عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    11-Aug-2026

"الشراع والمرساة".. دراسات في الأدب الفلسطيني بين الوطن والشتات

 الغد-عزيزة علي

 يقدّم كتاب "الشراع والمرساة: دراسات وإنارات في الأدب الفلسطيني الحديث"، للباحث سمير فوزي حاج، الصادر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، قراءة واسعة في مسيرة الأدب الفلسطيني وتحولاته، متتبعا جذوره التاريخية وتطوره منذ أواخر العهد العثماني، مرورا بمرحلة الانتداب البريطاني، وصولا إلى ما بعد نكبة عام 1948 وما تركته من آثار عميقة في الأدب والثقافة والهوية الفلسطينية.
 
 
ويضيء الكتاب جوانب متعددة من التجربة الأدبية الفلسطينية، مستعرضا نتاج الشعراء والروائيين والقاصين والأدباء، ومتناولا أدب الفلسطينيين في الوطن والشتات بوصفه تعبيرًا عن تجربة واحدة، رغم اختلاف الظروف السياسية والاجتماعية التي أحاطت بكل منهما. كما يتوقف عند عدد من الأسماء والتجارب الأدبية التي يرى المؤلف أنها لم تحظَ بما يكفي من الدراسة والاهتمام، إلى جانب إعادة قراءة نصوص وأعمال أدبية من زوايا جديدة.
ويركز حاج على العلاقة الوثيقة بين الأدب الفلسطيني والواقع الذي نشأ فيه، معتبرا أن النكبة وما تبعها من تهجير واقتلاع وشتات شكّلت منعطفا حاسما في مسيرة الأدب الفلسطيني، الذي تحول إلى مساحة للتعبير عن الفقد والحنين والاغتراب، وفي الوقت نفسه إلى وسيلة للحفاظ على الهوية والذاكرة الجماعية ومقاومة النسيان.
ويتناول الكتاب نماذج متنوعة من الشعر والرواية والقصة والسيرة الذاتية، كما يسلط الضوء على الأدب المقاوم والأدب النسوي الفلسطيني، والأعمال التي تناولت تجربة اللاجئين، إلى جانب كتابات الفلسطينيين الذين بقوا في وطنهم، وما عكسته من أسئلة الهوية والانتماء والتماهي والاغتراب. ويمتد البحث إلى الأدب الحديث الذي تناول الخراب والحروب ومعاناة الحياة في غزة، وما يرتبط بها من قضايا العنف والفقر والبحث عن الوطن والأمان.
ومن خلال هذه القراءات، يسعى الكتاب إلى تقديم خريطة واسعة للأدب الفلسطيني، لا تكتفي برصد الأسماء والتيارات، وإنما تكشف عن الدور الذي أدته الكتابة في توثيق التحولات التاريخية والاجتماعية، وحفظ تفاصيل التجربة الفلسطينية، وتحويل الذاكرة الفردية والجماعية إلى نص أدبي قادر على مقاومة المحو والنسيان، والتمسك بالحياة والأمل رغم الألم والخراب.
يوضح المؤلف في كلمته بعنوان "في البدء كلمة"، أن الأدب الفلسطيني، رغم تشتته بين الوطن والشتات، يمثل امتدادا متواصلا للأدب الفلسطيني القديم، وأن أعمال الكتّاب الفلسطينيين ليست سوى فروع نمت من جذور عميقة في تاريخ الأدب الفلسطيني، كأغصان زيتونة راسخة الجذور.
ويشير المؤلف إلى أن الأدب الفلسطيني في العهد العثماني"1516-1917"، لم يحظَ بالدراسات الكافية، الأمر الذي جعل المعرفة به ما تزال محدودة. ويرى أن أدبًا فلسطينيًا أو إقليميًا مستقلا لم يتبلور بوضوح خلال تلك الفترة، نتيجة ذوبان الأدب العربي في الإطار الديني الإسلامي العام، فضلًا عن اقتصار جانب كبير من الإنتاج الأدبي على الشعر والمقامات.
