأصدقاء إلى هاجس شخصي لدى درويش.
ففي "الجدارية"، يتداخل الموت مع أساطير الحضارات القديمة ورموز الحياة والخصب، بينما تبدو "لاعب النرد"، أقرب إلى تأمل شعري في الموت.
وتنتهي سردية الرحيل بوفاة درويش في مستشفى هيوستن عام 2008، ودفنه في رام الله، لتغلق الدراسة مسارًا شعريًا امتد لنحو خمسة عقود، انتقلت خلاله تجربة الشاعر من سردية المكان والفقد إلى أسئلة الهوية والذاكرة والموت والوجود. ويتوقف خليل الشيخ عند ثنائية البيت والطريق في شعر درويش، موضحًا أن الشاعر فكّر في منتصف الثمانينيات بكتابة سيرة للبيوت التي عاش فيها، لكنه لم ينفذها، وظل البيت مع ذلك حاضرًا بوصفه رمزًا للهوية والذاكرة والانتماء، ومرتبطًا بالشخصيات التي استحضرها في شعره.
وفي مقابل البيت، مثّل الطريق والمنفى مساحة للتحول؛ إذ رأى درويش أن المسافة قد تمنح المكان الغائب قيمة رمزية مضاعفة، وأن الطريق إلى البيت قد يكون أكثر حضورًا من البيت نفسه.
كما أثرت المدن التي عاش فيها درويش، من حيفا وموسكو والقاهرة وبيروت وباريس ورام الله وعمّان، في تجربته الشعرية، وتحولت أنهارها وبحارها إلى رموز للهوية والذاكرة والتحول. فحضر النيل بوصفه علامة على الانتماء العربي، فيما ارتبطت بيروت بالبحر والخروج، بينما عدّ درويش باريس محطة أساسية في نضجه الشعري، حيث كتب فيها عددًا من أبرز أعماله.
وتكشف هذه المدن، في قراءة الشيخ، عن علاقة درويش بالمكان بوصفه تجربة متحركة بين البيت والمنفى، والذاكرة والرحيل، والهوية والتحول.
يوضح خليل الشيخ أن دراسته تنظر إلى شعر محمود درويش بوصفه مشروعًا متناميًا ومتجددًا، لا تجربة ثابتة، وتسعى إلى تتبع تحولات القصيدة وتنوعها واكتشاف الخيط الناظم لها، بعيدًا عن اختزالها في بعدها السياسي أو التعامل معها بوصفها وثيقة للتاريخ الفلسطيني.
ويركز البحث على التحولات الفنية والجمالية في شعر درويش، من المونولوغ إلى الحوار، ومن الوضوح إلى الغموض، ومن قصيدة البطولة إلى شعر الشخصيات والهامش واليومي، مع تتبع تطور الرموز والصور والأمكنة في مراحل تجربته المختلفة.
وخلص الشيخ إلى أن الدراسة لا تسعى إلى صناعة هالة أسطورية حول درويش أو نزعها عنه، بل تجعل النص الشعري نفسه منطلقًا للقراءة النقدية، متتبعة نقاط التحول من البدايات إلى الأعمال الأخيرة، ومتحاورة مع قصائده دون مصادرة معناها أو افتراض نوايا الشاعر، بهدف الكشف عن تطور مشروعه الشعري وثرائه وتعدد مستوياته.