الغد
إسرائيل تسعى إلى جعل «يهودا والسامرة» خاليةً من الفلسطيني، والمستوطنون ميليشياتها المسلحة مستعدة لتنفيذ ذلك. قد لا تُقدم إسرائيل على تهجير جماعي معلن من الضفة الغربية لارتفاع كلفته السياسية، ولكنها، منذ أوسلو، تعمل على تقويض جميع مقومات عيش الفلسطيني حتى يخرج مُكرَهاً، ثم يُسمّى رحيله «هجرة طوعية».
الحياة اليومية ضنك، والوضع الاقتصادي شبه منهار، والسلطة تُمنَع عنها أموال الرواتب، والمدارس مشلولة، وعُطِّل ثلثا قوة العمل الفلسطينية في إسرائيل، حتى قطاف الزيتون صار معركة يومية. وقانوناً، أكدت محكمة العدل الدولية، في رأيها الاستشاري الصادر سنة 2024، أن النقل القسري لا يشترط استخدام القوة المادية، بل يتحقق أيضاً عندما لا يبقى للسكان خيار سوى الرحيل. وخلصت المحكمة إلى أن سياسات إسرائيل وممارساتها، بما فيها الإخلاء القسري وهدم المنازل والقيود المفروضة على الإقامة والتنقل، تخالف الحظر المفروض على النقل القسري للسكان المحميين بموجب المادة 49 من اتفاقية جنيف الرابعة. ويشكّل النقل القسري غير المشروع جريمة حرب. هذا التقويض الممنهج لمقومات الحياة يجعل الصمود على الأرض أهم قيمة في نضال الفلسطيني.
لذا فإن دعم صمود الفلسطيني على الأرض هو معركتنا قبل الجسر؛ فصموده مصلحة أردنية عليا. ولقد عدّ الأردن التهجير القسري نحوه وإنتاج الظروف المؤدية إليه إعلان حرب وإخلالاً بمعاهدة السلام، وأكد جلالة الملك في الأمم المتحدة أن التمسك بالدبلوماسية لا ينبغي تفسيره ضعفاً. والمطلوب أن تنشغل الدولة والأحزاب والمثقفون بتحويل هذا الموقف إلى واقع عملي على الأرض. فكيف ندعم الصمود الفلسطيني؟
أكثر العوامل الفلسطينية إضعافاً للصمود هو الانشطار الفلسطيني. اتخذ الأردن مساراً «مؤدباً» في التعامل معه، تحت عنوان عدم التدخل في الشأن الفلسطيني، لكن هذا لم يعد مجدياً. يجب أن يمارس الأردن، وربما بدعم مصري، ضغطاً على السلطة وبقية الفصائل لتوحيد المؤسسات والقرار الفلسطيني، وإعادة منظمة التحرير إلى المشهد. ويوفر اتفاق بكين، الذي وقّعته الفصائل، أساساً متفقاً عليه لوحدة فلسطينية، والمطلوب الضغط لتنفيذه. من غير المعقول أن تتصدر المشهد النضالي سلطة منهكة سياسياً وفصيل منهك عسكرياً، وأن يدفع انقسامهما الشعب إلى مزيد من المعاناة التي تمثل وقوداً للتهجير الذي يُسمّى «طوعياً».
ويواكب ذلك ضغط على إسرائيل للإفراج عن أموال السلطة المحجوزة لديها، وضمان وصول المزارعين إلى حقولهم، ووقف الاعتداءات والتوسع الاستيطاني. على عمّان أن تستمر في عملها الدولي الدؤوب لحشد شركائها لوقف ممارسات إسرائيل في الضفة الغربية. إن قيادة جهود تأسيس موقف عربي لهذا الأمر، على صعوبته، جهد لا بد منه، ولا بد من ترجمة نتائج هذا التحرك ميدانياً. فتمويل الصمود يفقد أثره حين تتجدد الخسارة أسرع مما تُعوَّض.
الشعب الفلسطيني، كما كان دوماً، رأس الحربة في تدعيم صموده على الأرض. فمشروع موسى العلمي في تدعيم الصمود الشعبي قبل النكبة وبعدها مثال شعبي ملهم على ذلك. بعد النكبة، جمع الزراعة والتعليم والتدريب، وربط المساعدة بالعمل والقدرة على الكسب. وقد أتاح الأردن أرضاً قرب أريحا لهذا المشروع، وقدّم له المرحوم الملك الحسين تبرعاً شخصياً لاستمراريته. وهناك مؤسسة التعاون، التي تدعم التعليم والتنمية، وصندوق ووقفية القدس، الذي يساند أهل المدينة ومؤسساتها، ومؤسسات متعددة. هذه أذرع شعبية راكمت خبرة في جمع الموارد وإيصالها إلى الناس، ويمكن البناء عليها وتوسيع عملها.
فماذا عن مؤتمر يُعقد في عمّان لتوحيد جهود هذه المبادرات الشعبية ودعمها؟ يجمع المؤسسات الفلسطينية وممثلي المجتمعات المحلية والشتات والداعمين، ويقرّ برنامجاً مشتركاً.
ماذا عن تأسيس شركة غير ربحية تدير صندوقاً لدعم الصمود؟ والصندوق مشروع ممكن، أساسه مساهمات شعبية دورية فلسطينية وعربية وعالمية، يستقبل أيضاً تبرعات الدول ويبني عليها، بعد استكمال التراخيص اللازمة. ونستذكر هنا تجربة الصندوق القومي اليهودي، الذي جمع التبرعات لشراء الأرض ودعم الاستيطان، وكان أحد الأذرع الاقتصادية للمشروع الصهيوني قبل قيام إسرائيل!
وتكون للشركة والصندوق مرجعية فلسطينية وإدارة مهنية مستقلة عن الفصائل، وحسابات معلنة وتدقيق مستقل. وتُصرف المساعدات بحسب الحاجة لحماية الأرض ودعم الإنتاج والعمل، بمشاركة المجتمعات المستفيدة في الرقابة؛ فتكون مساهمة اقتصادية وسياسية تدعم صمود الناس على أرضهم.
هذه أمثلة على خطوات عملية على الأرض. وبهذا المعنى، تصبح معركة ما قبل الجسر جزءاً من التخطيط للأمن الوطني الأردني. تلتقي مع جهود الدولة والحكومة لمواجهة التحديات الاقتصادية للأردن أيضاً.
معيار النجاح هو أن يستطيع الفلسطيني الوصول إلى أرضه، وتأمين رزقه، ومواصلة حياته فيها. والصندوق أداة ضمن هذه السياسة؛ فحماية البقاء تحتاج إلى مال يصل، ومؤسسات تعمل، وضغط سياسي يغيّر الظروف التي تدفع الناس إلى الرحيل. بدها حركة جنابك