عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    11-Jun-2026

عن العلاقة بين المعرفة، والأخلاق، والسلطة..! (2/1)*علاء الدين أبو زينة

 الغد

يقول المؤرخ «الإسرائيلي» المعروف إيلان بابيه في مقابلة:
«... بل إن الأكثر إدهاشًا هو أنك إذا استطعتَ أن تتحدث، من وقت لآخر، مع مثقفين، وأكاديميين، وسياسيين في هذا البلد (بريطانيا)، وفي القارة، وفي الولايات المتحدة، الذين ما يزالون يدعمون إسرائيل؛ مع أناس هم متعلمون، وأصحاب معرفة، وفصيحون للغاية، في أي موضوع آخر في العالم سوف تحترم الطريقة التي يتحدثون بها، والمعرفة التي يجلبونها وسوف تتعلم شيئًا. ولكن عندما يأتي الأمر إلى إسرائيل، فإن بعضًا من أكثر الناس عمقًا وفصاحة، سواء كانوا من الساسة أو الصحفيين أو الأكاديميين، يظهرون بمثل هذا الغباء. إنهم يرددون كالببغاوات السردية الإسرائيلية من دون أي انتقاد، ومن دون تشغيل أي من الملَكات التي لديهم عندما يفحصون أي شيء آخر في العالَم.
 
 
«وهو شيء ينبغي تحليله. لقد كتبتُ الكثير من الكتب وإلا لكنتُ كتبتُ كتابًا عنهم. إنه شيء يستحق كتابة كتاب عنه حقًا. إنه ما أسميه ’الغباء الأخلاقي‘ moral stupidity، وهو شيء لا يُصدق... إنه محرج جدًا، وهو شيء ينبغي تحليله. إنه أشبه باستعدادك للحطّ من قدر نفسك، كمفكر، كباحث، كصحفي أو سياسي -ومن أجل إرضاء ماذا؟ من أجل إرضاء دولة ترتكب إبادة جماعية يومية؛ إلا إذا كنتَ مستعدًا حتى لتدمير النظام القانوني الدولي نفسه». (انتهى الاقتباس)
يتحدث بابيه بشكل خاص عن مثقفين في أوروبا وأميركا؛ عن بيئة تعرّض فيها الجميع كلّ أعمارهم لسردية سائدة قوية وأحادية عن الشرق الأوسط، كشيء أقرب إلى الدّين واليقين، شكلت جزءًا من تكوينهم المعرفي والأخلاقي. ومع ذلك، يُدهشه غياب الوضوح الأخلاقي لدى البعض عندما يتعلق الأمر بقضية إنسانية مركزية مثل القضية الفلسطينية، شرعت سرديتها المضادة حديثًا فقط في تحدي سردية الكيان الراسخة.
لكن الشعور كان ليتجاوز الدهشة إلى شيء فظيع لا يوصف ولا يصدق لو أن بابيه عايش الظاهرة الموازية في العالم العربي؛ موطن السردية التي نشأ عليها العرب كخبرة حياة! سوف سيجد مثقفين أو إعلامين أو ساسة عربًا يشتغلون بنقد وتفكيك مقاومة المشروع الأميركي-»الإسرائيلي» بحدة أكثر بكثير من التي ينتقدون بها قطبي هذا المشروع نفسه (وبذلك يُمكّنون موقف «إسرائيل» مثل مثقفي بابيه في نهاية المطاف). بل إن البعض منهم يخصصون جل مواردهم الفكرية والبلاغية لنزع الشرعية عن المقاومات المناهضة لهذا المشروع وتجريمها، بينما يجلبون الاستعمار والاحتلال والهيمنة الخارجية أقرب إلى الطبيعية باعتبارها «حقائق» و»وقائع» أو «معطيات موضوعية» لا بديل عن التكيف معها والكف عن محاولة تغييرها.
من المهم هنا التمييز بين فئات مختلفة من أصحاب هذا الموقف. ثمة أولًا من يعارض فكرة المقاومة انطلاقًا من رؤية سياسية حقيقية، تستند إلى اعتقاد بأن العمل المسلح فاشل أو مكلف، أو يفضي إلى نتائج أسوأ. وقد يكون المبعث إشفاقًا وألمًا من حجم الخسائر في صراع غير متكافئ بوضوح –كما هو حال كل صراع بين قوة استعمار أو هيمنة وحركة تحرر. والمتوقع من هذا الموقف أن يسفر عن لوم -وإنما متعاطف- للمقاومات، مع اقتراح بدائل كفاحية حسنة النية -ليس من بينها أن تُعدم المقاومة نفسها جملة وتفصيلًا لتموت معها القضية.
في الأساس، قد يختلف أبناء حركات التحرر حول الوسائل؛ حول جدوى العنف، وحول التوقيت والاستراتيجية. لكنّ المشكلة تنشأ عندما يتحول النقد إلى مظهر لاختلال في الميزان الأخلاقي. عندما يصبح الاستعمار والهيمنة أحداثًا هامشية بينما تصبح المقاومة هي المشكلة المركزية. عندما يُطلب من الضحية أن تبرر وجودها أكثر مما يُطلب من القوة العدوانية أن تبرر سلوكها. وعندما ينصب الجهد على تكفير فعل المقاومة، بينما يتم تفسير أعمال السلطة والقوة باعتبارها «ضرورات أمنية» أو «ردود فعل»، أو «استجابة طبيعية لضرورات القوة». بذلك تصبح المقاومة هي الظاهرة غير الطبيعية، بينما تحقُّق الهيمنة سيرورة طبيعية للتاريخ.
من المفارقات أن الكثير من أصحاب هذا الخطاب يطبقون في قضايا أخرى معايير مختلفة تمامًا. إنهم يدافعون ببراعة -على المستوى النظري- عن حق الشعوب في مقاومة الاستعمار في أي مكان آخر ويحتفون بحركات التحرر في التاريخ القديم والحديث. لكنهم عندما يصلون إلى فلسطين أو لبنان -أو أي ساحة يشتبك فيها أحد مع الكيان والأميركان، يتغير المعيار فجأة: ما كان يُسمى «مقاومة» يصبح «مغامرة»؛ وما كان يُسمى «تحررًا» يصبح «فوضى»؛ وما كان يُدان بوصفه استعمارًا يتحول إلى «واقع يجب التكيف معه».
هل هو «غباء أخلاقي»، كما وصفه بابيه؟ في بعض الحالات، نعم. ثمة غياب غير مُفسر للعقل النقدي عن بعض المواقف –أو على الأقل تعطيل «غير ذكي» لعمله بحيث يعمى عن تعقب جدلية العلاقات وتعددية التفسيرات والمنظورات في موضوع معيّن فقط، ومعاملته على طريقة العقائديين الدوغمائيين.
سوف يصعب تعليق هذا العطل عند «مفكرين» مُفترضين على جهل اتفاقي بالواقع، ويغلب أن يكون تعليقًا واعيًا مؤقتًا للقدرة على الربط بين المبادئ والنتائج. ثمة شخص تعرف أنه قادر على تحليل الاقتصاد العالمي، أو نقد الاستبداد المحلي، أو تفكيك خطاب الهيمنة الثقافية، لكنه عندما يتحدث عن المقاومة في المنطقة يتبنى فجأة خطابًا أحَديًا حادًا يتجاهل التاريخ والسياق ومتغيرات عدم تكافؤ القوة -وكأن العقل النقدي يعمل عنده في كل الغرف، لكنه يتوقف عند باب غرفة واحدة. وهو موقف لا يبدو أن «الغباء» هو الذي يفسّره.