عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    29-Mar-2026

حين يكون الكاتب ضنينًا باسمه| د.عبد الحسين شعبان

 

 جريدة الوطن الجديد في 29 آذار / مارس 2026-
 
عبد الحسين شعبان
 
في عصر الثورة العلمية – التقنية والطفرة الرقمية "الديجيتال" وفي الطور الرابع للثورة الصناعية واستخدامات الذكاء الاصطناعي، أصبح بإمكان كل إنسان أن يكون كاتبًا باستخدام التقنيات التي توفرها، حتى وإن كان لا يمتلك سوى فك رموز الحرف، والسؤال هل أن كل كاتب هو كاتب جيد؟ ثمّ ما هي مواصفاته؟
 
.
لعلّ الكتابة هي مزيج من الموهبة والممارسة، وهذه تحتاج إلى رؤية وإبداع بحيث تستطيع اجتذاب القرّاء، لاسيّما القدرة على الابتكار، وبالطبع فالكتابة الجيدة لا بدّ من أن تتميّز بالدقّة والاتقان وتقديم المعلومة التي بتراكمها تُصبح المعرفة بمتناول القارئ.
والكاتب الجيّد لا بدّ أن يكون قارئًا جيدًا منشغلًا بالتفاصيل، بل وحسّاس إزاءها، بقدر انشغاله بالمشهد العام، مثلما عليه أن يواكب التطوّر بانفتاح على الجديد، وأن تكون الكتابة لديه متعة وفائدة وشعور بالإشباع الذاتي. 
 لعلّ من حق كل إنسان أن يطمح في أن يُصبح كاتبًا، ولكن حتى يصبح مبدعًا وناجحًا، فذلك يحتاج إلى مستلزمات وإلى صفاء سريرة ومران وممارسة وطول نفس ومشقة وجهد ومثابرة وأمانة وضمير حيّ. 
الكاتب الجيد يتعلم من أخطائه وتجاربه في الحياة وهي المدرسة الكبرى، وليست الكتب وحدها، مثلما لا يتعلّم الإنسان السباحة إلّا إذا نزل إلى الشاطئ، ومثلما تحتاج رياضة اليوغا إلى الصبر والجلوس لمدة طويلة باسترخاء ومراقبة الشهيق والزفير، فالكتابة أيضًا تحتاج إلى وقت وتعلّم وتراكم لتأتي بعدها القدحات وتبدأ الشحنات وتنطلق الشرارات.
وعلى الكاتب الجيد أن ينفتح على حقول المعرفة المختلفة، حتى وإن كان حقل اختصاصه بعيدًا عنها، فهي مثل الأرخبيلات مفتوحة على بعضها، فلسفيًا واجتماعيًا وثقافيًا ونفسيًا وعلميًا، وذلك بعد معاشرة حميمة وطويلة مع الحرف وصداقة وطيدة وعميقة مع الكلمة وزمالة وألفة مع الجملة والمقالة والكتاب، وهكذا يستطيب الكاتب المغامرة والتجريب، وأحيانًا يسير بها حتى أقصاها في سرديات وخواطر وحِكم وأفكار وقصائد وأجناس أخرى من الكتابة.
إذا أراد الكاتب التفرّد والتميّز فعليه ألّا يلتزم منهجًا واحدًا محدّدًا بحيث يكون أسيرًا له، فالمناهج يمكن أن تتلاقح وتتفاعل لتُنتج مزيجًا من المعرفة الجديدة، وكل جديد "خلق" و"إنشاء" و"تكوين"، وهكذا ستنصاع الحروف وتستجيب الكلمات بحيث تكون طوع أصابع الكاتب وبإمكانه توظيفها بطريقة بارعة في التعبير عن قيمه ومبادئه التي يؤمن بها كي تكون أداة قادرة على التعبئة والتحريض والإثارة ورفع الوعي.
