عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    20-Aug-2026

بين واشنطن وتل أبيب.. تفويض القتل لتثبيت النفوذ*لما جمال العبسه

 الدستور

لم يكن القصف الأخير على قطاع غزة مجرد حلقة جديدة في سلسلة العنف، فهذا القصف لم يتوقف حتى مع إعلان وقف اطلاق النار، لكنه جاء بهذه الوحشية في توقيت بالغ الحساسية، حيث ينشغل العالم بالحرب على إيران وتداعياتها الاقتصادية لتغيب عن المشهد ولو جزئياً ممارسات جيش الاحتلال الصهيوني النازي وما يفعله في القطاع وتوسيع احتلاله، لتُترك غزة والضفة الغربية تواجهان وحدهما آلة الحرب الصهيونية.
 
هذا الإغفال الدولي ليس صدفة، بل إعادة ترتيب الأولويات في واشنطن وبعض العواصم الغربية، حيث يُنظر إلى إيران كتهديد استراتيجي أول، فيما يُمنح لدولة الكيان الصهيوني المزعومة هامش واسع للتحرك بحرية في محيطها الإقليمي.
 
زيارة جاريد كوشنير موفد الرئيس الامريكي دونالد ترامب الأخيرة إلى تل أبيب شكّلت علامة فارقة؛ إذ بدا وكأنه ختم الموافقة على كل ما قاله رئيس حكومة الاحتلال الصهيوني الفاشي بنيامين نتن ياهو، مانحاً الغطاء السياسي والدبلوماسي لمزيد من التصعيد، هذا الدعم الأمريكي، حتى وإن تعارض مع خطة ترامب للسلام، يوضح أن واشنطن مستعدة للتضحية بمسار التسوية إذا كان ذلك يخدم أمن دولة الكيان المزعومة ويعزز موقعها في المنطقة، والنتيجة هي إطلاق يد تل أبيب ليس فقط في قطاع غزة، بل أيضاً في لبنان وسوريا، حيث تُستخدم ذريعة لما تسميه «ردع المقاومة» وفرض السلام بالقوة او بمزيد من القوة لتبرير الضربات وتوسيع النفوذ.
 
في قطاع غزة يتجلى المشهد بأكثر الصور قسوة، فقد تم خلال اليومين الماضيين استهداف البنية الأمنية والمدنية، وتم ضرب مقرات الشرطة، وقصف مخيمات النازحين، والهدف ليس فقط العمل على القضاء على حركات المقاومة هناك وعلى رأسها حركة حماس، انما تفكيك أي قدرة على إدارة الحياة اليومية للفلسطينيين، بما يفتح الباب أمام فوضى تُستخدم لاحقاً لتبرير تدخلات أوسع بل واحتلال القطاع كاملاً، وفي الضفة الغربية تتكرر الاعتقالات والاقتحامات، في محاولة لإخماد أي شرارة مقاومة قد تربك المعادلة التي يريدها الكيان الغاصب والمتمثلة في «أمن مطلق له وحق غير محدود في التصرف بأراضي المنطقة».
 
لكن خلف هذا التصعيد يختبئ بعد داخلي لا يقل أهمية، فالفاشي نتن ياهو يدرك أن قتل الفلسطينيين هو الوقود الافضل للانتخابات في الداخل الصهيوني، وكل ضربة على «غزة»، وكل إعلان عن «نجاح أمني»، يُستخدم لتعزيز صورته أمام الناخبين، حتى لو كان الثمن مئات الأرواح الفلسطينية، وهنا تتقاطع السياسة الداخلية مع الاستراتيجية الإقليمية، حيث يصبح التصعيد أداة انتخابية بقدر ما هو أداة ردع.
 
في ظل استمرار هذا العدوان النازي على القطاع فإن المستقبل القريب ينذر بمزيد من التعقيد، فاستمرار الحرب الأمريكية الصهيونية على إيران سيبقي الأنظار بعيدة عن قطاع غزة ومأساته، ما يمنح الكيان الصهيوني فرصة لتصعيد أكبر دون ضغوط دولية جدية. في المقابل، أي انهيار في خطة ترامب للسلام سيُظهر أن واشنطن لم تعد معنية حتى بالحد الأدنى من التوازن، بل باتت ترى في دعم إسرائيل المطلق خياراً استراتيجياً، وهذا قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الفوضى الإقليمية، حيث تُستخدم القوة العسكرية كأداة رئيسية لإعادة رسم الخرائط السياسية وحتى الاقتصادية.
 
قطاع غزة اليوم ليس مجرد ساحة مواجهة، بل مرآة لسياسة إقليمية أوسع تُدار من واشنطن وتل أبيب، والتصعيد الأخير يكشف أن الكيان الصهيوني حصل على تفويض لتوسيع نفوذه، وإذا استمر هذا النهج فإن المنطقة ستدخل مرحلة جديدة من عدم الاستقرار، حيث تُنسف خطط السلام، وتُطلق يد القوة، ويُترك الشعب الفلسطيني ليواجه وحده تداعيات لعبة كبرى تُدار فوق أرضه وبدمائه.