الغد-عزيزة علي
بحثت ندوة بعنوان "سيكولوجية الجماهير والعصر الرقمي"، نظمتها لجنة العلوم الاجتماعية في رابطة الكتاب الأردنيين؛ التحولات التي طرأت على مفهوم الجماهير في ظل الانتقال من الحشود التقليدية إلى الجمهور الرقمي، وما رافق ذلك من تغير في آليات التأثير والتوجيه وصناعة الوعي.
وشارك في الندوة، التي أقيمت في مقر الرابطة، أول من أمس، أستاذ التاريخ الدكتور سليمان البدور، وأستاذ علم الاجتماع الدكتور مجد الدين خمش، وخبير التنميط السلوكي الرقمي رائد سمور، وأدارتها الفنانة والشاعرة غدير حدادين، حيث تناول المتحدثون العلاقة بين الجماهير والسلطة والمعرفة، من خلال قراءة نقدية لأفكار غوستاف لوبون وأعمال جورج أورويل وزكريا تامر، وصولًا إلى تأثير الخوارزميات الرقمية في تشكيل الرأي العام.
وتطرقت الندوة إلى التحولات التي شهدتها الجماهير منذ كتاب "سيكولوجية الجماهير"، لغوستاف لوبون الصادر العام 1895، مرورًا بتصورات السيطرة والرقابة في الأدب السياسي، وصولًا إلى العصر الرقمي الذي لم تعد فيه الجماهير بحاجة إلى التجمع في فضاء واحد لتشكيل قوة مؤثرة، بل أصبحت تتشكل داخل بيئات خوارزمية تعيد ترتيب المعلومات وتوجه الانتباه بطرق غير مباشرة.
وأكد المشاركون أن فهم الجماهير في القرن الحادي والعشرين يتطلب أدوات معرفية جديدة تتجاوز التفسيرات الكلاسيكية، لا بهدف إلغاء الإرث الفكري السابق، بل لاستكماله في ضوء التحولات التي فرضتها التكنولوجيا الرقمية، حيث باتت أسئلة الوعي والتأثير والهيمنة مرتبطة بقدرة الخوارزميات على تشكيل إدراك الأفراد والجماعات.
قال الدكتور مجد الدين خمش، في ورقته بعنوان "سيكولوجية الجماهير والعصر الرقمي": "إن غوستاف لوبون يميّز في كتابه "سيكولوجية الجماهير"، بين الحشود المسالمة أو الإيجابية، والحشود السلبية العنيفة والمدمّرة". وأشار إلى أن لوبون ركز على النوع الثاني، حيث تفقد الشخصية الفردية جزءًا من وعيها نتيجة انصهار الأفراد في عاطفة مشتركة وروح جماعية، ما يؤدي إلى تراجع دور التفكير العقلاني.
وأوضح خمش أن لوبون يرى أن المشاعر والأفكار، مثل الخوف والكراهية والحماس، تنتقل بين أفراد الحشد كما تنتقل العدوى، فتوحدهم وتدفعهم في اتجاه يحدده القائد أو "المحرّض"، كما تتميز الحشود، وفق هذا التصور، بقابليتها العالية للإيحاء وتأثرها بالإشاعات والشعارات والهتافات، الأمر الذي يحد من قدرتها على ممارسة التفكير النقدي.
وأضاف أن لوبون يؤكد أن العواطف المشتركة تصنع وحدة ذهنية للحشد، تمنحه روحًا خاصة وتوجه سلوكه، فيما يمارس المحرّض تأثيرًا كبيرًا في مشاعر الأفراد وتصرفاتهم. ويرى لوبون أن المحرّضين يعتمدون على وسائل سيكولوجية، أبرزها التأكيد والتكرار وانتقال المشاعر بالعدوى، لتعزيز نفوذهم، ولا سيما عبر الشخصيات الكاريزمية ذات الطابع الشعبوي.
وأشار خمش إلى أن لوبون يرى أن انخراط الفرد في الحشد يضعف شخصيته الواعية، ويجعله أكثر خضوعًا للأفكار والعواطف المشتركة، ما يؤدي إلى تشكّل روح جماعية قد تدفع الحشد إلى أفعال مباشرة، قد تكون إيجابية أو سلبية أو مدمّرة.
