عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    26-Feb-2026

أكاذيب الإمبراطورية*إسماعيل الشريف

 الدستور

يقول الناس إننا لا نقاتل من أجل النفط.. بالطبع نحن كذلك - تشاك هاغل، وزير الحرب الأمريكي الأسبق.
 
في عام 2003 عندما غزت الولايات المتحدة العراق الشقيق ، رُفع شعار إسقاط الرئيس صدام حسين تحت لافتة «جلب الديمقراطية والحرية للشعب العراقي»، وأُطلقت على العملية تسمية Operation Iraqi Freedom، أي «عملية حرية العراق». غير أن النتائج جاءت كارثية؛ إذ انزلقت البلاد إلى حرب أهلية دامية، واستشهد قرابة مليون عراقي، ونزح أكثر من خمسة ملايين داخل الوطن وخارجه، وتعرّضت البنية التحتية لدمار واسع لم يزل العراق يدفع ثمنه حتى اليوم.
 
وقبل الغزو، كان الحصار الاقتصادي الخانق قد أودى بحياة نحو مليوني طفل عراقي. وحين سُئلت وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة مادلين أولبرايت في مقابلة صحفية عن هؤلاء الأطفال، أجابت بأن «الثمن يستحق ذلك».
 
نعم، كان الثمن - من منظور الإمبراطورية - مستحقًا مقابل غزو العراق واحتلاله؛ فقد وضعت يدها على النفط العراقي. فبعد الغزو أُنشئ «صندوق تنمية العراق» بقرار من مجلس الأمن، وأصبحت عائدات النفط تُودَع في حساب لدى الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، مع احتفاظ الولايات المتحدة بنفوذ واسع على آلية الصرف، إلى أن انتقلت الإدارة رسميًا إلى الحكومات العراقية المنتخبة، انتقالًا أثبت كما تكشّف لاحقًا أنه كان أقرب إلى الشكل منه إلى الجوهر.
 
كان السيد نوري المالكي ثالث رئيس وزراء للعراق الشقيق بعد الغزو، وقد تولّى المنصب بين عامي 2006 و2014، وكان أطولهم بقاءً في الحكم. وفي أواخر العام الماضي عاد بقوة إلى المشهد السياسي، بعدما حلّ ائتلاف «دولة القانون» الذي يتزعمه في المركز الثاني بحصوله على 29 مقعدًا من أصل 329 في الانتخابات التشريعية، خلفًا لرئيس الوزراء الحالي السيد محمد شياع السوداني، رئيس تيار الفراتين وائتلاف الإعمار والتنمية، الذي نال 46 مقعدًا.
 
غير أن السيد السوداني أعلن عدم رغبته في الترشح، ما أفسح المجال أمام المالكي لتولّي رئاسة الوزراء. وهنا كان للرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي غزت بلاده العراق يومًا تحت شعار إرساء الديمقراطية رأي آخر؛ إذ تدخّل بوضوح في المسار الديمقراطي العراقي، وطالب المالكي صراحة بالانسحاب من الترشح، باعتباره قريبًا من إيران، عدوة الولايات المتحدة والكيان الصهيوني.
 
لكن المالكي رفض هذا التدخل، مؤكدًا أن على الولايات المتحدة أن تبقى خارج الشؤون الداخلية العراقية، ومعلنًا تمسكه بالترشح. فجاء الرد بالتهديد بقطع عائدات النفط العراقي المودَعة في حسابات الاحتياطي الفيدرالي، وهي العائدات التي يعتمد عليها الاقتصاد العراقي اعتمادًا شبه كامل.
 
تعيش المنطقة اليوم أجواء عام 2003 من جديد؛ فالولايات المتحدة تحشد بوارجها استعدادًا لقصف إيران، كما قصفت العراق من قبل، وتبرّر أي حرب محتملة بأنها تسعى إلى إرساء الديمقراطية والحرية للشعب الإيراني، كما «أرستها» سابقًا للشعب العراقي. فمن يصدّق هذه الرواية، وهو يرى تلك الديمقراطية ذاتها تُقوَّض في العراق الشقيق !
 
الديمقراطية التي تريدها الولايات المتحدة هي ديمقراطية تدور في فلكها، تنفّذ ما يُملى عليها، وتُسخِّر خيرات بلادها لمصالحها، ويصل إلى الحكم فيها القادة الموالون لها. فإذا اختلّ شرط من هذه الشروط، انقلبت على تلك الديمقراطية نفسها بذريعة إرساء الديمقراطية.