الغد
علاء الدين أبو زينة
يندرج هذا المقال ضمن سلسلة "مستقبل الشرق الأوسط" التابعة لـ"مشروع مستقبل الشرق الأوسط" لـ"مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية". وتبحث هذه السلسلة في المرحلة الراهنة من اختلال التوازن في المنطقة، وتستكشف السيناريوهات المستقبلية المحتملة، وتبحث في المسارات التي يمكن أن تحدد النتائج المقبلة.
في مجملها، تنطلق هذه القراءات من فكرة أن نتائج الحروب الكبرى لا تقاس بما يحدث في ساحات القتال وحدها، وإنما بما تتركه الحرب من تحولات في موازين القوة وقواعد الأمن والقدرة على فرض الإرادة السياسية. ومن هذا المنظور، يقرأ ولي نصر، الأكاديمي والمحلل الأميركي إيراني الأصل، الحرب التي تشنها الولايات المتحدة والكيان الصهيوني على إيران باعتبارها نقطة انعطاف في النظام الإقليمي الذي حكم الشرق الأوسط لعقود. فقد دخلت واشنطن وتل أبيب الحرب وهما تراهنان على إضعاف إيران وإعادة تشكيل المنطقة حول تفوق للكيان مدعوم أميركياً. لكن مسار الحرب أظهر حدود القوة العسكرية للدولتين المتحالفتين، ومنح إيران مساحة أوسع للمناورة الإقليمية. وألقى استهداف القواعد الأميركية في منطقة الخليج والسيطرة الإيرانية على مضيق هرمز بظلال مباشرة على صلاحية البنية الأمنية التي أقامتها الولايات المتحدة حول إيران طوال عقود.
يرى نصر أن تراجع القدرة الأميركية على احتكار إدارة أمن المنطقة يفتح الباب أمام نظام أكثر تعددية في مراكز القوة، تتنافس فيه إيران وتركيا ودول الخليج والصين وروسيا وأوروبا، وتتقاطع فيه المصالح الأمنية والاقتصادية بحيث يصعب اختزاله في ثنائية أميركية-إيرانية. وفي هذا المشهد، قد تتراجع الهيمنة الأميركية من دون أن يولد بديل مستقر، ويمكن أن يفضي الفراغ الناجم إلى تعدد الأقطاب بقدر ما يمكن أن يتحول إلى تنافس فوضوي بين تحالفات متداخلة.
في هذا الواقع المضطرب الغامض والمفتوح على الاحتمالات، ينقل نصر السؤال من التركيز على مستقبل إيران بعد الحرب إلى السؤال الأكثر مركزية عن مستقبل الإقليم بأكمله: كيف سيبدو الشرق الأوسط عندما لا تعود الولايات المتحدة قادرة على تنظيم أمنه بالطريقة التي اعتادتها المنطقة؟
ولي نصر* – (مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية) 14/9/2026
"القديم يحتضر والجديد لا يولد؛ وفي هذه الانتقالة، تظهر طائفة متنوعة من الأعراض المرضية".
– الفيلسوف الإيطالي أنطونيو غرامشي، 1930
في شباط (فبراير) 2026، دخلت الولايات المتحدة وإسرائيل في حرب مع إيران بهدف إعادة تشكيل الشرق الأوسط. لكن إيران هي التي يبدو أنها خرجت، بعد المراحل الأولى من الحرب، مهيأة لممارسة نفوذ أكبر في المنطقة، في حين أن تأثير الولايات المتحدة في مستقبل الإقليم ربما يكون آخذاً في التراجع.
كانت الولايات المتحدة وإسرائيل تتوقعان أن تؤدي ضربتهما إلى إسقاط الجمهورية الإسلامية -أو، في الحد الأدنى، إلى إضعاف قدراتها النووية والعسكرية بدرجة كبيرة. وعندئذ لن تعود إيران تشكل تهديداً لإسرائيل والولايات المتحدة. وبعد تحييد إيران، سيكون بوسع الحليفين أن يعيدا تشكيل النظام الإقليمي في الشرق الأوسط كما يريدان. سوف تُطبّع إسرائيل والسعودية علاقاتهما، مما سيُمهد الطريق لتسوية مصير الفلسطينيين، ومستقبل لبنان وسورية. وبدعم أمريكي، ستتمكن إسرائيل من لعب دور الحصن الأمني والركيزة الأمنية للمنطقة، وسيمتد نفوذها السياسي والاقتصادي عبر كامل الإقليم من دون عوائق.