وأوضح أن المحرّضين يعتمدون على وسائل سيكولوجية للتأثير في الحشود، من أبرزها التوكيد العاطفي، والتكرار الذي يعزز انتشار الأفكار والإشاعات، والرموز المشتركة، والتقليد، والعدوى النفسية التي توحّد المشاعر، إضافة إلى الكاريزما الشخصية للمحرّض وقدرته على توجيه الحشد والتأثير في سلوكه.
وبيّن خمش أن الحشود، وفق تصور لوبون، قد تكون إيجابية، كما في الجماهير الرياضية والوطنية التي تعزز مشاعر الانتماء والوحدة، مستشهدًا بالحشود الأردنية الداعمة للمنتخب الوطني لكرة القدم "النشامى"، خلال مشاركته في المونديال، وقد تكون سلبية ومدمّرة، كما في بعض الثورات والحركات العنيفة عبر التاريخ، ومنها اقتحام سجن الباستيل، والحشود الفاشية والنازية، وبعض الجماعات المتطرفة المعاصرة.
وأشار خمش إلى أنه، رغم أن لوبون لم يكن اشتراكيًا أو فاشيًا، فإن الأدوات التي قدمها في تحليل قيادة الحشود استُخدمت لاحقًا من قبل الحركات الفاشية والنازية في أوروبا بعد الحرب العالمية الأولى، التي وظّفتها في نشر أفكار التفوق العرقي وكراهية الآخر، وتجييش الجماهير نحو الحروب والاحتلال والدمار.
وخلص خمش، إلى أن كتاب "سيكولوجية الجماهير"، يطرح أسئلة معرفية كبرى، في مقدمتها سؤال: من يصنع التاريخ؟، وهو سؤال شغل مفكري القرن الثامن عشر وبدايات القرن التاسع عشر، وكان لوبون من أبرز الذين تناولوه في كتابه الصادر العام 1895، الذي تُرجم إلى العربية وقدم له المفكر هاشم صالح.
قال رائد سمور في ورقته بعنوان "من غوستاف لوبون إلى الجمهور الخوارزمي"، تناول فيها التحولات التي طرأت على مفهوم الجماهير في ظل العصر الرقمي، مشيرًا إلى أن كتاب "سيكولوجية الجماهير"، للمفكر الفرنسي غوستاف لوبون، وروايتي "1984": "إن مزرعة الحيوانات"، للكاتب جورج أورويل، وقصة "النمور في اليوم العاشر"، للكاتب زكريا تامر، تمثلان محطتين بارزتين في دراسة العلاقة بين السلطة والجماهير والحرية".
وأوضح سمور أن الإشكالية تبدأ عندما تتحول هذه الأعمال من أدوات للتفكير إلى بدائل عنه، ومن وسائل لقراءة الواقع إلى قوالب جاهزة لتفسيره؛ إذ إن اختزال كل تحول سياسي في صورة "1984"، أو كل هيمنة في نموذج "الأخ الأكبر"، أو كل إعادة إنتاج للسلطة في "مزرعة الحيوانات"، يمثل إسقاطًا لاستعارات القرن العشرين على واقع تجاوز الظروف التاريخية التي نشأت فيها تلك الأعمال.
وأكد سمور أن قيمة هذه الأعمال لا تكمن في تقديم إجابات نهائية، بل في قدرتها على طرح أسئلة جديدة حول عصورها؛ ومن هنا، فإن الوفاء لها لا يكون بتكرار استنتاجاتها، وإنما بامتلاك الجرأة ذاتها في قراءة تحولات القرن الحادي والعشرين.
وبيّن أن لوبون درس الجماهير في زمن كانت تتشكل فيه داخل الساحات والفضاءات العامة، فيما تناول أورويل سلطة تحتكر الحقيقة واللغة ووسائل الرقابة، بينما صوّر زكريا تامر الترويض بوصفه عملية تنتهي حين ينسى النمر طبيعته الأولى ويألف القفص. أما اليوم، فقد تبدلت القواعد؛ فلم تعد الجماهير بحاجة إلى التجمع المكاني لتصبح جمهورًا، كما لم تعد الهيمنة تعتمد بالضرورة على الصمت القسري، إذ انتقل القفص من فضاء مادي، إلى بيئة رقمية تسهم في تشكيل الإدراك قبل تشكل المواقف.
