عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    12-Aug-2026

ذاكرة الجينات وانبثاق الهوية.. قراءة في "شظايا الذاكرة" للروائي محمد سرسك

 الغد-صالح حمدوني

 تتطرق الرواية إلى واحدة من أكثر القضايا الإنسانية والسياسية تعقيداً في التاريخ المعاصر، الشتات الفلسطيني وإعادة تشكّل الهوية عبر الزمن والجغرافيا. عبر مرور أجيال تتدفق أحداثها من عقد السبعينيات وصولاً إلى أعتاب الانتفاضة الأولى عام 1987، يرصد النص سيرورة التشتت لعائلة فلسطينية اقتُلعَت من قريتها الأصلية (العباسية) ومدينة (يافا)، لتتفرق بين مخيمات اللجوء (الوحدات، عقبة جبر، بلاطة)، والداخل المحتل عام 1948، وساحات الشتات في لبنان وتونس.
 
 
تستمد هذه الدراسة النقدية أهميتها من كون العمل يطرح مقاربة نفسية وفلسفية تحاول تفسير صمود الهوية الوطنية وانتقالها عبر الأجيال، متوسلاً بأساليب تدمج بين الواقعية التسجيلية والرمزية الجيوسياسية.
الفكرة الجوهرية والمقولات الفلسفية والسياسية
تُشكّل مقولة وراثة الذاكرة والجذور النواة الصلبة لمعمار النص الفكري. يطرح الكاتب فرضية أن الهوية الوطنية هي نتاج تراكم معرفي واستذكار عاطفي، ونسيج سلوكي (جينات فولاذية) يُورّث قسراً من الآباء للأبناء ليضمن بقاء الفردوس المفقود حياً في الوجدان الجمعي. 
تتحول الاستعارة الجينية هنا إلى مفهوم سوسيولوجي يفسر استمرار الفعل النضالي؛ إذ يثبت جيل الأحفاد الذي لم يرَ يافا أنه الأكثر اندفاعاً وحفاظاً على جذوة المقاومة: "أحفاد الشيخ يوسف وأحفاد أولاد عمومته فتحي وصبحي، هم أول جيل في سلسلة الجينات الجديدة التي سوف تبنى من جديد بعيداً عن تاريخها المجيد في قرية العباسية ومدينة يافا... لكن هذا الجيل كان يدرك بأن ما طرأ على جيناته من تغييرات لن ينتزع جيناته الأصلية مهما حدث. وستظل فلسطين بالنسبة لهم مركز الكون والعباسية فردوسهم المفقود". 
من جانب آخر، تُقدم الرواية رؤية حيوية للمخيم؛ إذ يخرج من أطر الرثاء البكائية ليتحول إلى مختبر اجتماعي وبؤرة إنتاج طبقي تُعيد خلق أدوات الحياة. يتتبع النص كيف استطاع الجيلان الثاني والثالث انتزاع أدوات العيش عبر التسلح بالتعليم والتمكين المهني الاستقلالي، ليعملا كبدائل إستراتيجية للأرض المفقودة وسلاح ضد ممارسات التذويب: "كل من أقام في المخيم، أو عبَر شوارعه، يمتلك سبع صنائع على الأقل، أو شهادة أو أكثر من الشهادات العلمية... قَدّ هؤلاء من الصخر أحلامهم بالانتقال إلى حياة أخرى، صمموها بمخالبهم، صار المخيم مركزاً لعالم كبير، تتنوع فيه الحيوات وترتفع فيه الآمال، وتسيطر على أبطاله جينات الأمل الفولاذية". 
تقدم الرواية قراءة لآليات الهيمنة وتدمير البُنى الوطنية، مُقدّمة نموذجین متوازيين: نموذج شخصية سام (وتمثل البعد الجيو-اقتصادي العالمي): ويُجسّد اختزالاً رمزياً للقوى الرأسمالية والاستعمارية الغربية. 