ويشير حاج إلى وجود دراسات رائدة وجادة تناولت الأدب الفلسطيني، وشملت مختلف أجناسه واتجاهاته، من الشعر والرواية والقصة إلى الأدب المقاوم. ومن أبرز هذه الدراسات أعمال كامل السوافيري حول الشعر الفلسطيني والأدب العربي المعاصر في فلسطين، وعبد الرحمن ياغي حول تاريخ الأدب الفلسطيني قبل النكبة وبعدها، وهارون هاشم رشيد حول الشعر المقاتل، وناصر الدين الأسد حول الاتجاهات الأدبية في فلسطين والأردن.
ويستعرض المؤلف دراسة غسان كنفاني للأدب الفلسطيني المقاوم، وموسوعة سلمى الخضراء الجيوسي حول الأدب الفلسطيني الحديث، إلى جانب دراسات أحمد أبو مطر في الرواية، وشمعون بلاص في الأدب العربي في ظل الحرب، وسليمان جبران في الشعر الفلسطيني خلال عهد الانتداب، ونبيه القاسم في القصة المحلية.
ويوضح حاج أن بدايات الشعر الفلسطيني ظهرت في أواخر العهد العثماني، وبرز خلالها عدد من الشعراء، من بينهم يوسف النبهاني، وسعيد الكرمي، وسليم اليعقوبي، وسليمان الصباغ، وسليمان التاجي الفاروقي، الذي تناول في إحدى قصائده سقوط أول طائرة عثمانية في يافا عام 1912. ورغم ضعف الحياة التعليمية والثقافية خلال العهد العثماني، بدأت ملامح الشعر الفلسطيني تتشكل تدريجيًا.
وخلال فترة الانتداب البريطاني "1918-1948"، شهد الأدب الفلسطيني، ولا سيما الشعر، تطورًا ملحوظًا، واكتسب طابعًا وطنيًا ومقاومًا؛ إذ دعا إلى الثورة في مواجهة الاحتلال البريطاني، وطالب بالحرية والاستقلال، ودافع عن الأرض الفلسطينية، وحذّر من بيعها للحركة الصهيونية، في ظل تزايد الهجرة اليهودية إلى فلسطين.
وبرز في هذه المرحلة عدد من الشعراء، من بينهم عبد الرحيم محمود، وإبراهيم طوقان، ونوح إبراهيم، وعبد الكريم الكرمي، وإسكندر الخوري البيتجالي. كما شهد النثر الفلسطيني حضورًا لافتًا من خلال أعمال عدد من الأدباء، بينهم خليل السكاكيني، وبولس شحادة، ومحمد إسعاف النشاشيبي، وخليل بيدس، إلى جانب أسماء أخرى أسهمت في إثراء الحركة الأدبية الفلسطينية.
ويتناول حاج أثر نكبة عام 1948 في الشعب والثقافة الفلسطينية، مشيرًا إلى أنها أدت إلى تهجير أكثر من 750 ألف فلسطيني، وتدمير مئات القرى، وارتكاب المجازر، ومصادرة الممتلكات، ما أسفر عن تحول معظم الفلسطينيين إلى لاجئين في الدول العربية المجاورة، فيما بقي نحو 160 ألف فلسطيني داخل وطنهم.
ولم تقتصر تداعيات النكبة على الجوانب السياسية والاجتماعية، بل امتدت إلى الحياة الثقافية الفلسطينية، إذ كان كثير من المثقفين والأدباء الفلسطينيين يقيمون في المدن التي تعرضت للتهجير، ومنها يافا وحيفا وعكا واللد والرملة.
أما الفلسطينيون الذين بقوا داخل وطنهم، فعاشوا في ظل الحكم العسكري والقيود والاعتقالات ومصادرة الأراضي والتمييز، ولا سيما خلال الفترة الممتدة بين عامي 1948 و1966. ورغم هذه الظروف، برز شعر فلسطيني ثوري ملتزم بقضايا الشعب وتطلعاته، وبرز من شعرائه محمود درويش، وسميح القاسم، وتوفيق زياد، وراشد حسين، وسالم جبران.
ويرى حاج أن الأدب الفلسطيني بعد النكبة انقسم إلى فرعين مترابطين: أدب الشتات، وأدب الفلسطينيين الذين بقوا في وطنهم. وقد أنتج كلا الفرعين أدبًا إبداعيًا مميزًا وحديثًا، يتسم بخصوصية فلسطينية ونزعة إنسانية.
