عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    05-Feb-2026

حل بلا توقيت، ونقاش بلا سياق*مالك العثامنة

 الغد

وكالعادة، وبدون إحالة إلى مصدر رسمي ولا حتى أي حديث بقنوات دستورية، يعود إلى السطح حديث حل مجلس النواب، كضجيج موسمي يتكرر مع كل فتور في العلاقة بين الرأي العام ومجلسه المنتخب.
 
 
هذا الحديث الذي يظهر فجأة ويخبو فجأة، لا ينبع من لحظة دستورية حقيقية، ولا من حاجة سياسية ملحة، بل من شعور جمعي بالملل– وهو ما يجب قراءته بعناية- يترجمه البعض بمطلب "الحل"، وكأن المشهد البرلماني هو المشكلة الوحيدة، أو كأن تغييره كفيل بإعادة ترتيب الطاولة السياسية من جديد.
وهذا الجدل، حين يُطرح بلا توقيت ولا سياق، فإنه يتحول إلى حالة تنفيس سياسي أكثر منه نقاش ديمقراطي ناضج، بل أحيانا يكون أقرب إلى صدى غرف مغلقة لا إلى إرادة شعبية منظمة.
الدستور الأردني واضح، والآليات التي تنظّم حل مجلس النواب لا تقبل التأويل المفتوح، بل ترتبط بجملة محددات سياسية وقانونية، منها ما يتصل بحل الحكومة نفسها، ومنها ما يرتبط بالفصل بين السلطات، ومنها ما يحمل تبعات لا يبدو أن الدولة تبحث عنها الآن أو بصدد مواجهتها حاليا.
والأهم من كل ذلك، أن الحل، إن لم يكن مبنيا على رؤية واضحة لما بعده، يصبح عبئا لا ضرورة، وفراغا لا يملؤه إلا مزيد من الحيرة، وربما التراجع، والحديث عن الحل بلا بديل جاهز، ولا قانون انتخاب جديد ناضج، ولا مشهد حزبي مستعد، هو مجرد دوران في نفس الدائرة، وكأننا نبحث عن "إعادة التشغيل" لذات النظام دون إصلاح جذري للبرمجية.
من ينفخ في نار "الحل" بلا مبرر، يعرف تمامًا أن هذه النار لا تشتعل، لكنه يفعل ذلك لأغراض تعبئة، أو لخلق انطباع أن التغيير سهل بمجرد كبسة زر، أو لمجرد شغل الفراغ السياسي العريض بشعار مكرر، أما من يدافع عن بقاء المجلس الحالي، دون تقييم حقيقي لأدائه، فهو أيضا لا يقدم بديلا، بل يدافع عن حالة استقرار هشة لا تُقنع أحدا.
بقناعتي أن غالبية الناس– المشتبكة مع المشهد العام-  في الأردن لا يطلبون حل المجلس، بل يطلبون برلمانا مختلفا، بوجوه مختلفة، وسلوك تشريعي مختلف، وصوت رقابي صلب لا يخاف، ولا يصفق، ولا يشتري التصفيق.
وعليه فالجدل الحقيقي لا يجب أن يكون عن "حل المجلس"، بل عن معنى أن يكون لدينا مجلس فعلي، يشرّع، ويراقب، وقادر على التعبير عن المشهد العام بلا رشاوى بلاغية واستعراضات بهلوانية عفا عليها الزمن وصارت مضحكة.
أما الحديث المتكرر عن الحل، من دون أرضية قانونية أو سياسية أو حتى أخلاقية، فهو مجرد صدى صوت قديم، لا يُقنع، ولا يُقلق، ولا يحرّك ساكنا.
ولأننا لا نعيش في عالم اللايكات، ولا يجب أن تحكمنا منشورات الفيسبوك، فإن القرارات الدستورية لا تأتي بتغريدة، ولا تُصنع في برامج التوك شو الاستعراضية، بل تحتاج لنبض عميق في الجسد السياسي، لا ضجيجا في الحلق الإعلامي "الملتهب أصلا".
في المحصلة، فإن ما نحتاجه ليس حلا ارتجاليا، بل فهما واعيا للأصول، والحكمة لا تقول بخلع الباب، بل إعادة هندسة المفصل الذي يجعله مزعجا كلما حاولنا فتحه.