هل يحق للعربي الكلام؟ قراءة في برنامج «نقاش الساعة» على «الجزيرة»|هشام روحانا
الأخبار-
هشام روحانا
الجمعة 10 نيسان 2026
في "نقاش الساعة" على قناة "الجزيرة" لا تُعرض الأحداث فحسب، بل يُعاد توزيع مَن يملك حق تمثيلها، لا إنتاج معناها فقط، بل تقديمه وابتكاره. ما يبدو "نقاشاً" هو في الحقيقة مسرح تُرتَّب فيه الأدوار سلفاً: مَن يحدّد الإطار، مَن يتكلّم داخله، ومَن يُستدعى ليمنح المشهد هيبته. وفي ظلّ صراع دموي حاد يتمثّل في العدوان الأميركي–الإسرائيلي على إيران، بوصفه ذروة صراع ممتدّ لعقود في المشرق، يُركَّب "بانل" من خبراء ومتحدثين، لا ليعكس توازناً فعلياً، بل ليُنتج وهم التوازن والموضوعية.
ويتألّف هذا "البانل" من شخصيات ثابتة وأخرى متبدّلة، غير أنّ المفاجأة تكمن في الصوت الإيراني: واثق، فصيح، ومتماسك، يجسّده د. حسن أحمديان، وهو ضيف دائم. وفي أحيان أخرى تحضر خبيرة في الشأن الأميركي، نيغار مرتضوي، ذات الأصول الإيرانية أيضاً، لتقدّم مقاربة تميل إلى تبنّي السردية الإيرانية في هذا الصراع المحتدم. ولا يمكن ردّ حضور صوتين يتولّيان الدفاع عن إيران—وكلاهما من أصول إيرانية—إلى محض صدفة بريئة؛ فالتكرار هنا لا يمرّ بلا أثر، بل يصنع نمطاً، والنمط حين يستقرّ يتحوّل إلى بنية تعيد إنتاج نفسها وتمنح بعض الأصوات قدرة مستمرّة على تحديد المعنى. ويكاد المعنى أن يتبدّى بوضوح: تُصوَّر إيران معزولة، لا يجد خطابها مَن يدافع عنه داخل هذا الشرق إلا أصوات تنتمي إليها.
هذا "البانل"، المُركَّب بحرفية عالية تخدم أجندات غير مُعلَنة، يضمّ شخصيات أميركية يتصدّرها تيم كونستانتين، وهو صحافي وصانع محتوى، يُمنَح ألقاباً تتجاوز موقعه الفعلي، ويُقدَّم أحياناً كما لو كان نائب رئيس تحرير في الـ"واشنطن تايمز"، ليعرض وجهة النظر الأميركية بحدّة وصلافة. ومن اللافت أن تظهر إلى جانبه أحيانًا سيدة أردنية المولد، هيام نعواس، لتتحدث بالإنكليزية إلى جمهور عربي، رغم امتلاكها لساناً عربياً قادراً على التعبير بحدّة، فتُقدَّم بوصفها صوتاً يعبّر عن موقف المؤسسة الأميركية بكل عنجهيته، فيما تُغدق عليها ألقاب لا تعكس حقيقتها. وإذا ما وُضعت إلى جانب سائر الضيوف العرب، بدت الأكثر استلاباً وانصياعاً للخطاب الأميركي المهيمن.
أمّا سائر الضيوف، فينتمون في الغالب إلى بيئة خليجية، أو يعملون في مؤسسات ثقافية أو بحثية مرتبطة بقطر، أو ضمن مؤسسات مرتبطة بالقناة ذاتها، كما في حالة العميد إلياس حنا، الخبير العسكري. وهؤلاء الخبراء العرب، فعلى كثرتهم وتنوّع مواقعهم، لا ينتجون اختلافاً حقيقياً بقدر ما يعيدون توزيع أدوار داخل الإطار ذاته. يظهرون ككتل متعددة، لكنهم يتحركون ضمن منطق واحد: هذا ينتقد، وذاك يحلّل، وثالث يوازن، ورابع يقدّم قراءة تقنية، من دون أن يبلور أيّ منهم سردية عربية متماسكة أو أفقاً مستقلًا للفعل. هكذا تتحول هذه التعددية إلى تقاسم وظيفي للأدوار، لا اختلافاً فعلياً في المواقف، فيبقى الصوت العربي حاضراً في العدد… وغائباً في القدرة على إنتاج المعنى.
