الغد-عزيزة علي
وقعت الدكتورة سهيلا الشلبي أول من أمس، كتابها "المشروع الصهيوني في البلاد العربية (1897–1917م)"، بمشاركة نخبة من المؤرخين والباحثين، وبإدارة الدكتور باسم الزعبي.
ويأتي هذا الإصدار ضمن سياق دراسات تاريخية تتناول بدايات المشروع الصهيوني في المنطقة العربية وتفاعلاته مع المجتمعات المحلية، والنخب الفكرية والسياسية في تلك المرحلة.
وركز المشاركون في الحفل الذي أقيم في المنتدى العربي وهم: المؤرخ الدكتور محمد عدنان البخيت، والباحث الدكتور عليان الجالودي، المؤرخة الدكتورة هند أبو الشعر، ورئيس المنتدى العربي محمد أحمد البشير على القيمة العلمية للدراسة في تقديم صورة شاملة للمشروع الصهيوني خلال الفترة الممتدة بين مؤتمر بازل العام 1897، ووعد بلفور العام 1917، بوصفها مرحلة مفصلية في تطور الحركة الصهيونية وانتقالها إلى إطار الشرعية الدولية.
المؤرخ الدكتور محمد عدنان البخيت قال: "إن الكتاب يستعرض واقع اليهود في البلاد العربية ومدى استجابتهم للدعوة الصهيونية، إضافة إلى دراسة مواقف النخب العربية والإسلامية تجاه هذه الحركة".
وأشار إلى أن الباحثة اعتمدت على عدد كبير من الدراسات الحديثة والمعاصرة، إلى جانب مراجعة الصحف الصادرة منذ مطلع القرن العشرين حتى قيام دولة إسرائيل العام 1948، على جزء من الأراضي في فلسطين. أبرزها "الكرمل" لنجيب نصار، "المنار" لمحمد رشيد رضا (1865–1935م)، و"لسان الحال"، و"المقتبس"، و"المؤيد"، و"القبلة"، فضلًا عن مذكرات عدد من القيادات العربية والإسلامية".
ورأى البخيت أن اليمن كانت من المناطق المهمة بالنسبة للحركة الصهيونية، لارتباطها التاريخي بهيكل سليمان، وانتشار اليهود في مختلف مناطقها، ومنها انطلقت أولى الهجرات إلى فلسطين.
وأشار البخيت إلى أن الوجود اليهودي في دول المغرب العربي ومصر، حيث كان لهم حضور بارز في مدن مثل فاس ومراكش وتطوان والدار البيضاء، إضافة إلى الجزائر وتونس وليبيا ومصر، مع ارتباط وثيق بالمجتمعات المحلية والسلطات الحاكمة. كما أصبحت مصر محطة مهمة لعبور المهاجرين اليهود إلى فلسطين، وشارك اليهود فيها في الحياة الثقافية والسياسية من خلال الصحافة والمناصب الرسمية.
وأوضح أن انتشار اليهود في البلاد العربية والعثمانية، جاء مع طرح مشاريع متعددة لإقامة وطن قومي لهم، من بينها مشروع في ليبيا بمنطقة الجبل الأخضر، بدعم من الوالي العثماني رجب باشا، قبل أن يتوقف المشروع بوفاته.
وأضاف أن اليهود كانوا منتشرين في معظم الأقطار العربية، ولهم حضور اقتصادي واجتماعي، من خلال المدارس والكنائس والأسواق، وعاشوا ضمن نظام أهل الذمة في الدولة الإسلامية.
واختتم البخيت، بالإشارة إلى أن الدولة العثمانية ساهمت في استقبال موجات من المهاجرين اليهود القادمين من أوروبا، خصوصًا السفارديم من إسبانيا وإيطاليا وفرنسا، حيث استقر بعضهم في مدن فلسطينية مثل، القدس وصفد وطبرية، واندمجوا بدرجات متفاوتة في المجتمع المحلي
من جانبها، قالت المؤرخة الدكتورة هند غسان أبو الشعر: "إن أعمال الدكتورة الشلبي تتميز بالاعتماد المكثف على الوثائق والتحليل الدقيق لها، ما يعكس جهدًا بحثيًا وصبرًا لافتين". وأضافت أن الكتاب يقدم رؤية شاملة لأبعاد المشروع الصهيوني، بما يمنح القارئ تصورًا واسعًا لطبيعة هذا المشروع ومخاطره.
وأشارت أبو الشعر إلى أن الباحثة تتبعت جذور الحركة الصهيونية في المشرق والمغرب العربيين، وبينت أهدافها والآليات التي اعتمدت عليها لترسيخ وجودها ونفوذها في المنطقة.
وأضافت أن الكتاب يتميز بتقديم صورة كلية للمشروع الصهيوني على امتداد الجغرافيا العربية، مع عدم إغفال أوضاع اليهود العرب وموقعهم داخل المجتمعات العربية.
وأشارت إلى وجود اهتمام واضح بالتفاصيل والجزئيات، وهو ما يثري الدراسة ويعزز دقتها، وإن كان يؤدي في بعض المواضع إلى تكرار في عرض مسألة الوعي العربي، نتيجة العودة إلى مصادر ومقالات متقاربة زمنيًا.
وخلصت، إلى أن هذا التناول ساهم في تقديم صورة متوازنة، لا تركز على الفعل الصهيوني وحده، بل تبرز أيضًا ردود الفعل العربية ومستويات الوعي المختلفة، التي تبلورت بصورة أوضح بعد وعد بلفور، الذي شكل نقطة تحول حاسمة في مسار القضية الفلسطينية وكرس المشروع الصهيوني دوليًا.
