عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    01-Oct-2026

التربية الإعلامية.. كيف تحد من التضليل بالفضاء الرقمي؟

 الغد-محمد الكيالي

مع التدفق المتسارع للمعلومات عبر الفضاء الرقمي، تبرز أهمية تعزيز مهارات التربية الإعلامية والتحقق من الأخبار، بما يمكن الأفراد من التمييز بين الحقائق والآراء والمحتوى المضلل واتخاذ مواقفهم استنادًا إلى معلومات موثوقة.
 
 
وكان وزير الاتصال الحكومي الناطق الرسمي باسم الحكومة د. محمد المومني، أكد مؤخرًا أهمية تعزيز قدرة الشباب على التحقق من المعلومات والتمييز بين الرأي والمعلومة، بما يسهم في بناء حوار عام أكثر وعيًا ويعزّز مشاركة المواطنين في القضايا والشأن الوطني.
وقال المومني إن حرية التعبير وتعدد الآراء يمثلان ركنًا أساسيًا في الفضاء العام الأردني، مشيرًا إلى أن النقاش حول السياسات والقضايا العامة يتيح للمواطنين الإسهام في الحياة العامة وتبادل وجهات النظر.
وشدد على ضرورة الحفاظ على هذا الفضاء عبر المسؤولية والاعتماد على المعلومات الصحيحة عند مناقشة القضايا العامة.
ولفت إلى أن منصات التواصل الاجتماعي فرضت تحديات متزايدة بفعل التدفق الكبير للمعلومات، ولا سيما في ظل ما يعرف بـ"اقتصاد الانتباه"، الذي يدفع أحيانًا إلى إنتاج أو تداول محتوى غير دقيق أو مضلل سعيًا وراء مزيد من الانتشار والتفاعل.
وأكد المومني ضرورة تنمية مهارات التحقق من المعلومات، والتعرف إلى مصادرها وقياس مدى موثوقيتها، محذرًا من بناء المواقف تجاه القضايا والسياسات العامة استنادًا إلى محتوى متداول لم يخضع للتحقق.
وبين المومني أن منظومة الاتصال الحكومي تعمل على توفير المعلومات الدقيقة والتوضيحات اللازمة بشأن القضايا التي تحظى باهتمام عام إلى جانب التعاون مع وسائل الإعلام والصحفيين للتحقق من المعلومات ووضعها في سياقها الصحيح.
وأوضح، أن طريقة التعامل مع الإشاعات والمعلومات غير الصحيحة تختلف من حالة إلى أخرى، تبعًا لطبيعة المحتوى ومدى انتشاره وحجم تأثيره، مؤكدًا أهمية التعامل مع كل حالة وفق معطياتها.
وأكد أن قدرة المجتمعات على التعامل الواعي والمتزن مع الكم المتزايد من المعلومات المتاحة أصبحت أحد عناصر قوتها، لما لذلك من دور في إثراء النقاش العام ومساعدة المواطنين على تكوين مواقفهم استنادًا إلى المعرفة والحقائق.
الذكاء الاصطناعي يعمّق التحدي
من جانبه، حذر الرئيس التنفيذي لمركز حماية وحرية الصحفيين، الزميل نضال منصور، من اتساع فجوة التمييز بين الحقيقة والتضليل في الفضاء الرقمي، في ظل التدفق الهائل للمعلومات وتداخل الحقائق مع الإشاعات والمحتوى المفبرك، مؤكدًا أن التأثير في الرأي العام بات ممكنًا عبر ضخ كميات كبيرة من المعلومات، سواء كانت صحيحة أو زائفة.
وقال، إن الفضاء الرقمي يشهد "انفجارًا معلوماتيًا" تختلط فيه الحقائق بالمعلومات المضللة والإشاعات والفبركة المتعمدة، لافتًا إلى وجود محاولات للسيطرة على هذا الفضاء بصورة مباشرة أو غير مباشرة بهدف صناعة اتجاهات في الرأي العام تستند إلى ما وصفه بـ"الضخ المعلوماتي".
وأوضح أن المشكلة لم تعد تقتصر على تداول معلومات غير دقيقة بل أصبحت أكثر تعقيدًا مع التطورات المتسارعة في تقنيات الذكاء الاصطناعي، التي تتيح للمستخدمين إنتاج محتوى يبدو حقيقيًا رغم عدم استناده إلى وقائع حقيقية.
وأشار إلى أن تقنيات "التزييف العميق" باتت قادرة على تجسيد صورة الشخص وإنتاج مشاهد تبدو واقعية، فضلًا عن استخدام صوته بطريقة توحي بأن المحتوى صادر عنه بينما هو في الحقيقة لم يصدر عنه.
واعتبر أن هذه التطورات تجعل القضية أوسع من مجرد التمييز بين الرأي والمعلومة، لتصل إلى سؤال أكثر عمقًا يتعلق بقدرة الجمهور على التمييز بين الحقيقة والتضليل.
وأضاف أن هناك أيضًا إشكالية في التفريق بين المعلومات باعتبارها وقائع وحقائق، وبين وجهات النظر والاتجاهات، موضحًا أن شريحة من الجمهور تتعامل مع ما تنشره منصات التواصل الاجتماعي باعتباره حقائق ومعلومات مؤكدة بدلًا من النظر إليه باعتباره آراء أو مواقف أو توجهات.
