"المؤرخ محمد عبده الحتاملة".. قراءة في المنهج والرؤية والتاريخ
الغد-عزيزة علي
صدر عن دار الخليج للنشر والتوزيع كتاب "المؤرخ محمد عبده الحتاملة: قراءة في المنهج والرؤية والتاريخ"، من إعداد وتحرير المؤرخ الدكتور ياسر طالب الخزاعلة، متناولا تجربة الحتاملة في البحث والكتابة التاريخية، ومنهجه في قراءة الأحداث وتحليلها ضمن سياقاتها الزمنية والفكرية والسياسية.
ويقدم الكتاب قراءة نقدية في المنهج الذي اتبعه الحتاملة في دراسة التاريخ، ولا سيما التاريخ الإسلامي والأندلسي، مع التركيز على مجموعة من الأدوات التي ميزت تجربته، وفي مقدمتها قراءة الحدث ضمن سياقه التاريخي، وتجنب إسقاط مفاهيم الحاضر على وقائع الماضي، إلى جانب التحقق من الروايات والمصادر وإخضاعها للنقد والمقارنة.
ويركز الخزاعلة على أن قيمة تجربة الحتاملة لا ترتبط بغزارة المعرفة وحدها، وإنما بما اتسم به منهجه من نزاهة علمية وحرص على الوصول إلى الحقيقة التاريخية، بعيدا عن التحيز أو الانتقائية، مع التعامل مع الأحداث بوصفها نتاجا لظروفها الاجتماعية والسياسية والفكرية.
كما يتناول الكتاب إسهامات الحتاملة في دراسة تاريخ الأندلس وإسبانيا، وجهوده في تفكيك الروايات التاريخية وقراءة الصراعات والتحولات التي شهدتها المنطقة، مؤكدا أهمية امتلاك المؤرخ أدوات النقد التاريخي، وعدم الاكتفاء بجمع الروايات أو نقلها من المصادر دون فحص وتحليل.
ويستعرض الكتاب تجربة المؤرخ البروفيسور محمد عبده الطالب الحتاملة، بوصفه أحد الأسماء البارزة في حقل الدراسات التاريخية العربية المعاصرة، مسلطا الضوء على منهجه في قراءة المادة التاريخية ورؤيته للأحداث ضمن سياقاتها الزمنية والثقافية والسياسية.
ويشير الخزاعلة إلى أن الحتاملة تميز بمنهج دقيق في التعامل مع المصادر والأحداث التاريخية، وبوعي يؤكد أن فهم الحدث لا يكتمل من دون الإحاطة بزمنه وسياقه والظروف التي نشأ فيها.
ويضيف أن الحتاملة ابتعد في كتاباته عن الإسقاطات الأيديولوجية والقراءات المتعجلة للماضي من منظور الحاضر، وحرص على فهم كل مرحلة تاريخية وفق منطقها الخاص، من خلال دراسة الأفكار والمواقف السياسية والاجتماعية في سياقاتها الأصلية، بعيدا عن الأحكام التي تفرضها تحولات الحاضر.
ويرى الخزاعلة أن هذه المقاربة تعكس وعيا تاريخيا يقوم على الربط بين الحدث التاريخي والبنية الفكرية والاجتماعية والسياسية التي أسهمت في تشكيله، بما يمنح قراءة الحتاملة للماضي قدرا من التوازن والموضوعية.
وتتجلى قدرة الحتاملة على قراءة السياق التاريخي في تحليله للوقائع الكبرى في التاريخ الإسلامي؛ إذ لا يكتفي بوصف الحدث، بل يتعمق في العوامل التي أسهمت في تشكيله، من البيئة الاجتماعية وشبكة المصالح إلى العقليات السائدة وموازين القوى. وتكشف هذه القراءة السياقية الأبعاد الإنسانية والواقعية للتاريخ، وتبعد المؤرخ عن التبجيل أو التهويل في تناول أحداث الماضي.
ويشير المؤلف إلى أن من أبرز ما يُحسب للحتاملة تنبيهه المبكر إلى خطورة محاكمة الماضي بأدوات الحاضر، مؤكدا أن الأحكام القيمية لا ينبغي إسقاطها اعتباطا على عصور لم تكن تعرف المفاهيم السياسية والاجتماعية الراهنة، سواء فيما يتعلق بالحريات أو الدولة أو غيرها. ومن هذا المنطلق، أسس الحتاملة لمنهج ينظر إلى التاريخ بوصفه تجربة إنسانية تُفهم في سياقها، لا تُدان بمعايير لاحقة عليها.
ولم ينظر الحتاملة إلى الزمن باعتباره مجرد تسلسل زمني للأحداث، بل بوصفه فضاء تتفاعل فيه الأفكار والثقافات، وتتغير المواقف، وتُعاد صياغة المفاهيم وفق مقتضيات كل مرحلة. ولذلك، ميّز في تحليلاته بين "الحدث" و"الظاهرة"، مانحا لكل منهما بنيته الزمنية الخاصة، بما يعكس عمق التفاعل بين الإنسان والواقع الذي عاش فيه.
ويرى الخزاعلة أن تميز الحتاملة لا يقتصر على دقة التحليل وغزارة المعرفة، بل يمتد إلى نزاهته العلمية التي مكنته من سبر أغوار التاريخ بعقل الباحث الحر، بعيدا عن تصفية الحسابات مع الماضي، ومنطلقا من الإنصاف والتفهم والعمق في قراءة الأحداث.