بدلاً من ذلك، كشفت الحرب حدود القوة العسكرية الأميركية والإسرائيلية. كانت إيران قد استعدت للحرب وهي تتوقع اندلاعها، ووضعت إستراتيجية حالت دون تمكن خصميها النوويين الأكثر تقدماً من تحقيق أهدافهما الحربية. وبدلاً من تجريدها من قدرتها، بدت إيران أقوى -بل منتصرة- في بعض مراحل المواجهة. وقد نجمت وصمدت حتى الآن أمام أسوأ ما حملته الحرب، وحققت مكاسب إستراتيجية مهمة.
أول هذه المكاسب هو أن إيران تمكنت فعلياً، من خلال تدمير قدر كبير من البنية التحتية العسكرية الأميركية في أنحاء منطقة الخليج، من تفكيك البنية الأمنية التي كانت الولايات المتحدة قد بسطتها على المنطقة طوال عقود. وأثار الدمار الذي لحق بعدد من القواعد الأميركية شكوكاً في قدرة الولايات المتحدة على الدفاع عن الخليج -بل وفي مدى استعدادها لإعادة بناء ما تم تدميره.
ثانياً، فرضت إيران سيطرتها على مضيق هرمز. في المرحلة الأولى من الحرب أغلقت إيران المضيق باعتبار ذلك تكتيكاً عسكرياً لردع الولايات المتحدة عن تصعيد حملتها الجوية. لكنها سرعان ما اكتشفت أن فائدة السيطرة على هذا الممر المائي الحيوي تذهب أبعد بكثير من حدود الحرب نفسها. فهي لن تتيح لطهران إمكانية ردع أي عدوان أميركي مستقبلي فحسب، وإنما ستمكنها أيضاً من دفع الولايات المتحدة إلى التخلي عن الحرب -بل والتفاوض على رفع العقوبات المفروضة على إيران؛ وهو تنازل لم ينجح البرنامج النووي الإيراني في انتزاعه حتى ذلك الحين.
ولم تستطع الولايات المتحدة انتزاع السيطرة على المضيق من إيران، ولا قصفه، ولا فرض عقوبات عليه. باختصار، لم تعد الولايات المتحدة قادرة على احتواء إيران بالطريقة التي كانت تفعلها من قبل، واضطرت إلى القبول بدور أكبر لإيران يتعدى المنطقة ويمتد إلى الاقتصاد العالمي.
وكان معنى ذلك بالنسبة لإيران أن البنية الأمنية الإقليمية التي استمرت عقوداً منذ رئاستي جيمي كارتر ورونالد ريغان، وقامت أساساً على احتواء إيران، قد انتهت إلى غير رجعة وأن الأمور لن تعود أبداً كما كانت.
انهيار بنية الأمن الأميركية
كانت الاستجابة الإيرانية الفورية للهجوم الأميركي والإسرائيلي هي الرد بضرب القواعد العسكرية الأميركية المنتشرة في مختلف أنحاء الخليج العربي. وقد أغرقت الصواريخ الإيرانية وطائرات "شاهد" المسيّرة منظومات الاعتراض الأميركية والعربية بوابل من الهجمات، موقعة أضراراً جسيمة في أكثر من اثنتي عشرة قاعدة عسكرية أميركية. وسرعان ما وسّعت إيران هجماتها لتشمل القواعد العسكرية التابعة لدول عربية، سواء تلك التي تستضيف أصولاً عسكرية أميركية أو تشارك في العمليات الأميركية. ثم اتسعت هذه الهجمات أكثر لتطال منشآت الطاقة في أنحاء مختلفة من الخليج العربي. وكان أبرزها هجوم إيران على حقل غاز "رأس لفان" رداً على هجوم إسرائيلي استهدف حقل غاز "بارس" الإيراني. وفي وقت لاحق، هاجمت إيران منشآت نفطية في ميناء الفجيرة بدولة الإمارات العربية المتحدة، فضلاً عن ناقلات تحمل النفط والغاز تعود لدول الخليج.
