الدستور
سأموت حين يقرر الله، لا حين يقرر الموساد - خالد مشعل.
هل تذكرون الصورة الشهيرة التي التُقطت لرئيس الجيش الباكستاني، الجنرال عاصم منير، في سويسرا، في اليوم الأول من المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران؟ ظهر يومها بوجه شاحب يعلوه القلق، وبعينين غائرتين، أو كما نقول بالعامية: «وجهه مخطوف». وقد انشغلت التعليقات حينها بسؤال واحد: ما الذي سمعه الجنرال حتى بدا عليه كل هذا القلق؟
قد يكون الصحفي البرازيلي الشهير، بيبي إسكوبار، قد كشف هذا السر؛ فوفقًا لما ذكره، كُشف عن مخطط كان الموساد يعتزم بموجبه اغتيال رئيس الجيش الباكستاني أثناء وجوده في سويسرا. أما الهدف، فكان واضحًا: إفشال المفاوضات، وخلط الأوراق، واستفزاز باكستان للدخول في مواجهة مع الكيان، بما يجعل الولايات المتحدة تجد نفسها مضطرة للدفاع عن قاعدتها المتقدمة في المنطقة.
بعد ظهور هذه القصة، بدأت تتوالى تقارير أخرى تتحدث عن تفاصيل الخطة. فقد أشارت بعض التقارير إلى أن المخطط كان يستهدف اغتياله أثناء تنقله داخل سويسرا، فيما تحدثت تقارير أخرى عن نية إلصاق التهمة بإيران بعد تنفيذ الاغتيال. فالكيان الصهيوني يدرك أن أي اتفاق ناجح بين الولايات المتحدة وإيران سيضعف نفوذه في المنطقة، ويدفع باتجاه تهدئتها، وهذا تحديدًا ما لا يريده الصهاينة.
وتتحدث تقارير أخرى عن أن جهاز الاستخبارات الباكستاني كشف هذه المؤامرة بعد اعتراضه اتصالات لرجال من الموساد. وبدلًا من إلغاء الاجتماع أو تأجيله، اتخذت القيادة الباكستانية قرارًا بالاستمرار فيه. وفي الوقت نفسه، وصلت رسالة مباشرة من باكستان إلى الكيان الصهيوني عبر قنوات خلفية: «إذا مسستم وفدنا، فسنمحوكم عن الخريطة». لم تكن الرسالة محمّلة بعبارات دبلوماسية منمقة، ولا بلغة محسوبة؛ بل كانت تحذيرًا واضحًا من دولة نووية تمتلك القدرة على محو الكيان.
ووفقًا للتقارير، أعاد الموساد تقييم موقفه، بعدما تبيّن أن كلفة هذه العملية تفوق ما يستطيع الكيان تحمّله، وأن عواقبها ستكون كارثية. وهكذا فشلت العملية قبل أن تُنفذ.
ومع ذلك، لا يزال هناك جدل حول صحة هذه القصة؛ فثمة من يشكك فيها أصلًا، خاصة في ظل غياب أي تصريحات رسمية من الجانب الباكستاني أو من الصهاينة. وفي المقابل، يرى آخرون أنها ربما كانت تسريبًا متعمدًا، هدفه إرسال رسائل تحذيرية إلى الكيان، أو إظهار قوة جهاز الاستخبارات الباكستاني وقدرته على كشف ما يُدبّر في الخفاء.
أما أنا شخصيًا، فأميل إلى تصديق هذه الرواية؛ فأول من كشفها صحفي معروف، يكتب في أهم وسائل الإعلام في شرق آسيا، وقريب من دوائر القرار، وقد سبق له أن كشف وقائع تبيّنت صحتها لاحقًا. كما أن للموساد تاريخًا طويلًا في تنفيذ عمليات خارج الحدود، بما في ذلك استهداف شخصيات ووسطاء. ومن الأمثلة على ذلك استهداف الشقيقة قطر عبر محاولة ضرب قيادة حماس في الدوحة، رغم أنها كانت وسيطًا رئيسيًا في مفاوضات وقف إطلاق النار، وكذلك اغتيال الشهيد إسماعيل هنية في قلب طهران، في توقيت لا يمكن فصله عن مسار المفاوضات مع حماس.
لذلك، فحتى لو بقيت هذه القصة في دائرة التسريبات ولم تُحسم رسميًا، فإنها تكشف بوضوح حجم القلق من أي تسوية قد تعيد ترتيب موازين القوة في المنطقة، وتحدّ من قدرة الكيان على إشعال الملفات متى شاء.