ويشير إلى أن فكر الحتاملة يمثل نموذجا متقدما في التعامل مع التاريخ، إذ يجعل من الزمن مفتاحا للفهم، ومن السياق شرطا لتحليل الوقائع، ومن الإنصاف أساسا لقراءتها. ويؤكد أن تطوير مناهج البحث التاريخي يقتضي الاستفادة من هذا النهج الذي يوازن بين احترام الوقائع وفهم دوافعها، بعيدا عن إسقاط معايير ومفاهيم لم تكن قائمة في زمن وقوع الأحداث.
ويبين الخزاعلة أن الحتاملة لم يتناول تاريخ الأندلس عرضا أو اعتباطا، وإنما جاء اهتمامه به نتيجة بحث معمق في مصادره وتفاصيله. وفي هذا السياق، يستشهد بما تؤكده جامعة عين شمس المصرية من أن الكتابة في التاريخ لا تجعل من صاحبها مؤرخا بالضرورة، إذ يتطلب العمل التاريخي امتلاك أدوات البحث العلمي والقدرة على دراسة الأحداث وتحليلها ضمن سياقاتها.
ويضيف أن الحتاملة تعمق في دراسة تاريخ إسبانيا، وكشف جوانب متعددة من طبيعة الصراع الذي شهدته المنطقة، مسلطا الضوء على ممارسات الإسبان تجاه الآخر، وما ارتبط بها من مظاهر العنف والإقصاء، في محاولة لقراءة تلك المرحلة بعيدا عن الانتقائية أو التناول السطحي.
ويضيف الخزاعلة أن الحتاملة كان، وما يزال، حريصا على أداء مهمته بوصفه مؤرخا بأمانة ونزاهة، ملتزما بنقل الوقائع التاريخية كما يراها في مصادرها، من دون مجاملة لأصحاب النفوذ أو إخفاء الحقائق التي قد لا تحظى بالقبول لدى بعض الأطراف. ويرى أن هذه الأمانة تمثل شرطا أساسيا في العمل التاريخي، لأن إغفال الوقائع أو تحريفها يبعد المؤرخ عن جوهر مهمته.
ويشير إلى أن تناول الحتاملة لبعض الممارسات والانتهاكات التي شهدها التاريخ الإسباني، وما ارتبط بها من صراعات وإقصاء للآخر، يمثل جانبا مهما من مشروعه البحثي، إذ سعى، من خلال الكشف عن جوانب تلك المرحلة، إلى استخلاص دروس يمكن الإفادة منها في فهم الحاضر وتجنب تكرار الأخطاء التاريخية.
ويؤكد الخزاعلة أن الحتاملة لم يتعامل مع الحقيقة التاريخية بوصفها مادة قابلة للإخفاء أو الانتقاء، بل جعل الوصول إليها هدفا أساسيا في منهجه، انطلاقا من قناعته بأن كتابة التاريخ لا تستقيم من دون البحث الدقيق في الوقائع وتمحيص الروايات ومقارنتها بالمصادر. وحتى عندما تفرض بعض الظروف السياسية على الدول إخفاء معلومات معينة، فإن ظهور الحقيقة بعد زوال تلك الظروف يبقى ضروريا لاستكمال الصورة التاريخية واستخلاص الدروس منها.
ومن السمات الأساسية في منهج الحتاملة، بحسب الخزاعلة، عدم التحيز؛ إذ حرص على التحرر، قدر الإمكان، من الميل إلى عصر معين أو الانحياز إلى طرف أو اتجاه تاريخي محدد، بما يتيح له قراءة الأحداث من مسافة نقدية توازن بين الوقائع وتفسيراتها.
ويفرق الخزاعلة في هذا السياق بين المؤرخ والكاتب الذي يتناول التاريخ لأغراض سياسية أو انطلاقا من اهتمامه بحادثة بعينها، ثم يقدم عمله بوصفه بحثا تاريخيا. فمجرد جمع نصوص مقتبسة من مصادر ودراسات مختلفة وترتيبها لا يكفي لصناعة المؤرخ، ما لم يصاحب ذلك تحليل نقدي للمصادر، وفهم للسياقات، وقدرة على تفسير الأحداث وربطها بالعوامل التي أسهمت في تشكيلها.
ولا يكتفي الحتاملة بجمع الروايات والمصادر، بل يتميز، بحسب الخزاعلة، بامتلاكه ملكة النقد التاريخي، التي تعد من أهم أدوات المؤرخ في التحقق من الروايات والوثائق. فلا يقبل كل ما يرد إليه من معلومات، ولا يتعامل مع الوثائق والمصادر بوصفها حقائق نهائية، وإنما يخضعها للدرس والفحص والمقارنة والاستقراء، وصولا إلى الرواية الأرجح والأقرب إلى الحقيقة، واستبعاد ما يثبت عدم دقته.
ويؤكد الخزاعلة أن غياب هذه الملكة النقدية يفقد المؤرخ أحد أهم مقومات عمله، ويحوله من باحث ومحلل إلى مجرد ناقل للروايات التي تصله، من دون تمحيص أو قدرة على التمييز بين ما هو ثابت وما هو محل شك.
وخلص الخزاعلة إلى الإشادة بتجربة الحتاملة في دراسة التاريخ الأندلسي، معتبرا أنه قدم جهدا بحثيا أسهم في تعريف الأجيال بجوانب متعددة من هذا التاريخ، متناولا الوقائع في سياقاتها، وما لها وما عليها، بعيدا عن الزيادة أو الانتقاص.