وقد أثارت الهجمات الإيرانية غضب جيرانها العرب. لكن حكام إيران لم يروا في الخوف والغضب العربيين مصدر قلق على المدى القريب، ولم يكونا كافيين لردع طهران عن مهاجمة جيرانها. لم تكن دول الخليج قادرة على تهديد إيران بالرد الانتقامي بطريقة موثوقة. كما أنها لم تكن قادرة على إضافة الكثير إلى القوة النارية الأميركية والإسرائيلية المشتركة. ولو أنها انضمت إلى القتال، فإنها كانت ستعرّض نفسها لهجمات إيرانية أوسع لم تكن مستعدة لتحمّل تبعاتها.
مع ذلك، لم تكن إيران تسعى إلى خوض حرب مع جيرانها الخليجيين. وكان لهجماتها على أراضيهم هدفان إستراتيجيان: أولهما، تدمير القواعد والأصول العسكرية الأميركية المنتشرة في الخليج، والتي كانت حاسمة بشأن قدرة الولايات المتحدة على شن الحرب. وقد دمّرت الهجمات الإيرانية طائرات ومنظومات رادار، فضلاً عن مدارج طائرات ومنشآت بحرية.
وأثبت ذلك فاعليته. وعلى سبيل المثال، أدى تدمير مقر الأسطول الخامس الأميركي في البحرين إلى تكوين ضغط كبير على الأسطول الأميركي الذي كان قد أصبح بحلول الشهر الثالث من الحرب مكلفاً بفرض حصار بحري على إيران. وقد اضطرت البحرية الأميركية إلى الاعتماد على وسائل أكثر صعوبة بكثير من المعتاد لتأمين الدعم اللوجستي لسفنها الحربية. كما أدى فقدان منظومات الرادار الحيوية إلى تقليص نطاق المعلومات الاستخبارية الميدانية التي كانت توجه الغارات الجوية الأميركية والإسرائيلية على إيران.
بحلول الشهر الخامس من الحرب، كانت إيران قد نجحت عملياً في إبعاد الوجود العسكري الأميركي عن الخليج. وأدى حجم الدمار الذي لحق بالقواعد، إلى جانب التهديد المستمر بالصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية بينما كانت مخزونات صواريخ الاعتراض الأميركية تتناقص، إلى إجبار الولايات المتحدة على نقل أصولها وعملياتها إلى قواعد في إسرائيل ودول إقليمية أخرى أبعد عن الخليج. وقد شجعت دول الخليج أيضاً هذا الانتقال لتقليص حجم الهجمات التي تستهدف أراضيها، خاصة بعد الهجمات الإيرانية المتواصلة على الكويت طوال شهر تموز (يوليو).
بالنسبة لطهران، لم يكن ذلك مجرد مكسب إستراتيجي في زمن الحرب. كان أيضاً خطوة مهمة نحو تحقيق هدف قديم لطالما سعت إليه، يتمثل في إرغام الجيش الأميركي على مغادرة منطقة الخليج. وبعبارة أخرى، زرع الشهران الأولان من الحرب الشك في مستقبل القواعد الأميركية وجدواها، سواء في نظر الجيش الأميركي أو في نظر الدول المضيفة. ففي نهاية المطالف، لم تعد الولايات المتحدة قادرة على حماية قواعد قريبة إلى هذا الحد من إيران، ولذلك قد لا ترى جدوى في إعادة بنائها. ومن جهتها، بدأت دول الخليج هي الأخرى في النظر إلى هذه القواعد باعتبارها عبئاً أكثر منها مصدراً للحماية؛ حيث يفتح وجودها دول الخليج أمام الحرب والفوضى الاقتصادية وتدمير بنيتها التحتية الحيوية. وعززت إيران هذه الفكرة في رسائلها السياسية، وأكدت أن السلام المستقبلي بينها وبين جيرانها لن يكون ممكناً إلا إذا لم تعد القواعد الأميركية إلى الخليج.
حتى الآن، ما يزال مستقبل الوجود العسكري الأميركي في الخليج العربي غير واضح. لكن إيران حققت مكسباً إستراتيجياً مهماً بتقليص نطاق هذا الوجود، وإثارة الشكوك حول جدواه في نظر الدول الخليجية. وستكون هناك دول خليجية تتصرف بطرق مختلفة في ردها على هذا المقترح، كما أن انقساماتها الداخلية نفسها تخدم الأهداف الإيرانية.