لا يكفي الكاتب أن يكون حبيس مكتبه، حتى لو توفرت له جميع المستلزمات الضرورية للكتابة، لكن ما يعطيه خصوصية هو مخالطته للناس ومجالسته لطبقات مختلفة وفئات متعدّدة وتعرّفه على أجناس وشعوب ولغات ونساء ورجال وأجيال متفاوته، وعليه ألّا يهمل مجموعة ثقافية دون التعرّف عليها، فالحداثة تتطلّب معرفة القدامة، والتمسّك بالهويّة يُفضي إلى التفاعل مع هويّات الآخرين، إضافةً وحذفًا، تأثيرًا وتأثرًا، والهويّة مفتوحة وليست مغلقة، وهي غير مكتملة أو تمامية، بل متغيرة وغير نهائية.
الكاتب المبدع يقبل بما لدى الآخر، ويقرّ بالتعددية والتنوّع، فتلك سمة الحياة، وبقدر اعتزازه بلغته وإتقانه لفنونها في الفقه والبيان وعلم الكلام والثقافة والأدب والشعر خصوصًا، والدين أو الأديان في المجتمعات المتعدّدة الثقافات، فإن عليه الاطلاع على المعارف لدى الآخر.
قالت العرب أصل الكلام البلاغة، لأن الكلام فعل وسلوك ونشاط وخلق، واللغة هي قانون وناموس وقواعد ومعايير وإشارات ورموز تعطي لهذا الكلام دلالاته ومعانيه، وهذه تحتاج إلى آليات وتقنيات تجمع بين جمالية النص وفصاحته، إضافة إلى عمق مضامينه وقدرته على التعبير، هكذا تكون كلمات الكاتب الجيد لأنه سيتقن بمهارة عالية كل حرف ينقشه على الورق وكل كلمة يدوّنها قلمه مثل الموسيقي الذي يعرف نغمة كل آلة موسيقية، وأي هارموني يجمعها حين تكون في إطار تكاملي مع الآلات الأخرى.
اللغة أيضًا موسيقى، وكل موسيقى لها روّادها ومحبّيها، وحين يكون الإنسان ملمًّا بهذا الفن الراقي، فسيعرف كل نغمة تخرج من آلاته، مثلما يعرف الكاتب لمن يتوجّه ومن يخاطب وماذا يريد؟ وأين موقع كل حرف وفاصلة وإشارة.
لعلّ حيرة الكاتب الجيّد تعيش معه، فمن أين يبدأ وكيف يختار عناوينه؟ وما هو المتن وعلاقته بالهامش؟ ثم كيف يقفل ما يكتبه، خلاصةً واستنتاجًا وفسحة للتأمّل والتفكير بحيث تكون القفلة فضاءً مفتوحًا للمعرفة وإعادة النظر والاستزادة بالبحث.
وأضيف، كيف سيعبّر عن آرائه وأفكاره ومقارباته؟ وعلى أي قاعدة يريد أن يُرسي كتاباته أو دراسته أو بحثه أو مقالته أو كتابه؟ هل من خرم الإبرة أو من ثقب الأيديولوجيا؟ أم أن العالم أغنى والحياة أوسع؟
ويبقى المكان بمعنى البلد، المدينة، الناس وفضاء الحوار والجدال والسجال، ذلك الذي يتمّ التعبير عنه بمونولوج داخلي، أحد هواجس الكاتب، ولكل كاتب مونولوجه في السر والعلن، الصامت والمتحرّك، الصاخب والخافت.
ثم أين موقع الكاتب من منظومة القيم مثل الحريّة والمساواة والعدالة والشراكة والمشاركة، هل ستكون هذه سقفه في الكتابة أم يجد مبررات ومسوّغات لكي يبرر عكسها؟ كيف يحوّل الكاتب ما له علاقة بالآخر إلى علاقة بشخصه بحيث تتحوّل الكتابة إلى أقصوصة أو حكاية كجزء من التشويق والإثارة.  
وفي الختام أقول، هل يمكن أن يكون الكاتب مبدعًا دون أن يكون ناقدًا اجتماعيًا حقيقيًا، مراعيًا شروط النقد الموضوعي، بما فيه النقد الذاتي، ففي ذلك أنثروبولوجيا الكتابة وسيسيولوجيتها التي تقف على إيقاع لحن خاص يجمع العام بالشخصي في بوتقة واحدة، لا انصهار فيها بقدر ما فيها من إقرار بالتنوّع في إطار الوحدة.
 
 جريدة الوطن الجديد في 29 آذار / مارس 2026.