فيما رأى الدكتور عليان الجالودي، أن أهمية هذا الموضوع تزداد مع استمرار الصراع العربي الإسرائيلي، وما يصاحبه من تصعيد وغياب موقف عربي موحد، مشيرًا إلى أن فكرة "إسرائيل التاريخية"، أو "التوراتية"، ما تزال حاضرة لدى بعض التيارات السياسية والدينية الإسرائيلية، ولا سيما داخل حزب الليكود والأحزاب الدينية المتحالفة معه.
وأوضح الجالودي أن أهمية الكتاب تكمن في كونه إضافة نوعية للمكتبة العربية، إذ يُعد من الدراسات النادرة التي تناولت النشاط الصهيوني في مختلف أنحاء الوطن العربي بشكل شامل، بدلًا من التركيز على دولة عربية واحدة. وقد شمل ذلك المشرق والمغرب العربيين، مما يمنحه قيمة معرفية واسعة على المستوى العربي.
وأضاف الجالودي أن الباحثة تناولت تطور الوعي العربي بالقضية الصهيونية بأسلوب تحليلي وموضوعي، بعيد عن الأحكام المسبقة والخطابات الأيديولوجية، مع اعتمادها على الرواية التاريخية ومصادرها دون توجيه النتائج لخدمة أفكار مسبقة.
كما اعتمدت الدراسة على عدد كبير من المراجع والدراسات العلمية، بلغ نحو 46 بحثًا ورسالة أكاديمية، إلى جانب مصادر ووثائق باللغة الإنجليزية ومواقع إلكترونية، ما عزز قيمتها العلمية. وتبرز الدراسة كذلك كيفية توظيف الحركة الصهيونية للدين والموروث التوراتي لتبرير مشروعها السياسي، وربط ذلك بسياسات اليمين الإسرائيلي والأحزاب الدينية المتطرفة في الوقت الراهن.
وخلص الجالودي، إلى أن الكتاب يطرح تساؤلًا حول دور الدين في الخطاب العربي الإسلامي في مواجهة توظيف الحركة الصهيونية للدين والموروث التوراتي، خاصة بعد تراجع الخطابات القومية واليسارية، متسائلًا عما إذا كان الدين استُخدم بالشكل الكافي، لتعزيز وعي الشعوب العربية والإسلامية بالقضية الفلسطينية.
من جانبه، قال محمد أحمد البشير: "إن الكتاب يستعرض أطماعًا مبكرة في مختلف أقطار وطننا العربي، من فلسطين وشرق الأردن وسورية ولبنان والعراق وليبيا واليمن، يأتي في سياق ترافق مع نشاط شامل للحركة الصهيونية في مختلف أرجاء الوطن العربي من مغربه إلى مشرقه".
وأوضح البشير أن الكتاب يقدم بأسلوب علمي مفصل، تحليلًا لتهديد هذا المشروع للوعي العربي ومستقبل الأجيال، مع تأكيد قدرة هذا الوعي على التصدي لهذه الأطماع من جهة، وأهمية مواجهتها من جهة أخرى، خاصة بعد ما تم تقنين معاداة السامية لتحقيق أهداف هذا المشروع، وهو ما استُخدم-بحسب ما ورد في الكتاب- لترويج ادعاءات حول الوطن العربي عمومًا وفلسطين خصوصًا، بما يهدف إلى التغطية على أطماع الغرب في ثروات المنطقة وتعزيز الانقسام العربي.
وخلص البشير، إلى أن أحداث طوفان الأقصى كشفت - بحسب هذا الطرح- حجم التشويه في الرواية الغربية المقابلة، وأظهرت تعاطفًا دوليًا مع الرواية العربية عمومًا والفلسطينية خصوصًا، بما يعكس تغيرًا في مواقف قطاعات من الرأي العام العالمي.
من جانبها، قالت الدكتورة سهيلا الشلبي: "إن هذه الدراسة جاءت استكمالاً لدراسة أخرى نُشرت العام 1916 بعنوان: "المشروع الصهيوني وبدايات الوعي العربي بمخاطرة 1897–1917م"، التي تناولت فيها الأطماع الصهيونية في فلسطين على وجه الخصوص".
وأوضحت أن اختيارها لهذا الموضوع انطلق من خطورة المشروع الصهيوني التوسعي، الذي لا يقتصر على تحقيق تطلعات فئة من اليهود الصهاينة بإقامة وطن قومي لهم في فلسطين، بل تتجاوز أهدافه حدود فلسطين لتشمل أقطارًا عربية أخرى، في إطار ما يُعرف بـ"إسرائيل الكبرى"، أو "إسرائيل التوراتية".
وأضافت الشلبي أن الكتاب يغطي فترة مفصلية في تاريخ الحركة الصهيونية تمتد بين العامين 1897 و1917، أي منذ انعقاد المؤتمر الصهيوني الأول في بازل حتى صدور وعد بلفور، وهي المرحلة التي شهدت انتقال الصهيونية من طور الفكرة والتنظيم إلى نيل الشرعية الدولية. وتهدف الدراسة إلى سد نقص واضح في المكتبة العربية، إذ إن كثيرًا من الدراسات السابقة تناولت هذه المرحلة بصورة مقتضبة أو مكررة.
وخلصت، إلى أنها اعتمدت في هذه الدراسة على مصادر ومراجع متنوعة، شملت الوثائق والصحف المعاصرة، ومذكرات وشهادات شخصيات عاصرت أحداث المرحلة، إلى جانب الدراسات الحديثة التي أغنت موضوع البحث ووسعت أبعاده.