تحوّل اتصال الخليج
بالعالم إلى نقطة ضعف
كان الهدف الإستراتيجي الثاني لإيران من مهاجمة دول الخليج هو الضغط على الاقتصاد العالمي. وقد اشتد هذا الضغط بعد أن استهدفت إيران البنية التحتية المدنية في الخليج وأغلقت مضيق هرمز. وفي حين رأت الولايات المتحدة وإسرائيل أن المجال الجوي الإيراني هو ساحة المعركة الرئيسية، اختارت إيران فضاء الخليج العربي. وكان الهدف الأول هو إعاقة الهجمات على إيران؛ لكن استهداف الخليج العربي حوّل الاقتصاد العالمي نفسه إلى ساحة للاستهداف. ولم تتمكن الولايات المتحدة من منع إيران من التأثير في أسواق الطاقة العالمية وتعطيل سلاسل الإمداد العالمية التي تعتمد على التجارة مع الخليج العربي.
نتجية لذلك، قفزت أسعار النفط والغاز الطبيعي إلى مستويات مرتفعة -وكذلك أسعار الديزل ووقود الطائرات. وانعكس ذلك على أسعار الغاز في الغرب، وأدى إلى نقص في الوقود في مناطق كثيرة من العالم مما أسهم في ارتفاع معدلات التضخم والبطالة.
وفوق ذلك، أدت اضطرابات إمدادات السلع المصنعة والمنتجات البتروكيميائية -ومنها الهيليوم واليوريا والألمنيوم وزيوت الطهي- إلى جانب انقطاع الوصول إلى الموانئ العملاقة في دبي، إلى تعطيل النشاط الصناعي في أجزاء واسعة من آسيا، وإثارة مخاوف بشأن الأمن الغذائي في أفريقيا. وعلى مدى عقود، أصبح الخليج العربي حيوياً لإمدادات الطاقة العالمية، لكنه أصبح مهماً لقطاعات عديدة من الاقتصاد العالمي أيضاً، بوصفه مركزاً مهماً للتجارة العالمية. ولطالما قدّمت دول الخليج ترابطها مع الاقتصاد العالمي باعتباره إنجازاً بارزاً ودليلاً على نجاح نماذجها للتنمية الاقتصادية. لكن الحرب حوّلت منطقة الخليج إلى نقطة ضعف في الاقتصاد العالمي.
كانت الولايات المتحدة حساسة بشكل خاص للتداعيات الاقتصادية للإستراتيجية الإيرانية. فقد أدى ارتفاع أسعار الغاز إلى تأجيج التضخم داخل الولايات المتحدة، وكذلك فعَل شبح الانكماش الاقتصادي العالمي. وقد أشار الرئيس ترامب إلى مخاوفه بشأن الاقتصاد العالمي عندما وافق على توقيع "مذكرة التفاهم" مع إيران في حزيران (يونيو) 2026.
منذ ذلك الحين، أصبح هدف الولايات المتحدة انتزاع السيطرة على المضيق من إيران وإعادة حركة التجارة في الخليج العربي إلى مستويات ما قبل الحرب. لكنّ إيران مصممة على منع حدوث ذلك. وهي ترى الآن أن سيطرتها المحكمة على مضيق هرمز أصبحت واقعاً لا رجعة فيه. ولم تكتفِ إيران بالتحرك للمطالبة بالمضيق باعتباره منطقة سيادية تمارس عليها سيطرة لا ينازعها فيها أحد، وإنما ترى أيضاً أن موقعها الجغرافي، بساحلها الطويل الممتد على بحر العرب والخليج العربي، يجعل أي محاولة من الولايات المتحدة أو جيران إيران لحرمانها من السيطرة على المضيق مسعى غير قابل للتحقيق.
في الحقيقة، تمكنت المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة من مواصلة تصدير النفط خلال الأزمة، باستخدام محطات تصدير على بحر العرب والبحر الأحمر كانت قوات الحوثيين المتحالفة مع إيران قد استهدفت بعضها في السابق. ويمكن توسيع هذه المنشآت أكثر في المستقبل، كما يمكن أن تتيح تصدير الطاقة من قطر والكويت والعراق أيضاً. لكن إنجاز هذه المشاريع سيحتاج إلى وقت، وترى طهران أن هذه المسارات البديلة لن تعوض بصورة كاملة حركة المرور عبر مضيق هرمز -خاصة عندما يتعلق الأمر بالتجارة في غير النفط والغاز.
