الغرب والحضارة العربية الإسلامية.. عداء دائم أم تعايش المضطر؟*حسني عايش
الغد
عندما كان الأستاذ الدكتور كامل العجلوني يؤلف موسوعته العظمى بالعنوان أعلاه، كان يطلعني عليها أولا بأول، وقد كنت قاسيا جدا في ملاحظاتي عليه، لدرجة أنني كنت أخشى أن يغضب مني ويقطع علاقته الخاصة معي، ولكنه لم يفعل، فقد كان يرحب بها، وهو سلوك العلماء. كنت أرى أن تصدر المادة على شكل موسوعة حسب الألف باء، أو على شكل كراسات كل منها خاص بعنوان معين. ولكن الفكرة لم تلق تجاوبا من الدكتور كامل واستمر في إخراج الكتاب بالشكل الذي عليه الآن.
لقد كان الغرب تاريخيا هو الذي بدأ بالعدوان على الشرق كما في الحرب بين أثينا وفارس. وقد انتصرت مدينة أثينا الديمقراطية على فارس الإمبراطورية الكسروية في معركة سلاميس البحرية سنة 480 ق.م، وأوقفت لقرون زحف الشرق على الغرب.
وبعد معركة سلاميس بمدة اجتاح الإسكندر المقدوني الشرق حتى أنه وصل الهند، وبقي الإغريق يحتلون بلاد الشام ومنها فلسطين إلى أن طردهم الرومان وحلّوا محلهم فيها.
ولمّا توحد العرب بالإسلام احتلوا في بضعة عقود العالم من جنوب فرنسا غربا حتى الصين شرقا. وقد وصفوا احتلالهم له بالفتوحات. لكنها لم تكن فتوحات بالنسبة للشعوب والبلدان المغلوبة، بل كانت احتلالا سافرا ومقيما، وإن كان يختلف عن بقية الاحتلالات بحمل القائمين به رسالة وتبشيرا. وبما أن الإسلام مفتوح والدخول فيه متاح لكل من يرغب فيه فقد تمكنت الشعوب المغلوبة من الاستيلاء على السلطة به فيما بعد. وحكمت العرب نحو ألف ومائتي عام بحجته. وهو وضع ليس له مثيل في التاريخ.
وقد أدت هزيمة المسلمين/ العرب في معركة بلاط الشهداء 732م، وهزيمة الدولة العثمانية (التي كانت قد احتلت القسطنطينية عاصمة الكنيسة الأرثوذكسية المقدسة عام 1453 وشاغلت أوروبا بالحروب والاحتلال لقرون). أمام الغرب/ أوروبا على أبواب فيينا سنة 1529م إلى النتيجة نفسها. ثم حل الاستعمار الأوروبي فيما بعد لبلادنا ولأفريقيا وكثير من بلدان آسيا ثم للعالم الجديد.
لقد تجلى العداء الغربي للحضارة العربية الإسلامية أكثر ما تجلى بالحروب الصليبية التي استمرت نحو مائتي عام، ثم باغتصاب الصهيونية لفلسطين على يديه الملطخة بدماء الشعب الفلسطيني. ومع هذا قفز المسلمون - العرب وغير العرب - عن قضية فلسطين، وتحالفوا مع الغرب الصهيوني ضد الاتحاد السوفيتي وكتلته. وكان لهم أثر كبير في انهيارهما بجهاد الإيمان في بلاد الأفغان.
إننا نرى الغرب المعادي يتحول الآن إيجابيا جراء نقل (التلفاز) للإبادة الإسرائيلية الجماعية والتدمير الشامل للشعب الفلسطيني في غزة. لقد جرت أكبر وأكثر المظاهرات ولا تزال تجري هناك ضد إسرائيل في الغرب، وليس في عواصم العرب والمسلمين. كما صدرت أقوى المواقف السياسية ضد إسرائيل من إسبانيا والنرويج وإيرلندا.
في المقابل ماذا نرى؟ نرى قفزا عربيا عن قضية فلسطين، وإسراعا لمصالحة إسرائيل تحت لافتة اتفاقيات إبراهيم وغيرها، وكأنه تعويض منهم لهم عن أحداث الحادي عشر من (سبتمبر) 2011، والتي كان من المتوقع وقف التعايش المضطر بين الطرفين نتيجة لها، ولكن العكس هو الذي حدث.
هناك نقطة أحب أن أنبه إليها هنا وهي أن الغرب لم يعد الغرب الذي نعرفه، فقد أصبح يضم ملايين المسلمين. فكيف نفسر هذا وذاك من العلاقة بين الغرب والحضارة العربية الإسلامية؟ والخلاصة أن العداء والتعايش بين الشعوب والدول متبادل: تذكروا تواريخ فرنسا وألمانيا، وتركيا وأوروبا، والعرب وإسبانيا، وفيتنام وأميركا، ومصر وإسرائيل، وهكذا. المثل العربي يقول: يوم لك ويوم عليك، والأيام دول، «وتلك الأيام نداولها بين الناس»، كما يقول القرآن الكريم (3/140).
وأخيرا اعلموا يا سادتي وسيداتي، أن التوسع أو الاحتلال... ينجم في كل مرة عن النمو، فالبذرة تنمو بالتوسع في المكان. انظروا كيف تحتل شجرة الزيتون-مثلا- عشرات الأمتار المربعة من الأرض، مع أنها من بذرة صغيرة، والأمر نفسه يتكرر مع الأفراد والشعوب والدول، فالطبيب مثلا عندما ينجح/ ينمو في عيادته يفكر في إنشاء مستشفى، والصيدلي في إنشاء مصنع للأدوية، والتاجر في فتح سلسلة من المتاجر، والشعوب والدول كذلك، فعندما تنمو تقوى وتتوسع وتحتل بلدان الجيران أو غيرها من البلدان الضعيفة وهكذا، فالقاعدة الثابتة هي النمو أو الجمود أو الموت، يتوقف نمو النبتة عندما تصطدم جذورها بالصخور وتوسع الدولة أو احتلالها بالمقاومة.
غير أنه لما أصبح التوسع والاحتلال صعبا هذه الأيام فقد صار النمو فيها يأخذ شكلا عموديا في الدول عبر التكنولوجيا صانعة التاريخ.
وختاما كم أقدر الجهد الجبار الذي بذله الأستاذ الدكتور كامل العجلوني- الطبيب في الأصل- في تأليف هذه الموسوعة. فقد بلغ عدد صفحات مجلداتها الأربعة 2486 صفحة من القطع الكبير، وكذلك إنتاجه غير الإداري 274 بحثا علميا مكتملة الأوصاف، كما قدر عطاؤه بثلاث عشرة جائزة، وتقلب على ثمانية مناصب عليا، وفاز بستة أوسمة. إن هذا الرجل فريد ذكاء وعلما وجهدا وغزارة إنتاج وتنوعه، وكأنه يستخدم الوقت من وجهيه. فأطال الله عمره، وأمده بالطاقة لمواصلة عطائه.