وأوضح سمور أن الخوارزمية لا تمنع المعرفة، بل تعيد ترتيبها، ولا تفرض الآراء بصورة مباشرة، وإنما تصنع بيئة تجعل بعض الأفكار أكثر حضورًا وقبولًا من غيرها، عبر آليات إدارة الانتباه والتخصيص والتكرار. وهكذا قد يعتقد الإنسان أنه يرى العالم كما هو، بينما يتلقى صورة تشكلها اختيارات خوارزمية تعمل في صمت.
وأضاف أن السؤال لم يعد يتمحور حول كيفية تفكير الجماهير، كما عند لوبون، أو كيفية فرض السلطة إرادتها، كما عند أورويل، أو كيفية ترويض الإنسان، كما في أعمال زكريا تامر، بل أصبح مرتبطًا بكيفية صناعة الجماهير داخل البيئة الخوارزمية قبل أن تدرك أنها أصبحت جماهير.
وخلص سمور، إلى أن هذا السؤال لا يهدف إلى نقض الإرث الفكري الذي تركه لوبون وأورويل وزكريا تامر، وإنما إلى استكماله؛ فكما امتلك هؤلاء المفكرون والكتّاب شجاعة قراءة تحولات عصورهم، يفرض عصر الخوارزميات الحاجة إلى أدوات معرفية جديدة تفسر طبيعة جماهير لم تعد تتشكل في الساحات، وسلطات لم تعد تمارس هيمنتها من الخارج فقط، بل تساهم في تشكيل العالم الذي يدركه الإنسان من داخله.
فيما تحدث الدكتور سليمان البدور في ورقته المعنونة "سيكولوجية الجماهير"، عن كتاب "سيكولوجية الجماهير"، لغوستاف لوبون، مبينا أنه يقدم تحليلًا موسعًا للسلوك الجمعي وتأثيره في الأفراد. ويركز الكتاب على التغيرات التي تطرأ على سلوك الفرد عندما يصبح جزءًا من جماعة كبيرة، مشيرًا إلى أن الجماهير غالبًا ما تهيمن عليها مشاعر الاندفاع والحماس، مما يؤدي في كثير من الأحيان، إلى تراجع القدرة على التفكير المنطقي.
وأضاف البدور، أن لوبون تناول ظاهرة الجماهير من منظور علم النفس الاجتماعي، وناقش بروزها على مسرح التاريخ، متسائلًا عن الكيفية التي يمكن من خلالها التعامل مع هذا الظهور وتأثيراته في المجتمعات.
ويرى البدور، أن تطور الشعوب يرتبط بخصائصها القومية، وأن الناس، بوجه عام، يتأثرون بعواطفهم أكثر من عقولهم. ولذلك يؤكد أن فهم تاريخ الشعوب يتطلب دراسة العقل الجمعي، أي إدراك السمات النفسية والفكرية المشتركة التي تميز أفراد المجتمع بوصفهم جماعة.
ويبدو أحيانًا أن هناك قوى كامنة في قلب الأمة تقودها؛ فعلى سبيل المثال، لا نجد ما هو أكثر تعقيدًا ومنطقية وروعة من اللغة. فمن أين جاء هذا النظام اللغوي الدقيق والمتماسك إن لم يكن نتاجًا للروح الجمعية غير الواعية.
وينبثق عن ذلك تعدد اللهجات في رقعة جغرافية صغيرة، قد لا تتجاوز مساحتها في بعض الأحيان مساحة محافظة أو لواء، وهو ما يبين مدى تأثير الجغرافيا الطبيعية في تشكيل الجغرافيا البشرية، ودور اللاوعي الجمعي في صياغة سلوك المجموعات الإنسانية.
ويؤكد لوبون أنه ينبغي ألا يغيب عن الأذهان أن رسوخ الأفكار التي يروج لها القائد الكاريزمي في وعي الجماهير يعود في كثير من الأحيان إلى عوامل مثل القداسة، أو الجهل، أو الخوف.
وخلص البدور، إلى أنه يوجد في العالم العربي أمثلة عديدة على تأثير الكاريزما الشخصية في تشكيل العقل الجمعي في المجالات السياسية والإعلامية والثقافية. وفي المقابل، تؤثر الجماهير غير الواعية أيضًا في القيادات الكاريزمية؛ إذ تمنحها دعمًا واسعًا، وتظل مخلصة لها، بل وقد تستمر في تأييدها حتى في حالات الإخفاق أو الفشل.