إنّ حضورهم ليس محايداً، بل يؤدي جملة من الوظائف المتداخلة: أولاها خلق وهم الحيادية والموضوعية، وثانيها تقديم العربي بوصفه طرفاً محايداً في صراع ضد الهيمنة، وثالثها اللعب على ضفاف التقابل السني–الشيعي، بما يخدم إزاحة الصراع وزجه نحو إعادة تصوّره بوصفه صراعاً خليجياً–إيرانياً.
وعند النظر إلى المشهدية كاملة، يتبدّى أنّ فعل مقاومة الهيمنة يُسند إلى غير العربي—الإيراني هنا—فيُعزل عن أيّ دعم عربي داخل هذا "البانل"، رغم كثرة المثقفين والخبراء العرب المؤيدين له، لتبقى مهمة الدفاع عنه حكراً على أصوات إيرانية. ويبدو أنّ هذا النمط ينطوي على قصدية مُبيّتة، بحيث يُعاد تقديم العربي إمّا بوصفه محايداً، أو مُديناً لإيران، أو يُقصى من المشهد أصلًا عبر عدم استدعائه إليه. ومع أنّ إيران لاقت دعماً من جبهات عربية عديدة، فإنّ هذه الأصوات لا تُستَنطَق داخل هذا المشهد، أو تُسفَّه بوصفها "أذرعاً" أو "وكلاء".
ويُصوَّر العربي هنا إمّا كمراقب حيادي منزوع الصلة بالصراع ضد الهيمنة، أو كضحية تتقاسمها أطماع الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران. وحين يُترك الدفاع عن قضيته لصوت غير عربي، هو الأكثر تماسكاً، يصبح الاستنتاج جاهزاً: المقاومة ليست شأناً عربياً. لا يُقال ذلك صراحة، لكنه يتكوّن في ذهن المشاهد بوصفه بديهة. لا يُقصى العربي عن قضيته فحسب، بل يُعاد تغريبه عنها.
نحن، إذاً، أمام هندسة كاملة للأداء. يتوزّع الفعل بين مَن يملك الكاريزما والحضور، ومن يُقدَّم بوصفه محلّلًا موضوعياً في هيئة حكم نهائي، يصف الوقوف في وجه الهيمنة بأنه "انتحار"، أو ذاك الذي لا يتردّد أحياناً في الدعوة صراحة إلى أفعال أميركية تمسّ المواطن الإيراني العادي. وإلى جانب ذلك، تُوزَّع الألقاب على غير مستحقيها، فتمنحهم سلطة تسبق الكلام. كما تؤدي اللغة دوراً حاسماً في إعادة ترتيب السلم الرمزي: فحين يتحدّث ضيف عربي بالإنكليزية عبر مترجم—رغم إتقانه العربية—فهو لا يغيّر وسيلة التعبير فحسب، بل يستولي على مكانة ليست له. ومع علم معدّي البرنامج بذلك، يصعب اعتبار الأمر سهواً؛ بل يشي بقدر من التواطؤ في إنتاج معنى في غير موضعه.
وهكذا يُعاد إنتاج العربي على مشهدية قناة "الجزيرة" بوصفه إمّا حيادياً، أو محللًا وسيطاً، أو صوتاً مشوّهاً قادماً من خارج المكان. العربي حاضر في الصورة… وغائب في الفعل.
* كاتب فلسطيني