ويشير المؤلف إلى أن الأدب الفلسطيني يؤدي دورًا مهمًا في ترسيخ الهوية وحفظ الذاكرة الجماعية، ويعبّر عن معاناة الفلسطيني وحنينه إلى الوطن، من خلال توثيق الحكايات والتفاصيل والذكريات، حتى غدت الكتابة في الشتات بمثابة وطن بديل. ويلفت إلى أن حياة الكاتب الفلسطيني وواقعه لا ينفصلان عن أدبه؛ فهو يكتب متأثرًا بتجارب شعبه وقضايا شعبه، ولذلك تحمل أعماله صوت المجتمع ومعاناته وآماله.
وتتنوع الأعمال الأدبية التي يتناولها الكتاب بين الشعر والقصة والرواية والسيرة الذاتية، وتقدم نماذج واسعة من الأدب الفلسطيني والعربي. كما يكشف الكتاب عن اكتشافات جديدة في دراسة الأدب الفلسطيني، من خلال إعادة قراءة عدد من النصوص الأدبية، ومن أبرزها:
إميل حبيبي الذي استقى خاتمة روايته "المتشائل"، من نادرة صحفية كان قد نشرها عام 1946، ويرى أن الرواية جاءت، في جانب منها، ردًا على رواية غسان كنفاني "عائد إلى حيفا".
وعبّر حبيبي في "المتشائل"، عن صدمة النكبة وأزمة الفلسطينيين الذين بقوا في وطنهم، فجسّد شخصية سعيد أبي النحس المتشائل في حالة من الانفصام والجنون، في دلالة على صعوبة العيش في وطن تعرض شعبه للاقتلاع والتهجير.
وتتناول الرواية قضايا الهوية والاغتراب والذاكرة والتماهي والحيلة لدى الفلسطينيين الذين بقوا في وطنهم، وتكشف تعقيدات تجربتهم في أعقاب النكبة.
كما يسلط البحث الضوء على الكاتبة الفلسطينية هدى يوسف حنا، التي يعدها الباحث من الرائدات في مجال الرواية النسوية الفلسطينية ذات الطابع التوثيقي.
وفي روايتها "صوت الملاجئ"، الصادرة عام 1951، وثقت حنا معاناة اللاجئين الفلسطينيين وتجربة النكبة والتهجير من خلال عشر رسائل، مستندة إلى شهادات اللاجئين وذكرياتهم، وبأسلوب يجمع بين البعد الشعري والتوثيق، بما يمنح التجربة بعدًا إنسانيًا مؤثرًا.
ويتناول المؤلف عددًا من الأدباء والشعراء الفلسطينيين الذين لم ينالوا الاهتمام الكافي، مسلطًا الضوء على إسهاماتهم في مجالات الشعر والرواية والقصة، ومن بينهم توفيق صايغ، وسلمى الخضراء الجيوسي، وهارون هاشم رشيد، وفوزي البكري، وأسمى رزق طوبي، وهيام الدردنجي، وجورج نجيب خليل.
ويستعرض حاج نماذج من النثر الفلسطيني، من بينها رواية "الوارث"، لخليل بيدس، وقصص نجوى قعوار فرح، وأعمال سيد قشوع التي تتناول أزمة الهوية الفلسطينية داخل إسرائيل، إلى جانب روايات نبيل خوري وجبرا إبراهيم جبرا.
ويخصص الكتاب قسمًا للأدب الذي يتناول الخراب والديستوبيا ومعاناة الحياة في غزة، من خلال روايات حديثة ترصد تداعيات الاحتلال والحروب، وما تفرزه من معاناة إنسانية، ولا سيما ما يتصل بالمرأة والعنف والفقر، فضلًا عن البحث عن الوطن والأمان.
وخلص حاج إلى أنه في هذا الكتاب يقدم خريطة واسعة للأدب الفلسطيني، تؤكد أن الأدب ليس مجرد تعبير جمالي، بل وسيلة لحفظ الذاكرة الجماعية، وتوثيق المعاناة، والتعبير عن الهوية الفلسطينية، ومقاومة النسيان، مع التمسك بالحياة والأمل رغم الألم والخراب.