عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    22-Jul-2026

واشنطن وتل أبيب: مفارقات اللحظة الراهنة*محمد أبو رمان

 الدستور

لا تكمن أهمية التصويت الأخير في مجلس النواب الأميركي في النتيجة المباشرة؛ فالتعديل الذي اقترحه النائب الجمهوري توماس ماسي لوقف نحو 3.3 مليارات دولار من المساعدات السنوية لإسرائيل سقط بأغلبية واضحة، 314 صوتاً مقابل 104 أصوات، وتمثلت المفاجأة الحقيقية في أن 103 نواب ديمقراطيين صوّتوا لصالحه، بما يمثل أكثر من نصف الديمقراطيين الذين اختاروا التصويت بنعم أو لا، في مؤشر يصعب التعامل معه بوصفه موقفاً احتجاجياً عابراً أو امتداداً محدوداً للجناح التقدمي.
 
تكمن الدلالة الرئيسية المهمة في أن عدداً من هؤلاء النواب كانوا، إلى وقت قريب، محسوبين على الدائرة المقبولة لدى لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية، «إيباك»، بل إن بعضهم حظي بتأييدها ودعمها. وبعد التصويت مباشرة، اختفى خيار التبرع عبر بوابة اللجنة الإلكترونية لخمسة عشر نائباً منهم يخوضون انتخابات التجديد النصفي، ظلّت أسماؤهم مدرجة ضمن النواب «المؤيدين لإسرائيل»، لكن إمكانية التبرع لهم أُغلقت.
 
في هذا السياق تكتسب تصريحات نائب الرئيس الأميركي، جي دي فانس، أهميتها. فانس لم يكتفِ بانتقاد بعض السياسات الإسرائيلية، بل ذهب، في حديثه مع جو روغان، إلى اتهام جهات داخل الحكومة الإسرائيلية بالسعي إلى إفشال المفاوضات الأميركية مع إيران واستمرار الحملة العسكرية، وتحدث عن أموال وحملات تأثير استُخدمت لمهاجمة مسؤولين أميركيين لأنهم وضعوا المصالح الأميركية في المقدمة.
 
من الواضح، إذن، أنّ النقاش حول إسرائيل يتحرك من جهتين متعاكستين ويلتقي عند نقطة واحدة: الجناح التقدمي الديمقراطي ينطلق من غزة، وحقوق الإنسان، وكلفة الدعم غير المشروط، بينما ينطلق جناح متصاعد داخل اليمين الشعبوي الجمهوري من شعار «أميركا أولاً»، ورفض الحروب المفتوحة، والشك في أن تتحول الولايات المتحدة إلى ممول وحامٍ دائم لحروب يصوغ أهدافها حلفاؤها.
 
ما يحدث ليس انتقال الحزبين دفعة واحدة إلى موقف معادٍ لإسرائيل، ولا انهياراً قريباً للتحالف الأميركي الإسرائيلي؛ فالمؤسسات الأمنية والعسكرية وشبكات المصالح التي تحمي هذا التحالف ما تزال قوية. لكن الإجماع القديم بدأ يتآكل. داخل الحزب الديمقراطي انقسمت القيادة نفسها؛ فقد عارض زعيم الأقلية حكيم جيفريز التعديل، بينما صوّتت إلى جانبه شخصيات قيادية، من بينها نانسي بيلوسي وكاثرين كلارك. وحتى منظمة «جي ستريت» الليبرالية المؤيدة لإسرائيل، التي عارضت صيغة التعديل، اعترفت بأن التصويت يمثل لحظة سياسية فارقة.
 
أما داخل الحزب الجمهوري، فما يزال التيار التقليدي، الإنجيلي والمحافظ، شديد الالتزام بإسرائيل، ولذلك أثارت تصريحات فانس هجوماً عنيفاً عليه من أوساط جمهورية وإعلامية رأت فيها خروجاً خطيراً على ثوابت الحزب. لكن مجرد نشوء هذا الاشتباك داخل الحزب الجمهوري يعني أن إسرائيل لم تعد قضية إجماع حتى في القاعدة التي اعتُبرت تاريخياً الأكثر صلابة في دعمها.
 
تتجلّى، هنا، مفارقة اللحظة التاريخية الراهنة، بينما كان يريد نتنياهو استثمار الحرب على غزة لإعادة صياغة الشرق الأوسط واستثمار العلاقة التي وصلت إلى مرحلة غير مسبوقة مع إدارة ترامب من التحالف الوثيق؛ فإنّ الحروب الإسرائيلية المتلاحقة، من غزة إلى لبنان ثم إيران، خلقت جدلاً واسعاً في الوعي الأميركي حول الكلفة وأصبح السؤال أقل ارتباطاً بأمن إسرائيل وأكثر اتصالاً بالمصلحة الأميركية: لماذا تدفع الولايات المتحدة الأموال والسلاح والجنود والكلفة السياسية، ومن يحدد فعلياً متى تبدأ الحرب ومتى تنتهي؟.
 
حتى العلاقة الشخصية بين ترامب ونتنياهو لم تحمِ الطرفين من هذا التناقض. فبعد لحظة التناغم العسكري، ظهرت الخلافات عندما أراد ترامب التفاوض مع إيران ووقف الحرب، بينما رأت حكومة نتنياهو في استمرار الضغط العسكري فرصة لتحقيق أهداف أوسع. وقد تحولت العلاقة في مرحلة لاحقة من التحالف المطلق إلى شد وجذب حول وقف إطلاق النار ولبنان وحدود التسوية مع طهران.
 
إسرائيل اليوم أمام مفارقة استراتيجية: لقد وصلت إلى أعلى درجات اندماجها العسكري مع الولايات المتحدة، لكنها في الوقت نفسه وصلت إلى أدنى درجات القبول داخل قطاعات متزايدة من المجتمع والنخبة السياسية الأميركية. وربما تكون الحرب المشتركة الأولى بينهما قد حققت نتائج عسكرية مهمة، لكنها سرّعت أيضاً تفكك الصورة القديمة للتحالف، وفتحت النقاش حول المال والنفوذ والاستقلال في القرار الأميركي.