النص يرصد تحول الاستعمار من السيطرة المباشرة إلى الهيمنة الناعمة القائمة على تحويل المجتمعات إلى كائنات استهلاكية غير منتجة وتدمير أمنها الغذائي الوطني عبر إغراق السوق بالسلع التنافسية: "كان نشاط سام دائرياً، نقطته المركزية فلسطين.. كان جزءاً من خطة أكبر، لتحويل المجتمعات العربية لكيانات استهلاكية غير منتجة، تتعامل مع المنتجات الأمريكية على أنها أيقونات ثقافية ومتحضرة.. فبعد إجرائه لأبحاثه، بدأ بغزو المنطقة العربية بتصدير الحبوب بأسعار مخفضة جداً.. وبذلك تمكن من تدمير زراعة هذه السلعة وسواها". 
ونموذج روابط القرى (وتمثل البعد الاستعماري المحلي): ومن خلالها ينفذ النص إلى التوثيق التاريخي الصريح لأحد أخبث السياسات الإسرائيلية في الضفة الغربية (1978-1982)، المتمثل في خلق قيادات عميلة بأسماء خدماتية لتفكيك التمثيل الشرعي لمنظمة التحرير: "أطلقت سلطات الاحتلال هذه السياسة مدعية أنها عملية تنظيمية في الضفة الغربية... إلا أن الأهداف الحقيقية كانت مَدّ قيادات روابط القرى بالمال والسلاح لتكون قادرة ومستعدة لتأييد كامب ديفيد والمشاركة في مفاوضات الحكم الذاتي كما تريده إسرائيل". 
كما تسلط الرواية الضوء على مأزق الفلسطينيين في الداخل المحتل عام 1948، حيث تبرز صعوبة الموازنة بين الحقوق القومية والمواطنة القسرية. ويتجلى ذلك في مشهد امتناع اللاعب العربي عن إنشاد النشيد الإسرائيلي "الهتكفاه"؛ وهو ما يبرهن على أن سياسات الأسرلة القسرية والدمج الظاهري تفشل أمام أول امتحان شعوري يضع الفرد أمام أصوله.
المعمار الفني والبنية السردية
تتسم البنية المكانية والزمانية بلعبة التوازي؛ إذ تتوزع أمكنة النص بين عمان، الضفة الغربية، الداخل المحتل، وضواحي بيروت وتل الزعتر. المكان هنا له فعل درامي يشكل ملامح الشخصية وقسوتها. ويسير السرد في خط تصاعدي يتقاطع مع المحطات التاريخية المفصلية (حرب 1973، يوم الأرض 1976، كامب ديفيد 1978، غزو لبنان 1982، والانتفاضة 1987)، مع كسر هذا الزمن الخطي باستمرار عبر استرجاع ذاكرة جيل النكبة.
اعتمد النص على الراوي العليم بضمير الغائب، الذي يتجاوز أحياناً دوره ليلعب دور المحلل الاجتماعي والنفسي. وتتكامل الشخصيات عبر ثلاثة أجيال: الجيل الأول يتجسّد في الشيخ يوسف / فتحي / صبحي، ويمثّل الجيل الذي يختزن الذاكرة بعد أن عاش حالة الانكسار، والجيل الثاني ويمثله إسماعيل / يسري / صالح / لطفي، وهو جيل يسعى للتكيّف مع واقعه ويتأرجح في هويّته، أما الجيل الثالث ويمثّله محمد / يوسف الحفيد / وليد، جيل الانبعاث والفعل المباشر الميداني التلقائي.
تُشكل هذه الرواية إضافة مهمة لمدونة الأدب الفلسطيني المعاصر؛ فتكمن قوتها في شجاعتها الفكرية لتناول مفهوم البقاء والصمود وتحويله من شعار سياسي إلى قانون تاريخي واجتماعي. ونجح الكاتب في رسم لوحة بانورامية مترامية الأبعاد للشعب الفلسطيني في شتاته المتعدد؛ ورغم السقطات الأسلوبية المتمثلة في المباشرة والتقريرية، تظل الرواية وثيقة إنسانية وأدبية مكثفة تُجسد صراع الذاكرة ضد النسيان، وإرادة الحياة ضد الهندسة الاستعمارية.