وبيّن أن المشكلة لا تتوقف عند استقبال المعلومات، وإنما تمتد إلى بناء المواقف عليها، حيث قد يتخذ بعض أفراد الجمهور موقفًا غاضبًا استنادًا إلى رأي جرى تقديمه على أنه حقيقة.
وضرب مثالًا على ذلك بالقول إن من يطرح ادعاء بوجود فساد حكومي في قضية معينة قد يقدم رأيًا وليس حقيقة مثبتة، إلا أن المتلقي قد يبني موقفه على هذا الادعاء ويتعامل معه باعتباره حقيقة.
وطرح منصور مسارين أساسيين للتعامل مع هذه الإشكالية، أولهما تعزيز الإفصاح الاستباقي عن المعلومات، مؤكدًا أن غياب المعلومات الرسمية المبكرة يترك مساحة أكبر للتضليل ويزيد من حالة الاختلاط لدى الجمهور بين الحقائق والآراء والإشاعات.
ولفت إلى أن الإفصاح الاستباقي لا يعني مجرد نشر المعلومات وإنما تقديمها وشرحها في وقت مبكر، قبل تفاقم القضايا وتحولها إلى أزمات بما يساعد الجمهور على فهم الوقائع من مصادرها الأصلية.
أما المسار الثاني، فيتمثل في تعليم الجمهور وتدريبه منذ سن مبكرة على كيفية استخدام منصات التواصل الاجتماعي والتعامل مع التدفق الهائل للمعلومات عليها.
وقال إن هذا النوع من التربية ينبغي أن يبدأ من المدرسة، بالتزامن مع دخول الأطفال إلى عالم المنصات الرقمية، حتى يتعلموا كيفية التعامل مع المحتوى وعدم التفاعل معه بصورة تلقائية.
وأشار إلى أنه لا يمتلك مقياسًا أو دراسات موثقة للحكم على مدى نجاح تجارب التربية الإعلامية، لكنه شدد على ضرورة تطوير هذا المسار والبدء به منذ المراحل التعليمية الأولى.
وأكد أن امتلاك هذه المهارات يساعد الفرد على عدم الانفعال بكل ما يسمعه أو يراه، لأن ما يسمعه قد لا يكون حقيقيًا، وما يراه قد يكون زائفًا، وهو ما يجعل القدرة على التحقق والتمييز بين المحتوى أمرًا أساسيًا في البيئة الرقمية الحالية.
بدوره، أكد أستاذ القانون الجنائي والجرائم الإلكترونية المساعد د. أشرف الراعي، إن تعزيز التربية الإعلامية في الأردن يبدأ من ترسيخ قاعدة أساسية لدى الجمهور، تقوم على التمييز بين المعلومة والرأي "فالمعلومة ترتبط بواقعة يمكن التحقق منها، بينما يمثل الرأي تفسيرًا أو تقييمًا لتلك الواقعة".
وقال إن من حق الإنسان التعبير عن رأيه وانتقاد الشأن العام، إلا أن ذلك يتطلب في المقابل امتلاك المتلقي القدرة على التمييز بين الخبر الموثق والتعليق أو التحليل الذي يعكس وجهة نظر صاحبه.
ولفت إلى أن هذا الوعي يشكل خطوة أساسية للحد من تأثير المحتوى المضلل في البيئة الرقمية.
وأشار إلى أن المسألة تحمل أيضًا بعدًا قانونيًا واضحًا في الأردن، حيث يكفل الدستور حرية الرأي والتعبير وحرية الصحافة ضمن حدود القانون، فيما يتناول قانون الجرائم الإلكترونية رقم 17 لسنة 2023 وفق شروطه وأحكامه، أفعالًا تتعلق بإرسال الأخبار الكاذبة أو إعادة إرسالها أو نشرها، إلى جانب الذم والقدح والتحقير عبر الوسائل الرقمية.
وأوضح الراعي أن الضغط على زر "مشاركة" لا يكون دائمًا فعلًا محايدًا، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بإعادة تداول ادعاء يمس شخصًا أو يثير حالة من القلق العام من دون التحقق من صحته.
وفي المقابل، شدد على ضرورة التمييز بين الخبر الكاذب والنقد المشروع أو الاختلاف في الرأي، مؤكدًا أن ثبوت خطأ معلومة ما لا يعني بالضرورة أنها تشكل جريمة، إذ ترتبط المسؤولية القانونية بنص القانون وبظروف الواقعة وملابساتها.
وأكد الراعي أن مواجهة التضليل وتعزيز التربية الإعلامية تتطلب شراكة بين المؤسسات التعليمية ووسائل الإعلام والمنصات الرقمية والجهات المعنية بالتوعية.
وأشار إلى إمكانية إدراج المدارس والجامعات تمارين عملية تساعد الطلبة على التمييز بين الخبر والرأي والإعلان والمحتوى المضلل، فيما يمكن للمؤسسات الإعلامية تعزيز الثقة بالمحتوى من خلال توضيح مصادر الأخبار، والفصل بوضوح بين الخبر والتعليق، والإعلان عن الأخطاء وتصحيحها بصورة علنية.
وقال: "كلما امتلك الفرد أدوات التحقق وفهم حدود حريته ومسؤوليته، أصبح أقدر على المشاركة في النقاش العام بثقة، وأقل عرضة للتضليل أو الإسهام في نشره".