عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    06-Aug-2026

الوهم.. حين لا تكفي القوة العسكرية لحسم الحرب*إسماعيل الشريف

 الدستور

القصف ليس الوسيلة الأفضل ولا الأكثر استدامة لتحقيق هذا الهدف - السيناتور الأميركي كريس فان هولن.
 
وقعت الولايات المتحدة في الوهم ذاته الذي وقعت فيه الإمبراطوريات عبر التاريخ، حين اعتقدت أن القوة العسكرية وحدها كفيلة بتحقيق الأهداف. وانطلاقًا من هذا الاعتقاد، افترضت أن تفوقها العسكري الساحق في مواجهة دولة إقليمية معزولة سيضمن لها انتصارًا سهلًا وسريعًا.
 
لكنها أخفقت، حتى الآن، في تحقيق ذلك؛ فأهداف الحروب لا تُقاس بحجم القتل والدمار، ولا بعدد الغارات والصواريخ، وإنما بمدى تحقيق الغايات السياسية والاستراتيجية التي رُسمت قبل خوضها. وقد غاب عن الولايات المتحدة أن إيران تستعد لهذه اللحظة منذ أربعة عقود، وأن هدفها لم يكن هزيمة القوات الأميركية في مواجهة مباشرة، بقدر ما كان الصمود أمامها وحرمانها من تحقيق نصر حاسم.
 
درست إيران بعناية الطريقة التي هزمت بها الولايات المتحدة الجيوش التقليدية في العراق، والكيفية التي فككت بها حركة طالبان في أفغانستان قبل أن تعود الحركة لاحقًا، كما درست توظيف واشنطن لقوتها الجوية الساحقة في مختلف أنحاء الشرق الأوسط. واستنادًا إلى هذه الدروس، صاغت عقيدة عسكرية لا تقوم على مجاراة الولايات المتحدة في قوتها أو هزيمة قواتها في مواجهة مباشرة، بل على تحمّل ضرباتها، والصمود أمامها، واستنزاف قدرتها على مواصلة القتال.
 
ولتحقيق هذا الهدف، ارتكزت الاستراتيجية الإيرانية على أربعة أعمدة مترابطة. أولها القتال عبر الحلفاء؛ إذ تستعرض إيران قوتها وتسعى إلى تحقيق أهدافها من خلال حلفائها، مثل الميليشيات العراقية وحزب الله والحوثيين، الذين يسهمون في تشتيت جهود خصومها، وتوسيع نطاق المواجهة، ومنحها عمقًا استراتيجيًا وجغرافيًا إضافيًا.
 
أما العمود الثاني، فيتمثل في الطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة. ففي مقابل كلفة صاروخ اعتراضي متطور واحد، تستطيع إيران إطلاق عشرات الطائرات المسيّرة الرخيصة، فتجبر الولايات المتحدة على إنفاق ملايين الدولارات لاعتراض أسلحة لا تتجاوز كلفتها بضعة آلاف. وهذه معادلة يصعب الاستمرار فيها على المدى الطويل. وفي الوقت نفسه، تتجنب إيران استهداف الولايات المتحدة بصورة مباشرة، حتى لا تستدعي ردًا قاسيًا وموجعًا.
 
ويتمثل العمود الثالث في الجغرافيا الإيرانية نفسها؛ فمساحة البلاد الشاسعة، وتضاريسها الوعرة، وسواحلها الطويلة، تجعل العمليات العسكرية ضدها بالغة التعقيد والصعوبة. كما أن مراكز القيادة ومنصات إطلاق الصواريخ مدفونة تحت الأرض، فيما تتوزع القوات والقدرات العسكرية الإيرانية على امتداد البلاد وعرضها. لذلك، قد تؤدي كل ضربة إلى إضعاف إيران وإلحاق الضرر بها، لكنها لا تكفي وحدها للقضاء على قدراتها.
 
أما العمود الرابع، وربما كان أهم أسلحة إيران، فهو الصبر الاستراتيجي. فقد افترضت طهران منذ البداية أن صراعها مع الولايات المتحدة سيجلب عليها العقوبات والاغتيالات والغارات الجوية والهجمات السيبرانية، فتهيأت لتحملها، وحوّلت قدرتها على الصمود في وجهها إلى سلاح بحد ذاته.
 
ولا يعني ذلك، بطبيعة الحال، أن إيران قد انتصرت، أو أن الولايات المتحدة قد خسرت حتى الآن؛ فما تزال نتائج الحرب غير محسومة، ولا تزال أسئلة كثيرة تنتظر الإجابة: هل تراجعت قدرات إيران المستقبلية؟ وهل ستفضي الحرب إلى فتح مضيق هرمز؟ وإلى متى تستطيع واشنطن تحمّل التكاليف الاقتصادية للحرب؟ ومتى تستقر أسعار النفط؟ وهل ستقود هذه الحرب، في نهاية المطاف، إلى تحقيق الاستقرار في المنطقة؟
 
غير أن السؤال الأهم من ذلك كله يظل قائمًا: كيف سيحدد كل طرف معنى انتصاره في هذه الحرب؟