بالإضافة إلى ذلك، ومع تصاعد الصراع بين الحوثيين والسعودية، تظل هذه المسارات البديلة عرضة للطائرات المسيّرة والصواريخ التي قد تستخدمها الجهات الحليفة لإيران، بالإضافة إلى إيران نفسها. وبذلك، لا ترى إيران أن قوتها تقتصر على السيطرة على مضيق هرمز، وإنما تمتد إلى القدرة على ممارسة الضغط على نقاط الاختناق البحرية الأخرى.
وترى إيران أن على العالم أن يتعامل مع هذا الواقع الجديد. وفي نظر طهران، ستعزز سيطرتها على المضيق سريان مفاعيل الحرب وترسيخ نتائجها. وقد انهار احتواء إيران. ودُمّرت القواعد الأميركية المنتشرة في أنحاء المنطقة. ومن المرجح أن يكون النموذج القديم القائم على تطويق إيران عسكرياً قد أصبح بالياً عتيق الطراز.
لم يعد بوسع جيران إيران العرب التعويل على التحالف القديم مع الولايات المتحدة كحلّ لتحدياتهم الأمنية. وسوف تتباين مواقفهم، وسيسعى كل منهم إلى مجموعة مختلفة من الحلول لتلبية احتياجاته الأمنية؛ وهو ما سيعني، في أفضل الأحوال، تعدُّد مراكز القوة في المنطقة؛ وفي أسوأها تنافساً فوضوياً بين تحالفات متداخلة. وفي هذه البيئة ستتاح لإيران مساحة أكبر بكثير للمناورة. وستوازن بين التقارب مع بعض هذه التحالفات واستخدامه لمواجهة التحالفات الأخرى التي تعارضها.
معضلة أمنية عربية مزدوجة
تبقى إسرائيل مصدر القلق الأكبر لإيران. وستظل المنافسة بين الطرفين محتدمة. سوف تسعى إيران إلى تعزيز نفوذها في لبنان واستغلال موقعها الإستراتيجي في اليمن للضغط على إسرائيل، بينما ستسعى إسرائيل بدورها إلى تقويض الجمهورية الإسلامية في الداخل والخارج. ومع ذلك، ترى إيران أن الحرب أضعفت إسرائيل. فقد اصطدمت توقعات إسرائيل بأن القوة العسكرية قادرة على تحقيق جميع أهدافها الإستراتيجية وتأكيد هيمنتها الإقليمية بعقبات لا يمكن تجاوزها في حربين مع إيران. كما ألحقت النتائج الكارثية للحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران ضرراً بالغاً بالتوافق الإستراتيجي بين الحليفين، وربما تكون قد فتحت شرخاً بينهما حول مستقبل الشرق الأوسط.
ترى إيران أن إحكام قبضتها على مضيق هرمز سيقلل شهية الولايات المتحدة لخوض حرب أخرى معها، وهو ما سيحد بدوره من الخيارات العسكرية أمام إسرائيل. وكانت الإستراتيجية الإسرائيلية قد ارتكزت منذ العام 2023 على تحقيق النصر العسكري. ومن دون الحرب، ستظل هذه الإستراتيجية مقيدة.
ولم تكسب إسرائيل أي حلفاء جدد في المنطقة منذ الحرب. وترى إيران أن "اتفاقات أبراهام" لن تتوسع على الأرجح أكثر مما هي؛ بل إنها قد تتعرض لضغوط متزايدة. وسيواجه المحور الإسرائيلي-الإماراتي-الهندي تحدياً من "تحالف مكة" الذي تشكل بين باكستان والسعودية وتركيا، ومن تحالفات أخرى يغلب أن تظهر لاحقاً. ويرى العرب أن التهديد الإيراني آخذ في التزايد، لكنهم الآن أصبحوا يرون إسرائيل تهديداً أيضاً. وأصبحت المعضلة الأمنية العربية مطالبة بالتعامل مع الطرفين معاً، وهو ما يصب في مصلحة إيران. فهي تعتقد أن النظام الأمني المستقبلي في المنطقة لن يُبنى حول احتواء إيران وحدها.
في الفراغ الذي خلّفته الولايات المتحدة، تتوقع إيران أن تؤدي الصين دوراً أكبر في الشرق الأوسط. ومن المرجح أن يتزايد حضورها الاقتصادي، وكذلك دورها الدبلوماسي في التوسط لإحلال السلام بين التحالفات المتنافسة. وقد تصبح للصين أيضاً بصمة عسكرية أكبر في الخليج العربي. فهي ترتبط بعلاقات عسكرية وثيقة مع باكستان، وأجرت في السابق مناورات بحرية مشتركة مع إيران. وقد تنشئ البحرية الصينية قواعد لها في ميناء غوادر الباكستاني والمنشآت البحرية الإيرانية في تشابهار. ويمكنها أن توفر أمناً بحرياً يكون مقبولاً لدى دول الخليج جميعاً.
كما أن الدور الأمني المتزايد الذي يُتوقع أن تضطلع به باكستان من خلال إبرام اتفاقات دفاعية مع السعودية -وربما مع الكويت أيضاً- يحظى بدعم الصين. وستضطر الولايات المتحدة، حتماً إلى منافسة الصين بدرجة أكبر، وستؤدي هذه المنافسة إلى تغيير طبيعة السياسة الأميركية في الشرق الأوسط.
كما ستضطر أوروبا أيضاً إلى تبني مقاربة جديدة. وكانت سياستها تجاه الشرق الأوسط قد اتبعت منذ خمسينيات القرن الماضي قيادة واشنطن، وترى طهران أن ذلك ينطبق بصورة خاصة على موقفها من إيران. أما الآن، فقد أصبحت مصالح أوروبا نفسها في الشرق الأوسط، التي تتمحور حول استقرار إمدادات الطاقة والتجارة، تفرض عليها اعتماد مقاربة جديدة أيضاً. وقد أصبح واضحاً لطهران أن بروكسل حريصة على إعادة بناء العلاقات التي انقطعت مع إيران بما يتيح لها أداء دور الوسيط بين إيران وجيرانها العرب. وستتوقف فاعلية أوروبا في تلبية الاحتياجات الأمنية العربية على امتلاكها قدراً من النفوذ في طهران.
ترى إيران أن المستقبل القريب للشرق الأوسط سيتحدد بتراجع النفوذ الأميركي. وستدخل المنطقة مرحلة من الفراغ وإعادة التشكل. وترى طهران في ذلك مجالاً واسعاً للتأثير في ملامح النظام الناشئ، وتعتبر نفسها جزءاً مهماً منه. وهي لا ترى أن الشرق الأوسط سيتنظم حول مواجهة إيران وحدها بقدر ما سيعكس تعدد المصالح الاقتصادية والأمنية لقوى وفاعلين متباينين.
وفي غضون ذلك، ستطفو توترات أخرى على السطح وسيتعين على أي نظام جديد أن يأخذ في الحسبان أن تركيا ستكون أكثر انشغالاً بإسرائيل، وباكستان بالهند وإسرائيل، بينما ستضطر السعودية إلى الموازنة بين مخاوفها من إيران ومخاوفها من إسرائيل ومن تعتبرهم في صفها في الإقليم. وفي خضم هذا المشهد المتشابك، ستتداخل المصالح الصينية والروسية والأوروبية في تشكيل مآلات المنطقة. وفي الحقيقة، يبدو المستقبل فوضوياً، وهو ما يعني تراجع الضغط العسكري والاقتصادي على إيران.
*ولي نصر Vali Nasr: أكاديمي ومحلل أميركي من أصل إيراني، وُلد في طهران، ويشغل منصب أستاذ مجيد خضوري للشؤون الدولية ودراسات الشرق الأوسط في كلية الدراسات الدولية المتقدمة بجامعة جونز هوبكنز، كما يشغل منصب مستشار أول غير مقيم لبرنامج الشرق الأوسط في "مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية" (CSIS). تولى عمادة الكلية بين العامين 2012 و2019، وعمل بين العامين 2009 و2011 مستشاراً أول لريتشارد هولبروك، المبعوث الأميركي الخاص إلى أفغانستان وباكستان. وهو مؤلف عدد من الكتب حول إيران والشرق الأوسط والسياسة الخارجية الأميركية، من أبرزها "إستراتيجية إيران الكبرى: تاريخ سياسي"؛ و"الأمة القابلة للاستغناء عنها: السياسة الخارجية الأميركية في تراجع".
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Iran and the Emerging Security Order in the Middle East